اختلف الأصوليون في حكم الإجماع السكوتي وحجيته على أقوال هي ذهب جمهور الحنفية(١)، وبعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية(١)، وجمهور الحنابلة(٤) إلى أنه إذا قال بعض أهل العصر قولاً، واشتهر، وسكت الباقون بعد مضي مدة التأمل، فقولهم إجماع وحجة. واستدلّوا على ذلك بالكتاب والسنّة، والقياس، قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيّرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِاَلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بَِللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠]. وجه الاستدلال: أنه إذا لم يكن سكوتهم تصويباً ورضا، للزم ترك ما يجب عليهم من النهي عن المنكر المستلزم للخلف في إخبار الله تعالى وشهادته لهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. قال رسول الله چا: ((لا تجتمع أمتي علی ضلالة)). أقول: روي هذا الحديث بأسانيد مختلفة عند الحاكم وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله روَيار: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة أبداً)(١). وعند الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ل ر قال: ((إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أُمة محمد لهر- على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذّ إلى النار)). وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه(٢). ورواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله حملر: ((إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)(٣). وقال ابن حجر: قوله: ((وأمته معصومة لا تجتمع على الضلالة)) هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال (٤). وجه الاستدلال: أنه إذا لم يكن سكوتهم دليلاً على رضاهم وموافقتهم على القول في المسألة فيكون وجد الاجتماع على الخطأ والضلال، ويؤدي إلى الخلف في خبر النبي هر عن أمته بأنها لا تجتمع على ضلال(٥). ١ - قالوا: إذا رأى النبي ه مكلَّفاً يقول قولاً متعلّقاً بأحكام الشرع فسكت عنه ولم ينهه، كان ذلك تقريراً منه، نازلاً منزلة التصريح بالتصديق وإبداء الوفاق، فيقاس عليه سكوت أهل الإجماع لأنهم معصومون عن الزلل، والعصمة واجبة لهم كما تجب للنبي 1(١). ورد على هذا القياس: بأنه لم يقم دليل قاطع سمعي على تنزيل سكوت العلماء منزلة الشارع عليه الصلاة والسلام، وهذه محاولة إثبات مقطوع به بمسلك هو في مجرى مظنون، ثم لا عذر للشارع في السكوت على الباطل، فإن الحق عتيد عنده، وإن لم يكن فتلقي وجه الحق من مورد الوحي الذي هو بمرصاده هين عليه، فأما أهل الإجماع إذا سكتوا في محل ظن حيث يرون للاجتهاد مساغاً ومضطرباً فسكوتهم محمول على تسويغ ذلك القول لذلك القائل(٢). ٢ - قياس سكوت أهل الإجماع في الحكم التكليفي على دلالة إجماع أهل اللسان لأن أسماء الأجناس، والأنواع، والأعيان بلغت إلينا من أهل اللغة بالقول المنتشر والسكوت من الباقين، لا بالنطق من كل أحد منهم حقيقة، وهو اسم الإنسان لبني آدم، واسم الحيوان لكلِ ذي روح، واسم الإبل، والبقر، والغنم، وكذا هذا لحم، وهذا خبز، وهذا ماء، وهذه نار. اعتراض: فإن قيل: هذا قياس مع الفارق، لأن الحكم التكليفي لا يكفي النطق من البعض، وسكوت الباقین. الرد: قلنا: إن من شرط النطق من كل واحد، وأنكر الإجماع بالاستفاضة وسكوت الباقين، فقد أنكر كونه إنساناً وحيواناً، ويجب أن يتحرج في تسمية اللحم والخبز، لأنه لم يسمعه من كل أحد نطقاً، وهذا مما يردُّه العقلاء كلهم، فكان هذا إجماعاً منهم على