لسنا مضطرين إلى أن نحاول قتل النجوم». وقال في نفسه: «تصور لو كان يتعين على الإنسان كل يوم أن يحاول قتل القمر ، ولكن تخيل لو كان على الإنسان أن يحاول قتل الشمس كل وعندما أشعر بأن السمكة ماتزال قوية ومطردة الحركة سأعود إلى مؤخر القارب؛ وفي الوقت نفسه سأتمكن من معرفة سلوكها، ولم تكن لديه وسيلة لتقدير الوقت، كما أن استراحته لم تكن في حقيقتها إلا استراحة نسبية، فهو ما يزال يتحمل جر السمكة على كتفيه، ولكنه وضع يده اليسرى على حافة مقدم القارب العليا، أكثر فأكثر على المركب نفسه. وفكر: «كم سيكون الأمر سهلا لو كان في الإمكان ربط الخيط بالقارب، ولكن في وسع السمكة أن تقطعه بحرة مفاجئة صغيرة منها، لإعطاء مزيد من الخيط بكلتا يدي». - ولكنك لم تنم لحد الآن - أيُّها الشيخ- فقد انقضى نصف نهار وليلة يجب أن تبتكر طريقة لكي تنام قليلا عندما تكون السمكة هادئة ومطردة الحركة، وقال لنفسه : أستطيع الاستمرار دون نوم، و شرع بشق طريقه إلى مؤخر القارب وهو يزحف في حذر على يديه وركبتيه؛ فرأى سمكة الدولفين رؤية واضحة فأغمد نصل سكينه في رأسها، ووضع إحدى قدميه على السمكة وشقها بخفة من بطنها حتى طرف فكها الأسفل فطرحهما جنبا إلى جنب، عدل الخيط على كتفيه في موضع جديد، وأمسك به مرة أخرى بيده اليسرى وهو مُستند إلى حافة القارب، ثم انحنى على جانب القارب، وغسل السمكتين الطائرتين في البحر، وهو يلاحظ سرعة الماء على يده، وصار ليده لمعان فوسفوري من جراء سلخه جلد السمكة يجب علي أن أنتهي من أكل سمكة الدولفين هذه، أكل نصف إحدى شريحتي سمكة الدولفين وإحدى السمكتين الطائرتين - ما أطيب أكل سمكة الدولفين وهي مطبوخة وما أتعسها من سمكة وهي نيئة! سوف لا أُبحر بقارب مرةً أخرى أبدا بلا ملح أَوْ ليمون حامض». وقال في نفسه: لو كنت ذكيا لرششت الماء على مقدم القارب، وتركته يجف طوال اليوم فيتحول إلى ملح، ثم استند بفخذه الأيمن على يده اليمنى، واتكاً بكل ثقله على خشب مقدم القارب، ثم حول الخيط قليلا إلى الأسفل على كتفيه، ووضع يده اليسرى عليه وفكر: تستطيع يدي اليمنى أن تمسك بالخيط مادام ملفوفًا حولها، فإذا ارتحت في أثناء النوم فإنَّ يدي اليسرى ستوقظني حال ذهاب الخيط بعيدا، إنَّ الأمر صعب على اليد اليمنى، وبأنه رأى أول الأسود ينزل إلى الشاطئ في مطلع الليل ولكنه ظل نائما بينما كانت السمكة تواصل الجر بانتظام، أفاق على هزة مفاجئة من قبضته اليمنى على وجهه وحرقة الخيط في يده اليمنى، ولكنه أوقف الخيط بكل ما أوتي من قوة بيده اليمنى، عثرت يده اليسرى على الخيط، فمال هو إلى الخلف ملقيًا بثقله على الخيط الذي راح الآن يحز نظر خلفه إلى لفات الخيوط، فرآها والخيط ينساب منها بخفة، قفزت السمكة مُحدثة انفجارًا هائلا في المحيط، وانطلق القارب بسرعة على الرغم من أن الخيط مازال ينساب إلى الخارج، والشيخ يزيد من الضغط على الخيط حتى يقترب من نقطة الانقطاع مرة بعد أُخرى، وجر الشيخ إلى الأسفل بقوة، فسقط على مقدم القارب، وقال في نفسه: اجعل السمكة تدفع ثمن الخيط، ثم على مهل - قام واقفا على قدميه، وكان طوال الوقت يرخي الخيط، وتراجع إلى الخلف حيث يستطيع أن يتحسس بقدمه لفات الخيط التي لم يكن في استطاعته أن يراها، وعلى السمكة الآن أن تتحمل العبء الناتج من احتكاك كل ذلك الآن بعد أن قفزت السمكة أكثر من اثنتي عشرة مرَّة، وملأت الجيوب الممتدة على طول ظهرها بالهواء، فإنها لا تستطيع الغوص إلى الأسفل لتموت في الأعماق، بحيث يصعب علي رفعها إلى الأعلى، وإني أتساءل ما الذي أثارها هكذا إثارة مفاجئة ؟ ألا يكون الجوع هو الذي أم أن شيئًا ما قد أفزعها في الليل؟ لعلها شعرَتْ بالخوف فجأة؟ ولكنها كانت قبل ذلك سمكة على قدر من أمسك الشيخ بخيط السمكة بيده اليسرى وكتفيه الآن، وانحنى ليغرف بيده اليمنى شيئًا من الماء ليزيل ما علق بوجهه من لحم سمكة الدولفين، فقد كان يخشى أن يصيبه بالغثيان فيتقيأ، وبعد أن نظّف وجهه غسل يده اليمنى بالماء من على جانب القارب، وفكر: إنَّ السمكة تتجه نحو الشرق تقريبا، وبعد أن قدَّرَ أنَّ يده اليمنى بقيت في الماء مُدَّةً كافية، أمسك بالخيط بعناية لكيلا يمس أي جرح جديد في يده، وحول حمله بحيث يستطيع وضع يده اليسرى في البحر من وخاطب يده اليسرى قائلا: - إنَّك لم تتحملي ذلك الألم من أجل شيء لا قيمة له، ولكن كانت هناك لحظة لم أتمكن من أن أجدك فيها». لأني لم أدرب تلك اليد بصورة ملائمة، فقد كانت لا بأس بها طوال الليل، وكانت السمكة الطائرة هناك نظيفة وجاهزة، لم يكن في وسعه أن يرى من خلال ميلان الخيط ما إذا كانت السمكة تدور، فراح يسحبه في رفق بيده اليمنى، مَرَّرَ الشيخ رأسه وكتفيه من تحت الخيط، وحاول أن يقوم بعملية السحب بجسمه وساقيه أكثر ما يمكنه، ثم لم يعد الخيط ينسحب أكثر فانحنى الشيخ، وفكر: «عَليَّ أن أُمسِكَ بكل ما أستطيعه من الخيط، فالإجهاد سيقصر دورتها في كل مرة، ولعلي أتمكن من رؤيتها في ظرف ساعة، ثم يجب على ان اقتلها وبعد ساعتين ابتل جسد الشيخ من العرق، وتسرب الإعياء إلى نخاع عظامه «لا يمكنني أن أخذل نفسي وأموت من أجل سمكة كهذه، وقد أتيتُ بها بهذه الصورة الرائعة، وفكر: «إنَّها تضرب مُقدَّم السلك برمحها، ولكن بعد ذلك فإنَّ كل قفزة يمكن أن توسع الجرح الذي - لا تقفزي - أيتها السمكة - لا تقفزي». ضربت السمكة سلك الصنارة عدة مرات أُخرى؛ فأرخى الشيخ قليلا من الخيط. وبعد برهة توقفت السمكة عن ضرب سلك الصنارة وراح الشيخ يجذب الخيط باطراد الآن، - ليست لدي تشنجات وستصعد السمكة عما قريب وفي استطاعتي الاستمرار، وأن يدع السمكة تقوم بدورة واحدة بنفسها دون أن يستعيد أي شيء من الخيط، ولكن عندما أظهر ضغط الخيط استدارت السمكة لتأتي في اتجاه القارب، كانت قبعة الشيخ المصنوعة من الخوص قد ابتعدت إلى واستقر هو في مُقدَّم القارب مع سحب الخيط سأتجه بالقارب إلى الجنوب والغرب، وعند الدورة الثالثة رأى السمكة لأول مرة، رأها كظل غامق استغرق مروره تحت القارب وقتا طويلا، لا يمكن أن تكون كبيرة بهذا القدر». وفي نهاية هذه الدورة طفت السمكة على سطح الماء على بعد ثلاثين ياردة فقط، وفيما كانت السمكة تسبح تحت سطح الماء مباشرة، استطاع الشيخ أن يرى جسدها الضخم والخطوط الأرجوانية التي تحيط به في هذه الدورة استطاع الشيخ أن يرى عين السمكة، والسمكتين المصاصتين الرماديتين اللتن كانتا تسبحان حولها، وعند كل دورة هادئة مسالمة تقوم بها السمكة كان الشيخ يسترد مقدارًا من الخيط، وفكر في نفسه: «ولكن يجب أن أجعلها تقترب، »- كن هادئا وقويا، وكانت لفة حبلها كانت السمكة تقترب في دورتها الآن وهي جميلة المنظر ولكنه استمر بالضغط على السمكة العظيمة بكل استطاعته، وشرع - قبل أن تقترب السمكة من جانب القارب بجرها بكل قوته، ولكنها مرة أخرى - قومت نفسها، قال الشيخ في نفسه: «إنك تقتلينني أيتها السمكة، فأنا لم أر أبدًا سمكة أعظم، وتكرر الأمر مرتين عند دوران السمكة. وقال الشيخ في نفسه: «لا أدري»، وكان على وشك أن يُحس بالإغماء في كُلِّ مَرَّة هكذا عاهد الشيخ نفسه، على الرغم من أن يديه غدتا واهنتين، استجمع كل ألمه وما تبقى من قوته وعزة نفسه التي تلاشت منذ أمد طويل، وحشد كل ذلك في مجابهة معاناة السمكة، فتحولت السمكة إلى جانبه، ورفع الحربة إلى أعلى ما يستطيع، وبقوة إضافية استجمعها في تلك اللحظة غرز الحربة في جنب السمكة تماما خلف الزعنفة الصدرية الكبيرة التي كانت ترتفع عاليا في الهواء إلى مستوى صدر الشيخ، فأحس بحديد الحربة ينغرز في السمكة، عارضة كل طولها وعرضها العظيمين وجميع بأسها وجمالها، وبدت معلقة في الهواء فوق الشيخ في المركب، ثم سقطت في الماء بارتطام أطلق رشاشا من الماء على الشيخ وعلى المركب بأكمله.