وأعاد السماعة إلي مكانها ونقد البائع ثمن المكالمة واستدار فوق التوار متجها نحو الطريق. طويل القامة نحيلها وروّي الجبهة والعينين. علي ذلك كان يتمتع بحيوية مرحة وتلتمع عيناه بنشاط وابتهاج. وقال أحد الشهود فيما بعد إنه كان عليه أن يتراجع بسرعة وإنه لو فعل ذلك لنجا رغم سرعة السيارة، ندّت عن الرجل صرخة كالعواء وفي ذات الوقت انطلقت صرخات الفزع من المارة الواقفين علي التوار، وتغشّاه صمت بخلاف كل شيء حوله، وبسرعة وبدون أن ينظر إلي يساره كما يجب"، وإذا لم يجد وجها مستجيبا عاد ليقول بلهجة خطابية: "لم يكن بإمكاني تفادي الصدمة". "كل ساعة حادثة من هذا النوع" خطوات فقط وعينهم لا تتحول عن الرجل ولا تخفي حِدة تطلعها وإشفاقها وقال إنسان:"سيبقي هكذا حتي يموت ونحن لا نفعل شيئا" فأجابه الشرطي بلهجة رادعة "أقل لمسة قد تقتله، وبوليس النجدة والإسعاف في الطريق اليه" واعترض الحادث جانب الطريق واضطرت السيارات إلي الإلتفاف حول السور البشري مشاركة الترام في ممشاة. ومن ركابها تطلعت أعين إلي الضحية في اهتمام وأعين تجنبت النظر في جذع. وتفحص الرجل بنظرة شاملة وسأل الشرطي:"ألم تحضر الإسعاف ؟" وتسائل مرة أخري:"هل من شهود؟" وجاء ضابط النقطة والراجل ما يزال راقدا بكامل ملابسه، وألقي نظرة عابرة علي أسماء الأدوية، إذ أن تعليمات شبيهة صدرت إليه من طبيبه في نفس الشأن، سلسة مفاتيح، وكان اخر ما عثر عليه صفحة مطوية من كراسه وبسطها فوجدها رسالة لم تغلف بمظروف بعد، وامتد بصره فوق الوجه الأسطر إلي الوجه الباهت المشئوب بزرقة مخيفة المغلق كسر، فانتبه إلي نفسه وابتسم ابتسامة إستهانة ليدل علي اعتياده أي شيء وقال "اليوم تحقق لي أكبر أمل في الحياة" بذلك بدأت الرسالة وعاد إلي القراءة متجنبا النظر إلي عيني الطبيب، أمينة وبهية وزينب في بيوتهن، واسترق النظر مرة أخري إلي الإنسان الراحل الذي لايدري أحد مقره، ولذلك قررت أن أطلب إحالتي إلي المعاش وقريبا أعود إلي البلد إن شاء الله،