أن الإجماع من حيث القول في الأحكام ليس بشرط ضرورة (١). ٣ - قياس سكوت بعض أهل الإجماع في الحكم التكليفي على الاعتقاد، فعلى قول أهل السنة والجماعة. ومن قال: إن المجتهد يخطىء ويصيب في الفروع فالجواب فيها والجواب في المسألة الاعتقادية سواء، لأن الحق إذا كان واحداً لو لم يكن القول المنتشر من البعض فيهم حقاً، يكون خطأ، فلا يحلُّ السكوت وترك الإنكار، فيكون السكوت دليل الرضا، والتصويب ضرورة(٢). ١ - لقد جرت العادة أن النازلة إذا نزلت فزع أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب الحكم، وإظهار ما عندهم فيها، فلما لم يظهروا خلاف ذلك مع طول الزمان وارتفاع الموانع دلَّ على أنهم راضون بذلك فصار بمنزلة ما لو أظهروا الرضا بالقول والفعل، فيكون سكوتهم دليلاً على الرضا والموافقة(٣). ٢ - أنه لا يجوز أن يسمعوا الخطأ ويقرّوا عليه من غير تقية، وقد قال الإمام أحمد: أذهب في التكبير غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق إلى إجماع عمر، وابن مسعود، وابن عباس، الصحابة، فثبت أن قولهم انتشر ولم ينكر، فسمَّاه إجماعاً، وهو مروي عن الحسن بن ثواب (٤). وقد ظهر أن في بعض استدلالاتهم تكلفاً وإلزام الخصم بالمفهوم كقولهم: إن من أَنكر الإجماع بالاستفاضة، وسكوت الباقين، فقد أنكر كونه إنساناً، وحيواناً، ويجب أن يتحرج في تسمية اللحم، والخبز، لأنه لم يسمعه من كل أحد نطقاً. وهذا خلاف الظاهر، ولا يقول أو ينكر أحد أنه إنسان من أجل أنه لم يسمع عموم أهل اللغة ينقلون ذلك، ويتداولونه. ذهب بعض الحنفية(١) كعيسى بن أبان، والإمام الشافعي، والقاضي أبو بكر الباقلاني من الأشعرية، وبعض المعتزلة، وداود الظاهري، إلى أن قول بعض أهل العصر وسکوت الباقین لیس بإجماع، ولا حجة. قال الغزالي: وهو قول الشافعي الجديد(٤)، وقال الجويني: إنه ظاهر مذهب الشافعي(٥). وعنه اشتهرت القاعدة المعروفة: ((لا ينسب إلى ساكت قول»(٦). واستدلوا على ذلك بالسُّنة، والأثر، والمعقول. ما ورد في حديث ذي اليدين، فإنه حين قال: أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله؟ فنظر رسول اللهه إلى أبي بكر وعمر وقال: ((أحقِّ ما یقول ذو الیدین؟))(١). وجه الاستدلال: أنه لو كان ترك دليل الموافقة لأكتفى به 8* منهم ولما استنطقهم في الصلاة من غير حاجة(٢). ورد على هذا الاستدلال: بأن مجرد السكوت عن النكير، لا يكون دليل الموافقة، ولكن مع ترك إظهارها هو الحق عنده بعد مضي مدة المهلة، ولم توجد هذه الصفة في حديث ذي اليدين، فإنه لما أظهر مقالته سأل رسول اللهر أبا بكر وعمر يّا وكان الكلام في الصلاة يومئذٍ مباحاً، فما كان هناك ما يمنعهم من الكلام، وأَحبَّ رَسول الله وَِلّار أَن يتعرف على ما عندهم من خلاف له أو وفاق، وذلك مستقيم قبل أن يحصل المقصود بالسكوت وإن كان يحصل ذلك بسكوتهم عن إظهار الخلاف أن لو قام رسول الله ي لإتمام الصلاة لم يستنطقهم(٣). ١ - روي أن عمر شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة، والإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي في القوم ساكت، فقال له: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: لم تجعل يقينك شكاً، وعلمك جهلاً؟ أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين(١). وجه الاستدلال: أن عمر لم يجعل سكوت علي دليل الموافقة حتى ساله(٢). ورد على هذا الاستدلال: بأنه لا حجة في هذا الأثر، لأنه يحتمل إنما سكت علي ه للتأمل. ولا بدَّ للتأمل من زمان، وأدناه إلى آخر المجلس. ويحتمل ما قالوا: فلا حجة، ولأن ذلك من باب الفاضل والأفضل، لا من باب الجواز، والفساد، والحل، والحرمة، والسكوت في مثله جائز في الجملة باعتبار الحال، ولا كلام فيه، إنما الخلاف في الباب الذي لا يجوز السكوت عنه بحال إذا كان الأمر بخلافه(٣). أما في مثل هذا الموضع لا يجب إظهار الخلاف، ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن، عليٍّ في الابتداء، وحين سأله بيَّن الوجه الأحسن عنده(٤). ٢ - ما روي عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مغيبة كان يُذْخلُ عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها فقيل لها: أجيبي عمر، فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر! قال: فبينما هي في الطريق فزعت، فضربها الطلق، فدخلت داراً فألقت ولدها فصاح الصبي صيحتين، ثم مات. النبي وَهر، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنتَ والٍ ومؤدب، قال: وصمت عليٍّ فأقبل عليه فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها بسببك، قال: فأمر علياً أن يقسم عقله على قريش، يعني يأخذ عقله من قريش، لأنه خطأ(١). وجه الاستدلال: أن علياً # استجاز السكوت مع إضمار الخلاف ولم يجعل عمر سكوته دليل الموافقة حتى استنطقه(٢). واعترض على هذا الاستدلال بعدة اعتراضات هي كما يلي: أولاً: أن هذا الأثر فيه انقطاع بين الحسن وعمر(٣). ثانياً: أن ما أشاروا به من الحكم كان صواباً، مباشرة، ولا تسبب في جناية عليها، أبعد من القيل والقال، ويكون أقرب إلى بسط العدل، الرعاية، فلهذا سكت عليٍّ في الابتداء، الوجهين عنده، يوضحه أن مجرد السكوت عن إظهار الخلاف، يكون دليل الموافقة ما بقي مجلس المشاورة، توقف في الجواب، ويكون علي ساكتاً بعد ذلك، ولم ينقل هذا. ثالثاً: يحمل سكوته في الابتداء على أنه لتجربة أفهامهم. رابعاً: يحمل على أنه لتعظيم الفتوى التي يريد إظهارها باجتهاده، خامساً: يحمل على أنه ليروي النظر في الحادثة، يتبين له ما هو الصواب فيظهره. والظاهر أنه لو لم يستنطِقه عمر لكان هو بيَّن ما يستقر عليه رأيه من الجواب، قبل إبرام الحكم، وانقضاء مجلس المشاورة(١). وهو أن السكوت يحتمل سوى الرضا وجوهاً هي كالتالي: أولاً: أن سكوت من سكت يحتمل أن يكون موافقاً. وأجيب عنه: بأن ما ذكر من الاحتمالات وإن كانت منقدحة عقلاً، فهي خلاف الظاهر من أحوال أرباب الدين، وأهل الحل والعقد. ثانياً: يحتمل أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة. وأجيب عنه: أن ذلك بعيد من الخلق الكثير والجم الغفير، من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث، به، وامتناع تقليدهم لغيرهم مع كونه من المجتهدين فإنه معصية، والظاهر عدم ارتكابها من المتدين المسلم(٢). ثالثاً: يحتمل أنه اجتهد لكن لم يؤدِّه اجتهاده إلى شيء، وأجيب عنه: بأن هذا الاحتمال بعيد أيضاً، حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدلُّ عليه، أهلية الاجتهاد إنما هو الاطلاع عليها، والظفر بها (٤). رابعاً: يحتمل أنه أراد الإنكار، ولكنه لم يظهره للتروِّي والتفكّر، فرصة التمكن منه، لأنه لا يرى المبادرة إليه مصلحة(١). وأجيب عنه: أن احتمال تأخير الإنكار للتروي، والتفكر، جائزاً، غير أن العادة تحيل ذلك في حقُ الجميع، مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض العمر من غير نكير(٢). خامساً: يحتمل أنه يعتقد أن كلَّ مجتهد مصيب، وأجيب عنه: أن احتمال السكوت عنه لكونه مجتهداً، يمنع من مباحثته، ومناظرته، وطلب الكشف عن مأخذه، الجارية من زمن الصحابة إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين وأئمة الدين فيما بينهم لتحقيق الحق وإبطال الباطل(٤). سادساً: يحتمل أنه لو أنكر لم يلتفت إليه، مسألة العول وأظهر النكير بعده، وقال: هبته وكان رجلاً مهيباً. رواه البيهقي في سننه عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس بعدما ذهب بصره فتذاكرنا فرائض الميراث فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحص في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً إذا ذهب نصف من أَعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب ﴿ه، لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، أصنع بكم؟ والله ما أدري أيكم قدَّم الله ولا أيكم أخّر، أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص، قال ابن عباس: وأَيم الله لو قدَّم من قدَّم الله وأخّر من أخّر الله ما الزوج له النصف، فإن زال فإلى الربع لا ينقص منه، الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثُمن لا تنقص منه، لهن الثلثان، والواحدة لها النصف، لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخّر الله، كاملة ثم قسم ما بقي بين من أخَّر الله بالحصص ما عالت فريضة. فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبتُه وأجيب عنه: أن احتمال التقية بعيد، أحدهما: أن الغالب من حال المجتهد، وهو من سادات أرباب الدين، مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة في نفسه، صدره تخاف عاقبته إذ هو خلاف مقتضى الدين. الثاني: إما أن يكون خاملاً غير مخوف، فلا تقية إليه، شوكة وقوة كالإمام الأعظم فمحاباته في ذلك غشِّ في الدين، والكلام معه فيه يعدُّ نصحاً(١). أما قول ابن عباس هذا فقيل: لا يكاد يصح، ابن عباس وكان يدعوه في مجلس الشورى، مع كبار الصحابة، عرف من فطنته، وحسن ذهنه وبصيرته، باعتبار ما عرف من فضل رأي عمر وفقهه، فمنعه ذلك(٢). وجاء في ((ميزان الأصول)): هو مؤول لأن عمر له كان أَلين لقبول خالف عمر في مسائل أخرى، له: ((غض يا غواص)) وتأويله أنه سكت عن المعارضة معه احتراماً له لكبر سنِّه، وكثرة علمه. في الجملة جائز، بل هو المستحب. وما ذكروا من وجوه الاحتمالات، فيدخل في مطلق السكوت، ولكن لا يحتمل في موضع الخلاف، وحال ابن عباس مع عمر هي حال الشبان مع ذوي الأسنان من قبولاً من غيره حتى كان يشاورهم ويقول لهم: لا خير فيكم إذا لم تقولوا لنا، ولا خير فينا إذا لم نسمع منكم، حكم الشرع مهابة له (١). الحامل فقال: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلاً فما جعل لك على ما في بطنها سبيلاً، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر (٢). ومن ذلك أيضاً ردّ المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله تعالى بقوله: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثهُنَ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْقَاً) [النساء: ٢٠](٣) ويمنعنا عمر؟ حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، يا عمر، إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب﴾. هي في قراءة عبدالله، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً، امرأة خاصمت عمر فخصمته(٤). قال صاحب ((عون المعبود)): وأصل قول عمر: لا تغالوا في صدقات النساء، عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، قال الجبائي: إذا قال بعض علماء العصر قولاً، وسكت الباقون، إجماع وحجة بعد انقراض العصر(١). وهو أحد الوجهين عند الشافعية(٢). قال رسول الله ي* في البكر: ((وإذنها صماتها))(٣). وجه الاستدلال: أنه إذا كان الساكت موافقاً كان إجماعاً وحجة، بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة (٤). وهو أن العادة جارية بين الناس إذا تفكروا في مسألة زمناً طويلاً، واعتقدوا خلاف ما انتشر من القول أظهروه إذا لم يكن هناك تقية، ولو كانت هناك تقية لظهرت واشتهرت بين الناس، فلما لم يظهر سبب التقية، ولم يظهر الخلاف علمنا حصول الموافقة (١)، المتطاول يبعد، ويخالف العادة قطعاً، العادة، ولهذا أظهر ابن عباس خلافه في مسألة العول بعد ذلك، العصر لصيرورته إجماعاً (٢)، أو جميعهم وهم في مهلة النظر، ثم يظهر له دليل المخالفة بعد ذلك، أحدهما: أن شرط النطق منهم جميعاً متعذر، ذلك منهم إلا نادراً، وفي العادة، من البعض، وسكوت الباقين(٤). الثاني: أنه لا يشترط في كونه حجة على أهل عصره وغيرهم، السكوتي وغيره انقراض عصر الإجماع، بأَن يموت أهل العصر، الاشتراط لعدم دلالتها عليه، والأصل عدمه(٥). هي أنه يصح رجوع بعض بعد الانعقاد عند من يشترط انقراض العصر، ولا یصح رجوعه عند من لا یشترطه(١). إذا قال بعض أهل العصر قولاً، وسكت الباقون، إجماعاً، وهذا قول هاشم بن أبي علي(٢)، وهو منقول عن الكرخي(٣)، ورواية عن الإمام الشافعي(٤). والمشهور عند أصحابه(٥). واستدلَّ على ذلك بالسنَّة والمعقول. قوله و9َ: ((أُمِرتُ أَن أحكم بالظاهر)). قال السخاوي: حديث ((أُمِرتُ أَن أَحكم بالظاهر، والله يتولی السراثر))، الأجزاء المنثورة. وجزم العراقي بأنه لا أصل له، وأنكره المزي وغيره(٦)، وقال ابن كثير: هذا الحديث كثيراً ما يلهج به أهل الأصول، سنده، وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه، لكن له معنى في الصحیح(١). العربي عند كلامه(٢) عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُمْجِبُكَ قَوْلُمُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنيَا وَيُشْهِدُ اَللهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَذُّ اُلْخِصَامِ (﴾ [البَقَرَة: ٢٠٤]، القاضي عیاض ولم یبين سنده(٣). وأغرب إسماعيل علي بن إبراهيم صاحب كتاب ((إدارة الأحكام))، فقال: إن هذا الحديث ورد في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما في الأرض، فقال المقضي عليه: قضيت عليَّ والحق لي، أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر)، أقف على هذا الكتاب، ولا أدري أَساق له إسماعيل المذكور إسناداً أم لا؟(٤). قال ابن حجر: سبب وقوع الوهم من الفقهاء في جعلهم هذا حديثاً مرفوعاً أن الشافعي قال في كلام له: وقد أمر الله نبيَّه أن يحكم بالظاهر، وبهذا المعنى قال النووي في قول النبي رَّيار: ((إنما لم أومر أن أُنقب يتولى السرائر - كما قال رء(٦). وقال أيضاً في معرض كلامه عن حديث أم سلمة، خصومة بباب حجرته، قال النووي: إنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، وقال في ((رياض الصالحين)): باب إجراء أحكام الناس على الظاهرِ، وسرائرهم إلى الله تعالى(١). وترجم النسائي باباً في سننه فقال: الحكم بالظاهر(١). أما شواهده التي يقول ابن كثير أن له معنى في الصحيح فمنها: أولاً: عن أم سلمة زوج النبي ه1 أن رسول الله ل*ر سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: ((إنما أنا بشر مثلكم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق، ثانياً: ورد من حديث متفق عليه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ريّيار: (إني لم أُومر أَن أُنقب عن قلوب الناس ولا أَشق بطونهم)، (٤). ثالثاً: عن عمر بن الخطاب قال: إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله 