طال الشتاء فلم أعُد قادرةً على الانتظار، وربطتُ رأسي بمنديلي الصوفي، ونزلتُ إلى الشوارع أقطعها ، وعندما تفشلُ عَيناي في رؤية شيء على الفروع الجافة، بل مجرد عقدة على فرع جافٌ، ولكنني كُنتُ واثقةً أنني سأجدها، أقصد الكرويات الصلبة الدقيقةَ الّتي يخدّعُك لونُها في البداية فتظنُّها لا شيء، ولكنك لو دَقْتَ النظر وجدتها كرويةً، وَرمادَها ليسَ رماديًا، وتكشف لك عنْ أخضرها الكامن. كُنتُ أبحث عنها عندما رآني ذلك الزميلُ، ماذا تفعلين في الشارع في هذا البردِ الشَّديدِ، أذكرُ بوضوح أن صوتَهُ كانَ ضاحكًا، وفي نهاية يوم قضيته أبحثُ عُدْتُ إلى بيتي خائبةً، أتساءَلُ إلى متى؟ ساعتها تذكَّرْتُ زهرة الصبار التي حَمَلَتْها لي عمّتي فاطمة من البلد، وكنتُ قد وضعتها بجوار الباب ونسيتها، قُلْتُ لنفسي: لابد أنها ماتَتْ، فأنا لم أَسْقِها منذ عدة شهورٍ، وطال ، تتفرّعُ من السَّاقِ عريضةً، وتتفتّح إلى الأسفل رفيعةً وَمُديِّبةً، أملوه بالطين، وأروي. - ماتَ ابنُ عمكِ يا فوزية. فلما أكدوا الخبر طلبت منهم أن ينتظروا كي أصحبَهُمْ لتقديم واجب العزاء. وأملأ علبة فارغةً بالطين، وَقُلْتُ: الآن بإمكاننا أن نذهب. وسمعتهم يقولونَ: جنَّتْ فوزيَّةُ، ويعرفُ، فنحنُ فلاحون، صحيح أنَّ النساءَ في عائلتنا الصعيدية لا يخرجن إلى الحقول للفلاحة، ولكن الفلاحة هي حياتُهُنَّ التي يفتَحْنَ عيونَهُنَّ عليها ، وَيَعْمَضْنَ ساعةَ الموتِ عيونَهُنَّ عليها أيضًا، وأنا أذكرُ أنَّ بيتنا في القرية كانَتْ على سطحِهِ نعناعةُ، أَنعَمَ اللَّهُ بها على عِبادِهِ، وَكرمها بذكرها في القُرآنِ، وإنَّ النّبي - صلواتُ اللهِ عليهِ- قال: "أكرموا عَمّاتِكُمُ النَّحْلَ" ، خُلِقَتْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثى، كعقل الإنسان في رأسِهِ، وإطعام الدّجاج، وأنْ أسقي النعناعة، وعندما كُنْتُ أنسى - كُنتُ دائما على عجلة من أمري، هذا فَأَلَّ سَيِّ، ولا في عُمرِها، حتَّى أَخَوَايَ ذهبا ، وَكُلَّ شَيءٍ. جاءَتْ عمتي فاطمة لزيارتي، وَجفَّتْ صَبَارَتُهُ، وتربعَتْ على البساط الأسيوطي، قالَتْ : " أَحَضَرْتُ لَكِ رِعْفَانًا خَبَزْتُهَا، وَتَمَرًا مِنْ نخلة أبيكِ، وَكَسَرْتُ لكِ فرعًا مِنَ الصَّبَارَةِ التي في دارنا"، ومدت عمتي لي يدها بالصبارة، رَبُّنَا يُبَارِكُ فِيكِ يا فوزيَةُ، ذَكَرَتْني عمّتي، يتهامسون وراء ظهري، وذات مرة، إنه طينٌ مُتَخَلَّفُ مِنَ الزّرعِ الَّذِي أزرعُهُ". لا يليقُ أبدًا، وأنتِ موظفة". وَنسجَ العنكبوتُ خيوطه في الزوايا، وَعَشَشَتْ فِيهِ الحشراتُ، وأنا