يمكن إيجاز أطروحة هنتنجتون المثيرة للجدل في قوله إنه مع انتهاء الحرب الباردة فإن أهم ما يميز الشعوب ليس الأيديولوجيا أو السياسة أو الاقتصاد، وتتنبأ هذه الأطروحة بأن النزاعات على الصعيد الدولي ستكون بين دول وجماعات تنتمي إلى حضارات متباينة، وأكثر عنفا من النزاعات بين جماعات تنتمي إلى نفس الحضارة. وقد قسم هنتنجتون الإنسانية إلى تسع حضارات رئيسية، واستنتج أن الحدود بين الحضارات ستمثل خطوط التماس في معارك المستقبل، وأنه على المدى القريب سيكون التركيز على النزاع بين الغرب وعدة دول تنتمي إلى الحضارتين الإسلامية والكونفوشية، من الملائم أن نتكلم عن "الغرب والآخرين" والذي يعني على الأقل وجود أكثر من "غير غربي". وعلى ذلك يقسم هنتنجتون دول العالم إلى دول تريد التحديث وتقبل التغريب وقطعت أشواطا في هذا السبيل مثل اليابان، وأخرى تريد التحديث ولا تمانع في التغريب وتلاقي صعوبات داخلية ولكنها لا تشكل خطرا على الغرب مثل روسيا ويوغسلافيا وتركيا والهند، تبقى بعد ذلك الدول التي يقول عنها إنها تريد التحديث ولكنها ترفض التغريب، وهي التي يدرجها تحت اسم "الرابطة الكونفوشية الإسلامية" التي يقول عنها إنها تعمل على تطوير قواها الاقتصادية والعسكرية وتتحدى الغرب في مصالحه وهيمنته وقيمه. من بلدان أوروبا الغربية والوسطى، فقد سمح التقدم التكنولوجي للمستكشفين الغربيين بالسفر أبعد، ويقرر هنتنجتون أنه في العام 1920 كان الغرب قد سيطر على ما يزيد على 84٪ من مساحة اليابسة على كوكب الأرض. ويرى هنتنجتون أن الغرب سيطر على العالم عبر تفوقه في تطبيق العنف المنظم، على الرغم من أن الحضارات الأخرى توسعت في الكثير من الأحوال بنفس الطريقة، لكن التساؤل عن كيف تأسس الاستياء من الإمبريالية الغربية هو أقل أهمية من حقيقة أن العديد من آثاره لا زالت موجودة اليوم. أكثر بكثير من أي حضارة أخرى وربما أكثر من كل الحضارات الأخرى مجتمعة. فقد تحرك العالم خلال القرن العشرين نحو أنساق سياسية واقتصادية عالمية، يذكرنا هنتنجتون بأن "الدول الغربية تميل إلى التعامل مع بعضها بعضا كأقران متساوين، وبفضل قوة الغرب ظلت ثقافته لسنوات موضع افتنان الحضارات الأخرى، فيذكر المؤلفان أن الدول غير الغربية أرسلت الكثيرين من طلابها من الجيل الأول المحدث إلى الجامعات الغربية وذلك لتلقي تدريب حديث، ولم تعد أجيالها اللاحقة من الطلبة تعتمد على الخبرة التقنية الغربية أو الفلسفة الغربية. ويقول هنتنجتون إن "الكثير من شعوب الحضارات الأخرى فخورة بشكل متزايد بالاعتماد على نفسها، علاوة على مشاعر الاستقلال والاعتقاد في تفوق القيم غير الغربية، وأحيانا مدمرا على كل الحضارات الأخرى. يتوقع أن يكون للحضارات الأخرى علاقات متوترة مع الغرب، ويمدد هنتنجتون رؤيته بشأن الغرب والإسلام عبر التنبؤ بأن هاتين الحضارتين ستكونان ذات علاقات خاصة تميل للصراع. وهي الفكرة التي تبناها قادة الدول الغربية. بل يرى تقسيمات أكثر تعقيداً ضمن التركيبات المعقدة للفاعلين الدوليين. بالنسبة للقرب هو يعتقد أن الفترة الإمبريالية للإسلام قد سادها التوسع عبر مساحات شاسعة من شمال أفريقيا، وقد خلف ذلك عديد من الدول الإسلامية على اتصال مباشر بدول تنتمي لحضارات أخرى، ويذكر أنه على خلاف المسيحية والبوذية، وهذا يقف على طرفي نقيض مع كل من السيد المسيح وبوذا. بينما يوجد الدليل الآخر في عدد من آيات القرآن التي تشير إلى ضرورة شن حرب ضد الكفار. فوفقا لهنتنجتون، بطبيعة الحال، أي أنه يوفر مبادئ توجيهية ليس فقط للحياة الخاصة والعامة، بمعنى آخر، لا يسمح الإسلام بذلك. فقد سجلت معدلات المواليد على مدار العقود الأخيرة ارتفاعا ملحوظا (خلفت تضخما ديموجرافيا)، في حين أن أوضاعها الاقتصادية على وجه الخصوص ليست جيدة، ويصبح هؤلاء الشباب عرضة للوقوع في شباك الأصوليين المتطرفين الباحثين عن أتباع في نضالهم لأسلمة حكوماتهم المحلية وتقويم الأخطاء المتصورة التي ارتكبتها كيانات أجنبية. ليس هناك دولة قلب في الإسلام تعمل بوصفها قائدا، تحوز الحضارات الأكثر قوة مثل هذه الدول، أو حتى في الشرق الأوسط الذي يعد محور الإسلام، ولكنه فشل بوضوح. هناك مرشح أكثر احتمالا هو المملكة العربية السعودية. فهي من أغنى الدول الإسلامية الكبيرة وبالتالي لديها الموارد لتقديم المساعدة المالية للبلدان الإسلامية الأخرى. كما أنها موطن للدين الإسلامي واثنتين من أقدس المدن، وعلاوة على ذلك، ومن ثم، تفتقر إلى الأساس الأخلاقي الرفيع والمصداقية الضروريتان. وذلك بصورة تجرم أوروبا تجريما أبديا؟ إن الحروب التي شهدها التاريخ طيلة ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين قرنا، هي جميعا حروب شنتها أوروبا على معظم مناطق العالم من أقصاه إلى أقصاه. فإننا سنخرج بنتيجة واحدة تفرض نفسها، ويتفق ميرشايمر مع هنتنجتون، فإنها تعاني من الحاجة لموارد ضخمة، ففد دخلت بقوة في السوق العالمية ساعية إلى الحصول على قدر كبير من الوقود ومواد مهمة أخرى بكل ما أوتيت من قوة. سينشأ التوتر بشكل طبيعي. بل إن هناك قلقا خارج الصين حول استنزافها الموارد الخاصة بالآخرين، بينما يتركز القلق داخل الصين حول ردود فعل الآخرين تجاه استحواذها على هذه الموارد. ووفقا لهنتنجتون فإن النجاح المادي في مضاعفة القوتين الاقتصادية والعسكرية يعد قوة صلبة، ويعلن أن الصين قد وضعت من بين أهدافها الوطنية أن تصبح نصير الثقافة الصينية،