1*1 وإن الوحي قد انقطع، ظهر لنا من أعمالكم . إلخ". وخلاصة القول: أن قوله: ((أمرتُ أن أحكم بالظاهر)) ليس حديثاً بهذا اللفظ، ولا أصل له وإن وجد معناه في الصحيح". وجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه ليس إجماعاً لاحتمال دلالته على عدم الموافقة، وأما أنه حجة فإنه يفيد الظن، والظن حجة (١). وهو أن الناس في كلِ عصر يحتجُّون بالقول المنتشر في الصحابة إذا وردَّ على هذا القول: بأن سكوتهم لا يخلو إما أن يكون دليلاً على الرضا فيجب أن يصير إجماعاً، أن لا يكون حجة. وأما أن يكون حجة، ولا يكون إجماعاً، أما كونه حجة باستدلال البعض، فلم يبقَ فرق بین قول من قال: إنه حجة وليس بإجماع، من قال: إنه إجماع وكان النزاع لفظياً(٥). ذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أن هذا القول: إن كان من حاكم لم يكن إجماعاً، ولا حجة، وإن لم يكن من حاكم كان إجماعاً وحجة(٦). وهو: أن الواحد منا قد يحضر مجالس الحكام فيجدهم يحكمون بخلاف مذهبه وما يعتقده، ثم لا ينكر عليهم، وفي الإنكار افتيات عليهم، وليس من الأدب الاعتراض على الحاكم، فلعل السكوت أفضل لذلك، وردَّ على هذا القول: بأن العادة قد جرت عند الحكام إظهار الخلاف، والذي يدلُّ عليه أن الصحابة قد كان يحضر بعضهم بعضاً عند الحكم، فينكر ما يحكم به إذا كان مخالفاً لما يعتقده، الخلاف للحاكم فلأن الخلاف قد ظهر، وعرف واستقرَّت المذاهب، يعاد اكتفاء بما تقدم، فلا ننكر، ولا يدلَّ ذلك على أن السكوت عند الفتيا يدل على الرضا، ولكننا نسكت عن الخلاف اكتفاء بما عرف من الخلاف المتقدم. نزول النوازل، فلا بدَّ من إظهار الخلاف من طريق العادة، يسلم جواز السكوت إلا عن رضا، سواء كان مع الحاكم، أو مع غيره، حاكم، وسكت الباقون فهو حجة، وإن كان فتيا فليس بحجة(١). وهو أن القول لا يصدر من الحاكم عادة إلا بعد البحث مع العلماء واتفاقهم، بخلاف الفتيا(٣). الإجماع، وإذا صدر عن استبداد لا يدلُّ على الإجماع(٤). وفي نظري: أنه يصعب التفريق بين ما كان بمشورة، استبداد، خاصة إذا لم ينصَّ على ذلك في الحكم لبعد كثير من المجتهدین، وتفرقهم في الأمصار عن مقرِ حكم الحاكم، ومكان صدور حكمه، يظهر أن هذا القول ليس أولى بالأخذ من سابقه. قال قوم: إذا قال بعض أهل العصر قولاً وانتشر مع سكوت الباقين، فهو حجة إن وقع فيما يفوت استدراكه كإراقة دم أو استباحة فرج(٥) أما كونه إجماعاً ففيه وجهان، ولم ينسب إلى قائل(٦). وهو: أن هذين الأمرين لخطرهما لا يسكت عنهما إلا راضٍ بهما وفي نظري: أن هذا التخصيص لهذين الأمرين دون غيرهما بدون مخصص تحكم، بل فيه رد على أصحاب هذا القول، هاتين الحالتين رضا وموافقة مع خطرهما، قيل(٢): إن كان الساكتون أقل من القائلين كان إجماعاً، وإلا فلا. قال أبو بكر الرازي: ونسبه السرخسي إلى الشافعي، قال: إنه غریب لا یعرفه أصحابه(٣). واستدل أصحاب هذا القول بالمعقول: وهو: أن النظر إلى الأكثر، ولا تضرَّ مخالفة الأقل(٤)؛ للأكثر، فإذا كان الأكثر سكوتاً، يجعل ذلك كسكوت الكل، القول من الأكثر يجعل ذلك كظهوره من الكل(٥). ورد على هذا القول: بأنه إذا كان سكوت القليل دليلاً على الرضا والوفاق مع عدم تمكنهم من إظهار الخلاف لقلَّتهم، الأكثر مع تمكنهم من إظهار الخلاف دليلاً على الرضا أولى. فإن قيل: إنما لم يعتبر سكوت الأقل لئلا يؤدي إلى تعذُّر انعقاده. قلنا: إنه لا يلزم من عدم اعتبار الأقل عدم اعتبار الأكثر(١). وفي نظري: أن الحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة، تعالى: ﴿وَإِن تُطِطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَيِيلِ اللَهِّ إِن يََِّعُونَ إلَّا الََّنَ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ ) [الأنعَام: ١١٦]، طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة))(٢). وبهذا يتضح أن العبرة ليست بكثرة القائلين، وقلَّة الساكتين، بالحق والصواب، وإن قلَّ أهلُه. إن كان السكوت في عصر الصحابة كان إجماعاً، وهو أنهم لشدَّتهم في الدين لا يسكتون عما لا يرضون بخلاف غيرهم واعترض على هذا القول: بأنه غير وجيه، لأنه يفضي إلى خلو العصر من قائم الله بحجة، للخلف في إخبار الله تعالى فإنه موجه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(١) ويشهد لهم قوله تعالى: ﴿كُنُتُمْ خَيّرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اٌلْمُنكَرِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠](٢). قال إمام الحرمين الجويني: إن كان يتكرر تذاكر الواقعة والخوض فيها، فيكون السكوت إجماعاً. وهو أن استمرار العلماء على السكوت زمناً متطاولاً يخالف العادة قطعاً، بخلاف السكوت في الزمان القصير(٣). وفي نظري: أن هذا القول تفريق بين المتماثلين، السكوت في الزمن المتطاول يكون إجماعاً، للنظر. اه. وقد يقال السكوت عن إنكار المنكر مع القدرة عليه فسق(٤). قال قوم: إذا قال بعض علماء العصر قولاً، وسكت الباقون، فليس سكوتهم حجة ولا إجماعاً، ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد، قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين الرضا، عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله َّير ذات يوم وهو مسرور فقال: ((يا عائشة ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل عليَّ فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، إن ترك الإنكار يدلُّ على موافقة الحق، أصله، ومعلوم أنه َ لاه لا يسرّه إلا الحق(٣). وأجيب عن هذا: بأنه كان يعلم رجوع العرب إلى القيافة، الطعن منهم، فلما أتى ما يكذبهم سرَّه ما ساءهم. وقيل: إن الاستبشار كما يدلُّ على حقيقة المستبشر به، وهو أن الفتوى لا تعلم إلا بالقول الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمال وتردد، والسكوت متردد، فقد يسكت من غير إضمار الرضا(٢). وقد قيل عن هذا القول: أنه أحق الأقوال، بالرضا كإفادة النطق له فيصير كالإجماع النطقي من الجميع. قال صاحب ((نزهة الخاطر العاطر)): وهذا الذي نعتمده ونختاره(٣). وفي نظري: أن هذا القول على وجاهته، ليس بجامع، المجتهد عن الإدلاء برأيه في بيان حكم الواقعة، وهو موافق، عليه أمارات الرضا كما لا تظهر عليه قرائن السخط، إذا قال بعض أهل العصر قولاً، وسكت الباقون، حجة قبل استقرار المذاهب لا بعدها، وهو أن المذاهب إذا تقررت، وعرف كل مذهب، لا وجه للإنكار على صاحب المذهب إذا أفتى، وفي نظري: أنه إذا كان حجة، كان إجماعاً، أقوال، فيكون سكوت المجتهد عن المسألة المنتشرة دليل الموافقة، كانت داخل المذهب أو خارجة عنه. ومما تقدَّم يتضح لنا قوة قول الجمهور الذين يرون أن سكوت المجتهد بعد مضي مدة التأمل إجماع وحجة، الأدلة الدالَّة على حجية الإجماع، عليه كان آئماً لسكوته عن إنكار منكر يجب عليه تغييره، اجتماع أمة محمد ل على الخطأ والضلال، وهو محال، الخلف في خبر الله عنها بأنها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وخبر النبي َّر عنها بأنها لا تجتمع على الخطأ والضلال، وهذا محال، كما أنه يؤدي إلى خلو العصر من قائم الله بحجة، أيضاً. وهذا القول هو الراجح والمختار في نظري، والله أعلم.