ومن أهم رواد المسرح الذين عرفتهم بلاد الشام، كان أحمد أبو خليل القباني، الذي يعتبر المؤسس الأول للمسرح الحديث في سوريا، قبل ظهور أحمد أبو خليل القباني فيها". ثم انتقل إلى إحدى المدارس الابتدائية. لقد عمل في مجال المسرح في سوريا منذ سنة 1878 حتى سنة 1884، ويقال إنه التقط أصول هذا الفن من مشاهدته مسرحيات فرنسية تم عرضها في إحدى مدارس دمشق، كما ويقال إنه تعلم أصول هذا الفن من اللبنانيين، ولم ينقل هذا الفن عن الغرب، بعد النجاح الذي لاقاه في بلاد الشام قام بعض المعارضين لهذا الفن باعتراض مسيرته المسرحية والفنية، رافضين القبول بظهور هارون الرشيد على المسرح على شكل أبي الحسن المغفل، فصدر عنها أمر بمنع التمثيل في سوريا، وهكذا قضي على المسرح في هذا البلد. لقد اعتمد القباني بشكل واضح على القصص الشعبية التي اعتاد قصاصي المقاهي على قصها للزبائن، متخذا المسرح أداته في القص". ولقد رأى بعض الدارسين أن مسرح القباني أضعف صياغة من مسرح مارون النقاش، لأن معرفة القباني بالمسرح الأجنبي اقتصرت على اللغة التركية، "فكانت النتيجة العملية لكل هذا نشأة البراعم الأولى لفن الأوبريت في البلاد العربية". لعب رواد المسرح في كل من سوريا ولبنان دورا هاما ومفصلية في وضع اللبنات الأولى للمسرح العربي، يعزى ذلك إلى شبه الاستقلال الذي تمتعت به مصر، بعدها الجغرافي عن مركز الخلافة العثمانية. بينما تعرضت بلاد الشام، مما حدا بكثير من الفنانين والشعراء إلى النزوح من بلاد الشام إلى مصر. تألفت الفرقة من اثني عشر ممثلا وأربع ممثلات، هذا إضافة إلى فرقة أبو خليل القباني التي وصلت مصر هي الأخرى في نفس الفترة الزمنية (1884-1909) لتتابع عملها المسرحي الذي بدأته في سوريا. يؤكد الباحث محمد مندور على أهمية ما قام به أهل الشام، مشيرا إلى انتقال أهم تلك الفرق من هناك والإقامة في مصر، فضل في ظهور رائد فن الأوبرا والأوبريت المصري الشيخ سلامة حجازي (1852-1917) الذي أخذ هذا الفن عن القباني قبل أن يستقل ويكون فرقته الخاصة التي عملت من سنة 1905-1914. لم يقتصر دور السوريين على دورهم الريادي في إنشاء الفرق والمسارح بل ساهموا مساهمة كبرى في ترجمة وتعريب وتحضير الكثير من المسرحيات الغربية قبل وأثناء وبعد مساهمة المصريين في تلك الحركة. إن ظهور هذه الفرق الشامية في سنوات السبعين على أرض مصر مثلت نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، فقد أصبح المسرح تجاريا وأكثر تنظيما عما كان عليه من قبل. قدمنا أعلاه استعراضا موجزا لدور رواد المسرح في بلاد الشام، وبدأ للقارئ والمتابع أن هذا الفن الحديث قد وضع لبناته الأولى هناك. المسرح بمفهومه الحديث فقد عرف طريقه إلى مصر مع حملة نابليون إلى مصر (سنة 1798)، فقد شهدت قيام أول مسرح أوروبي للتمثيل في العالم العربي، "مرشح الجمهورية للفنون"، فمُهدت الطريق أمام الأجانب بالذات الفرنسيين منهم لإقامة مسرح جديد، بالذات في القاهرة التي سبقت الاسكندرية في هذا المجال. وقد عرف عنه ميله إلى تمدين مصر لتقترب أكثر من الغرب، بإقامة مسارح أوروبية على أرض مصر أواخر الستينات من القرن التاسع عشر. ثم بنى مسرح دار الأوبرا ليتمكن من استيعاب عرض أوبرا "عايدة" بمناسبة افتتاح قناة السويس سنة 1869، بعد ذلك تم بناء عدد من المسارح في القاهرة والإسكندرية لخدمة الفرق الأوروبية الوافدة إلى مصر. لعل أول خطوة جدية في سبيل إقامة مسرح عربي في مصر هي تلك الخطوة التي قام بها يعقوب صنوع (1839-1912)، المولود في القاهرة لأبوين يهوديين. درس في صباه التوراة ثم درس الإنجيل والقرآن. كان أبوه مستشارا للأمير أحمد يكن حفيد محمد علي فأرسله الأمير إلى إيطاليا، فتسنى له بذلك أن يطلع على ثقافة البلاد. وكان يتقن العربية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والأسبانية و المجرية والروسية والبولندية والعربية. انهمك حال عودته إلى مصر في العمل الصحفي يكتب المقالات في الصحف والمجلات، وبناتهم الفنون الزخرفية والموسيقى. أنه من الضروري بناء مسرح حديث على طراز غربي لإيمانه أن