شرح ابن حجر العسقلاني هذا الحديث بالمناقشة عن السند بقوله: (حدثنا محمد بن المثنى) هو أبو موسى العنزي بفتح النون بعدها زاي، (قال: حدثنا عبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد (حدثنا أيوب) هو ابن أبي تميمة السختياني بفتح السين المهملة على الصحيح وحكي ضمها وكسرها، عن أبي قلابة بكسر القاف وبباء موحدة. وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ . قال البيضاوي المراد بالحي هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص ، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، فالأول من الأول والأخير من الثاني. وقال غيره : محبة الله على قسمين: فرض وندب ، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه. وإلى الثاني يشير حديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" والنذب : أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات، ويتخلى بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وإنما قال: "مما سواهما" ولم يقل: "ممن " ليعم من يعقل ومن لا يعقل. قوله: (وَأَنْ يُحِبَ الْمَرْء) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر بالجفاء. وكذا هو في طريق أخئى للمصنف، والإنقاد أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: " يعود" على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني فإن العودة فيه على ظاهره. وكتب ابن حجر أن هذا الحديث إسناده كله بصريون. وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة عن قتادة عن أنس، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، الشرح الثاني: شرح الحديث من كتاب شرح النووي وفي رواية (من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيا) هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام . قال العلماء رحمهم الله معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضي الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثار ذلك على عرض الدنيا ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي رحمه الله هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وذلك أنه لا يصح المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة وحب الآدمي في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوى بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه وهذا هو الذي وجد حلاوته. وقال والحب في الله من ثمرات حب الله قال بعضهم المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه فيحب ما أحب ويكره ما كره واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما تجمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والإبعاد من الجحيم وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى فإن الخير كله منه سبحانه وتعالى. ويرتقي صاحبه في درجات الوجد والهيام بالاستغراق في الفرائض والنوافل، حتى يغطي حب الله ورسوله كل مشاعره، وماله ونفسه. ولأن حبهم من حب الله والله وفي الله. بغض الكفر والفسوق والعصيان، بغض الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا. لكنه لا يحسها ولا يدركها ولا يستلذها إلا من كانت عنده هذه الخصال الثلاث. لأن طعم الإيمان عند المؤمن لا يكون إلا حلوا. وقوله (وأن يكره أن يعود في الكفر) يقال عاد إلى كذا أي رجع إليه والعود إليه مشبه بالقذف فيها، فمن رجع إلى الكفر غمره الكفر وأحرقه كما تغمر النار المقذوف فيها. وأن الله هو الذي هداه إلى الإيمان. وفي قوله (كما يكره أن يقذف في النار) والتعبير في الرواية الثانية "ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر " أبلغ منه في الرواية الأولى، لأن التعبير في الرواية الأولى يسوي بين الأمرين، فالرجوع في الكفر أشد كراهة من القذف في النار. وقوله (ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا) هذه هي الرواية الثالثة لمسلم، وهي تعطي معنى الرواية الثانية بالطريق الأولى، وهو نوعان: جبلي يغرسه الله في القلب بأسباب أو بدون أسباب، ولا على الحد منه. وحسن المعاملة والصلاح والنفع ودفع الضر من دواعيه. وإذا تدبرنا حب المؤمن لله تعالى نجد أنه ينشأ عن التفكير في فضله ولعمائه إذ يقول: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) . وهذا القصر في الحديث (أن يحب المرء لا يحبه إلا الله)، يخرج ما كان الحب فيه مشتركا بين الله ونفع دنيوي. وفي هذا يقول البيضاوي: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان، وأن ما عداه وسايط، ولا يحب من يحب إلا من أجله، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة،