قد يبدو للبعض أن فلسفة العلم بوجه عام، وفلسفة العلوم الإنسانية بوجه خاص، نشأت مرتبطة بالتطورات العلمية التي حصلت في حضارة الغرب، وهذا يعني أن الحضارات الأخرى، لم تعرف مثل هذه الفلسفة، وبالتالي لم تكن لديها دراسات إنسانية تعنى بالمجتمع في سكونه وحركته وأحواله الاجتماعية والاقتصادية وآدابه، وفنونه ... غير أن تأمل التاريخ العلمي الإنساني يبين بكل وضوح في المراحل السابقة على الحضارة الغربية المعاصرة) أن هناك في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني جهوداً علمية لا يمكن الاستهانة بها، أو إهمالها في التأسيس لمنظمومات معرفية تجمع بين المحلي في خصوصيته التاريخية والثقافية، والعالمي في تراكماته المعرفية التي تعد قاسماً مشتركاً بين أفراد الإنسانية. لذا، تأتي هذه المحاولة في رصد بعض الرؤى الإبستيمولوجية في العلوم الإنسانية، والتي قسمناها إلى بابين تناولنا في الباب الأول الرؤى الإبستيمولوجية في العلوم الإنسانية في الفكر العربي؛ وأما الباب الثاني فقد خصصناه لعرض الرؤى الإبستيمولوجية في العلوم الإنسانية في الفكر الغربي المعاصر. هذه الرؤى، التي تبدو أنها مختلفة من حيث الأرضيات الفكرية، والتاريخية، والواقع الاجتماعي الذي نشأت فيه، تشترك لا محالة في تناولها للفرد والمجتمع تناولاً معرفياً غايته الوقوف على العوامل التي تحكم وتوجه الحياة الاجتماعية في أبعادها المختلفة، ونتيجة لتعدد موضوعات العلوم الإنسانية وتعقد طبيعتها تعددت المناهج، وتفرقت بين الوضعي، والتاريخي، والكيفي والظواهري، والهرمينوطيقي... والتفكيكي، والحفري... إلى المناهج التي تدعو إلى وحدة المنهج بين العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية. نجد ذلك مثلاً عند عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر إيمانويل فالرشتاين (1) وكارل بوبر ... وفي الواقع أن العلوم الإنسانية والاجتماعية في حضارة الغرب بالرغم من الأزمات التي مرت وتمر بها، ما انفكت تراجع نفسها وفق التطورات المعرفية التي حصلت - وتحصل - في المجتمع الغربي، بينما في مجتمعنا العربي لا تزال تعاني نقصاً فظيعاً، ويمكن الاستدلال على ذلك بما جاء في التقرير العالمي حول العلوم الاجتماعية لسنة ٢٠١٠، والذي لخصه لنا رشيد جرموني (٢) بما يلي: «أما الأقطار العربية، فهي الأخرى ما تزال تعاني نقصاً حاداً في مخرجاتها التعليمية، وبشكل خاص في العلوم الاجتماعية، وهو ما ينعكس على دورها في مواجهة الإشكالات المجتمعية المتوالدة والمتكاثرة، وأيضاً في إحداث تغييرات اجتماعية معينة»، وهذه حقيقة يدعهما واقعنا التعليمي والبحثي، إذ الأولوية تعطى دائماً للعلوم المادية اعتقاداً منا بأنها تخرجنا مما نحن فيه من تأخر حضاري، وهي - في نظرنا - مغالطة خطيرة، تداعياتها غير محسوبة العواقب على مجتمعنا العربي. لذا، فإن التفكير في إقامة علوم إنسانية واجتماعية في المجتمع العربي، تعنى بمشاكله المتعددة، تستدعي إعادة الاعتبار لها من حيث هي علوم ضرورية في تناول القضايا المرتبطة بالإنسان؛ الإنسان كمبدع ومبتكر للمعرفة بمختلف فروعها الطبيعية والبيولوجية والإنسانية في رؤية متكاملة من دون تفريط في أحد جوانبها، وهذا لتدارك المثالب التي وقعت فيها حضارة الغرب حينما ركزت على ما هو طبيعي، ما أدى ببعض رواد العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى اتخاذ العلوم الطبيعة نموذجاً للعلوم الإنسانية، فوحدوا بين الإنساني والطبيعي من دون مراعاة مكونات الإنسان العقلية والنفسية والتاريخية، وهي جوانب أساسية في دراسة الفرد والمجتمع. أخذ الموروث التاريخي للمجتمع العربي الإسلامي بكل مضامينه الثقافية، ومنتجاته العلمية وخاصة في ما تعلق منها بالدراسات الإنسانية التي تهتم بقضايا المجتمع العربي، لما لها من صلة بالمحلي أولاً، وبالعالمي ثانياً، بشيء من الاهتمام الجاد قصد تحيينه، أو تجديده، أو تعديله، وهذا يفيد - في رأينا - في استئناف الإبداع الحضاري الذي يرتكز على القدرات الذاتية التي تفتح لنا باب المساهمة في المسار الحضاري العالمي. غير أن هذه الرؤية المرتبطة بالموروث التاريخي وبالتراكم المعرفي الذي تكتنزه الحضارة العربية الإسلامية، ليس المقصود بها نبذ كل ما هو دخيل عليها، أو رفض التفاعل مع الحضارة الغربية التي بلغت أوج تطورها العلمي، لأن ذلك يؤدي إلى الانغلاق الذي لا يجدي نفعاً. كما أن الانفتاح على الغرب قد يؤدي إلى الاغتراب، والتبعية، وبجملة واحدة إلى نفي الذات. فالتفاعل الإيجابي مع الحضارة الغربية في ما أنتجه علماؤها في الميادين المختلفة أمر تفرضه ضرورة التقدم الحضاري للمجتمع العربي. ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه المحاولة قد قام بها الكثير من مفكرينا، سواء في العصر الوسيط للحضارة العربية الإسلامية أو في العصر الحاضر. ولا يغرب عن أحد كيف تعاملت الحضارة العربية الإسلامية مع الحضارات الأخرى، كالحضارة الإغريقية وغيرها، فاجتمع العامل الذاتي الداخلي والعامل الخارجي، فكانت الحضارة العربية الإسلامية بعلومها، وفلسفاتها وآدابها، وفنونها، بل وبعقلانيتها التنويرية التي أثرت في عقلانية حضارة الغرب وحداثته. وإذا تساءلنا عن موقع إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية والاجتماعية في التراث العلمي الضخم في الوطن العربي، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل جهود فلاسفة أعملوا عقلهم في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية... بهدف بناء نظرية اجتماعية لها خصوصيتها التابعة من الفضاء الثقافي والوعاء التاريخي الاجتماعي العربي الإسلامي. وبنظرة استقرائية للتاريخ العلمي العربي الإسلامي، وبخاصة في ما تعلق منه بمنطق العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإن أعمال عبد الرحمن بن خلدون تسمح لنا أن نميز بين مرحلتين المرحلة الأولى السابقة على عصره، وهي مرحلة كان فيها الاهتمام بالدراسات الإنسانية يتلاءم ومقولات فلسفة ذلك العصر، وبالتالي من الصعب الحديث عن علوم إنسانية واجتماعية، لأن البحث في المسائل ذات الصلة بالمجتمع في أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية كان بحثاً فلسفياً توجهه إرادة الإصلاح والمنفعة. غير أن ذلك لا يمنع من أن تكون تلك الأبعاد في وقتنا موضع اهتمام من طرف المنشغلين بالبحث في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية في الوطن العربي، لما يقدمه البحث التاريخي من معطيات تفيد في فهم حاضر أي أمة من الأمم. وأما المرحلة الثانية، فهي مرحلة ابن خلدون الفاصلة في الدراسات الاجتماعية؛ نلتمس شيئاً جديداً يختلف عن تلك الدراسات الفلسفية البعيدة من روح البحث العلمي. فبالرغم من أن ابن خلدون جاء في عصر مضطرب ومفكك، إلا أنه استطاع أن يؤسس علمي التاريخ والعمران البشري مستخدماً في ذلك أدوات البحث العلمي، فضلاً عن النقد الإبستيمولوجي للدراسات الاجتماعية السابقة على عصره، الأمر الذي جعل الكثير من علماء الغرب الذين اطلعوا على المقدمة ودرسوها دراسة موضوعية، يعدونه عالماً في الدراسات الإنسانية. غير أن هذا الرأي وجد من يخالفه، ويقول بلا علمية ابن خلدون، إنه طه حسين في كتابه الموسوم: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية: تحليل ونقد؛ وهو الكتاب الذي اتخذناه موضوعاً لدراسة نقدية، جاءت مفصلة في الفصل الأول من القسم الأول: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية في منظور طه حسين وانتهينا فيها إلى توكيد علمية ابن خلدون، واعتباره مؤسساً لفلسفة العلوم الاجتماعية في العالم العربي الإسلامي في عصره. فهل بالإمكان اتخاذ هذه الفلسفة كأرضية لاستئناف الإبداع الحضاري في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية؟ في الواقع، هناك محاولات علمية كثيرة في الدراسات الإنسانية والاجتماعية في الوطن العربي الحديث والمعاصر، تعمل على إنتاج علوم إنسانية واجتماعية تعنى بدراسة مشكلات المجتمع العربي (٣). وما لفت انتباهنا في موضوع العلوم الإنسانية والاجتماعية هو تلك المحاولات التي قام بها مجموعة من مفكرينا تتعلق بتطبيق مناهج العلوم الإنسانية على التراث العربي الإسلامي ومن بين هؤلاء: محمد عابد الجابري وسالم يفوت وغيرهما ). أما عن محمد عابد الجابري الذي خصصنا له الفصل الثاني من القسم الأول: الموقف الإبستيمولوجي من التراث الجابري نموذجاً؛ فقد حاولنا أن نبين من خلاله كيف عمل الجابري على توظيف مختلف المفاهيم والمناهج الفلسفية العلمية الغربية المعاصرة، منها مفهوم الإبستيمولوجيا، لحل إشكالية الأصالة والمعاصرة إذ طبق هذا المفهوم على موضوع من موضوعات العلوم الإنسانية وهو التراث العربي الإسلامي باعتباره يشكل هوية وخصوصية المجتمعات العربية عامة، والمجتمع المغربي بخاصة، وهذا ما جعله يوظف مفهوم الإبستيمولوجيا في تحليله النقدي للتراث العربي الإسلامي بمكوناته المعرفية والسياسية والأخلاقية، محاولاً تبيئة هذا المفهوم وفق خصوصية الثقافة العربية الإسلامية، ووفق الظروف التاريخية والثقافية للمجتمع العربي الإسلامي. أما سالم يفوت الذي عرضنا موقفه في الفصل الثالث من القسم الأول: إبستيمولوجية العلوم الإنسانية عند سالم يفوت؛ فإنه حاول تشكيل أسلوب جديد يتمثل بـ الأسلوب المنظومي البنيوي لتناول التراث العلمي والمعرفي الإسلامي، وقد عمل على نقد المناهج المضللة في قراءة التاريخ العلمي العربي، مطبقاً مناهج علمية معاصرة في العلوم الإنسانية، كمنهج التحليل النفسي الفرويدي والمنهج البنيوي... وهذا لدراسة التراث بمنهج تحليلي نقدي، ضمن ما اصطلح عليه بـ سوسيولوجيا العلم.