وكانت هذه هي الصيحة الأولى التي انبعثت من أعماق مصطفى النحاس قبل قيام ثورة سنة ۱۹۱۹ وجاشت فى نفسه ، صيحة العطاء المصادق ، ولا يؤمن بالخوف ويستهين بالتضحية ، مهما عظمت من أجل وطنه . دون أن يفكر فى حاله وأسرته ، وأبناء شقيقته في الوقت الذي لا يملك فيه غير راتبه ، أليس هذا هو قمة الاعتماد على ربه ، المستند الى قوته دون سواه ، رجل محدود الموارد ، لكنه في التبعات أكثر من متزوج ، لأن أبناء شقيقته عنده في معزة الابن والولد كل هذا لا شيء عنده ، فقد جاشت بالوطنية روحه ، واشتعل بنارها خاطره وصدره ، وانبعثت مع واقع العناية الالهية عزيمته وقوته - يعلم أن من ورائه الفاقة ، والشظف والبأساء والضر والحرمان ، انها لاشك وطنية عارمة ، ليست مأمونة الجانب وقد تكون القاضية عليه ، ومع ذلك يمضى في طريقه ملقيا بنفسه بين أحضان القدر على خلاف ما نراه اليوم فيمن يظنون انهم قادة وزعماء ، فشغلهم الشاغل أمجادهم الشخصية ، وتطلعاتهم السلطوية وحرصهم على الحياة المادية ، وتنكرهم للاخلاق والحياة المعنوية ، أملهم وغايتهم أن يحكموا ويتحكموا ، كنا قديما مع من كانوا يجودون ولا ينتظرون . فأصبحنا مع من يأخذون ولا يعطون زعيم لم يركب الموجة كما يتشدق أبطال اليوم المزيفون ، تارة تصرعه ، وتارة يصرعها حتى استقر عرش الزعامة له ، لا سند له الا الله ،