المسرح أداة فعالة في إنهاض الشعوب، فقام باختيار الممثلين وتعليمهم فن المسرح، كما أقر بذلك من قبله مارون النقاش، وذلك في محاضرة له كان قد ألقاها في باريس سنة 1903 يتحدث فيها عن مسرحه وعن مساهمته في إنشاء المسرح العربي الحديث، كان ثمة فرقة فرنسية قوية تتألف من الموسيقيين والمطربين والممثلين، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة. إن الهزليات والملاهي والمسرحيات العصرية التي قدمت في ذلك المسرح هي التي أوحت إلي بفكرة إنشاء مسرحي العربي، وقبل أن أقدم على إنشاء مسرحي المتواضع، وعندما أحسست بأنني أصبحت متمكنا، ولقد وفقت في ذلك الحين على العثور على فتاتين فقيرتين جميلتين كانتا على جانب كبير من الخلق القويم. وبعد مرور أربعة أشهر على قيام هذا المسرح القومي، دعاني الخديوي إسماعيل وفرقتي إلى التمثيل على مسرحه الخاص في قصر النيل، قال لي أمام الوزراء وكبار رجال القصر: نحن ندين لك بإنشاء مسرحنا القومي فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك قد عرّفت الشعب على الفن المسرحي، فاذهب فإنك موليير مصر، تابع صنوع في مسيرته يؤلف المسرحيات ويخرجها ويدرب الممثلين على تأدية أدوارهم حتى بلغت مسرحياته اثنتين وثلاثين، قد جعلته أكثر من سلفيه قربا من الناس العاديين وأقدر على ملاحظتهم وهم يضطربون في حياتهم اليومية". لفت صنوع نظر المؤرخين والمحللين والدارسين حتى رأينا محرر الساتر دي ريفيو يصف، في عددها الصادر في 26 يوليو سنة 1876، دور صنوع بخالق المسرح العربي وحده لكونه المؤلف والممثل والمدير والملقن، ويضيف ان ما يثير الإعجاب حقا هو تقمصه شخصية الفلاح المصري حين يقوم بهذا الدور فيحلو لك سماع ملاحظاته اللاذعة و ضحكاته البريئة، فهو قادر على أن يجمع في شخصه شعبا بأكمله. يلاحظ الراعي بعد قراءته لإنتاج صنوع المسرحي أن تصويره للسادة في مسرحه تصوير ضعيف، بينما شخصياته الشعبية قوية وواضحة. ويرى أنه قد لجأ إلى كل الحيل الفنية لكي يستنبط الضحك، لقد فهم أن المسرح فرجة ولكن يجب أن يحمل رسالة وهدفا. ثم في فترة لاحقة كان عليهم أن يؤلفوا مسرحيات ذات طابع عربي شرقي. إلا أننا لاحظنا لجوء كل منهما إلى المواءمة بين الشرق والغرب، فيما أن أبو خليل القباني قد حافظ على العديد من عناصر الفنون الشعبية الشائعة في أيامه. لقد اضطر بعض الرواد إلى إدخال بعض الفنون الشرقية لاجتذاب المشاهدين الذين اعتادوا على الفنون الشعبية السابقة للمسرح الحديث، ولنقل إنها عملية مجاراة للذوق السائد لتسويق أعمالهم من ناحية، وإيمانهم بأهمية المسرح الحديث ودوره في يقظة الأمة. فمن المعروف أن مارون النقاش، وأنها أخذت أشكالا مختلفة من قطر لقطر، وإن كان هناك الكثير من التشابه بين هذه الفنون. كما نلاحظ أن هذه الفنون قد سبقت ظهور المسرح الحديث، وقد اختلفت آراء الدارسين في تقييم دور هذه الفنون، فمنهم من يرى أن لها دورا سلبيا في جعل البعض ينظر إلى المسرح والسينما في بداياتها نظرة استخفاف، مهدت لظهور المسرح والسينما. فإني أريد أن أقترح وجود علاقة بين هذا النوع وبين المسرح العربي الحديث الذي ظهر حوالي منتصف القرن التاسع عشر". أما فيما يتعلق بدور المرأة فقد وجدنا تجاهلا شبه تام لدورها، بل إن مجرد قيام ذكور بأداء دور المرأة كان من ضمن الأسباب التي أدت إلى إغلاق مسرح النقاش و مسرح القباني. وحين عملت في الفنون الشعبية فإنها لم تلق تشجيعا ولا تقديرا، إنني أعتقد أننا أحوج ما نكون إلى القيام ببحث يتناول دور المرأة في هذا المجال لنتمكن من إعطاء الإجابة الوافية. وبالتحديد المرحلة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الأولى وهي تستحق دراسات موسعة يجب أن تشمل دول و أقطار عربية شتى لأن المسرح لم يعد يقتصر على مصر وبلاد الشام، بل تعدى مجمل العالم العربي من مشرقه حتى مغربه. إننا على دراية أن هناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا الجانب ولا تزال أقلام عديدة تتناوله في شتى أقطار الوطن العربي، آملين أن نجد نحن وغيرنا الوقت الكافي لتناول مسيرة المسرح الفلسطيني.