واثقة أن الفئرانَ لها جحورٌ فيه تتركها في المساء والليلِ، يصعب معرفة لونها الأصلي، وحتى المساحةُ المُستطيلة التي أمامَ المبنى، فلا نستطيع دخول المبنى أو الخروج مِنْهُ إِلَّا بالسِّيرِ الحَذِرِ على خمسةِ أحجار متجاورة تُشكل جسرًا إلى عتبة الباب. وتعهَدْتُها ، فلما نَمَتْ، وتكاثفَتْ أوراقها حَمَلْتُها إلى المكتب، لا يفهمونني، ولا في الحي أيضًا. يبصقها مِنْ فِيهِ فتسقط بعيدًا، أركضُ لألتقطها، وتلين حتى ألمس بيدي طراوتها، وأغمرها بالماء. كُنتُ أتمنى أن يكون بيتي فسيحًا تُحيط به أرضي، فأزرعُهَا، وأنَّ شُرفته الوحيدة ضيقة إلى هذا الحد، في الماضي كُنتُ أضعُ أُصُصَ الزرع على سور الشـــرفة، ولكنني عدلت عن ذلك؛ ذابل الأوراق، فكرْتُ فيهم، ولكنني قُلْتُ لنفسي: "إنَّ بعضَ الظَّنَّ إثم"، فلما تكرر الأمر تأكدتُ، وتأكدتُ أكثر عندما أخذ الصغار يُضايقونني وأنا عائدة إلى البيت، واستاءَ ، لأنها غالية، وعندما كانَ العم متولّي يُعطيني الصفائح كانَ الأولاد يمشون ورائي، ويقولون: المجنونة. وألتقط أوّلَ حجرِ في الطَّريقِ، وفي مَرَةٍ مِنَ المَرَاتِ ظهرَتْ لي أُمُّ سُليمان المرأة البدينةُ ذاتُ السِّنَّ الذهبيَّةِ، لَمْ أقصد الإساءة، فاجأتني ضحكتها، ولكنني واصَلْتُ: أنتِ أُمَّ سُليمان تقومين برعاية سليمان وحمايته أليس كذلك؟ اعتبريني أنا أيضًا أُمَّا، أنا أُم الزرع لَعَبَتْ أُمُّ سُليمانَ حَاجِبَيْها، وأدارَتْ ظَهرَها، وتركتني، وهي تواصل ضحكاتها العالية المُخيفةَ، ويسكن في كوخ خشبي في مكانِ ولما تآلفنا، صِرتُ أُسميه "أبويا محمد"، عندما تضيقُ بي الدنيا أذهب إليه، وأشكو. .. وتموجُ في بَحْرٍ مِنْ زَعفران وعندما يكونُ الحَقْلُ ذُرةً، أرى الكيزانَ وقد استوت على عيدانها، وَسرَتْ في شَواشيها حمرة خمرية، فيبدو الحقل وهو الأخضرُ بُنيا أحمر كماء النيل في الشهر التاسع مُثقَلًا بِالطَّمِي قبلَ الفيضانِ. وعندما يكون الحقل حديقة برتقال، أرى الشَّجراتِ صغيرةً وَمُدوّرةً وَمُحمّلَةً بِالثَّمَارِ، ويكون البرتقال على أخضرِ الغصون برتقاليا، والشَّمسُ كمثلِهِ في الزرقاء العالية. ولم تكن الشمس قد أشرقَتْ بعد، ولكنها كانَتْ على وشك، وَأُمِّي، وَعَمّتي، وابن عمّي كَانَتْ وجوههم خضراء شاحبةً بلون السعف، وَسَمِعْتُ صوتًا رَحْيمًا ودافتًا كَأَنَهُ صوتُ مُقري يتلو الآيات قبل أذان الفجر، فَتَهيِّني"، وفتحتُ عَينيَّ فَلَمْ أَجِدْ سوى الصورةِ المُعَلَّقة على الجدار القديم، فانسكبَتْ مِنْ عيني دمعةً ثُمَّ استجمَعْتُ نفسي، وَقُمْتُ. وسألتني على استحياء أنْ أُعَلَّمَها،