لقد كانت مختلف جوانب الاتصال موضوع دراسة منذ العصور القديمة، وتطورت هذه النهج مع الوقت إلى التخصص الأكاديمي المعروف اليوم باسم دراسات الاتصال Communication Studie بعد الحرب العالمية الثانية نظرا لإيمان الدول المتحاربة آنذاك بقوة تأثير وسائل الاعلام والذي كان السبب في بداية الدراسات العلمية التي أجريت من قبل علماء ومفكرين في علم النفس والاجتماع والرياضيات، ذلك أن البحوث الإعلامية الأولى كانت تتم في إطار مفاهيم ونظريات ونماذج منهجية مستوحاة من تخصصات أخرى، ومن اشهر هؤلاء الباحثين والمفكرين: لاسويل، شانون، كاتزولازرسفيلد، وماكلوهان وبارك، وذلك لتحديد تأثيرات وسائل الاعلام على الجماهير ومعرفة الاثار المحتملة لهته الوسائل. وقد ازدادت أهمية هذه الأبحاث بعد أن تطور علم الاتصال والاعلام وأصبح علما قائما بذاته وله مفكروه وباحثوه الذين توسعوا في دراسة وسائل الاعلام وجمهوره وتأثيراته والتي أدت إلى ظهور النظريات والنماذج والفرضيات المفسرة لعمل وسائل الاعلام والاتصال و تجدر الإشارة ان دراسات الاتصال مرتبة بشكل كبير مع النظريات يعود تاريخ ظهور المفاهيم الأولى لتيار بحوث وسائل الاتصال الجماهيري إلى سنة 1927، حيث يعتبر كتاب هارولد لاسويل Harold Lasswell(1902-1978) الذي يحمل عنوان: تقنيات الدعاية خلال الحرب العالمية Propaganda Techniques in the World War من أول البحوث التي قدمت قراءة للحرب مبينة كيف أن وسائل الاتصال أصبحت من أهم الأدوات الضرورية لإدارة أو تسيير الرأي العام من طرف الحكومات، سواء تعلق الأمر بالرأي العام الموجود داخل الدول الحليفة أو في الدول المعادية. في هذه الفترة بالذات، عرفت وسائل الاتصال (التيلفون، الإذاعة، السينما) تطورا معتبراوأصبحت تستعمل في الدعاية التي اعتبرت من طرف لاسويل الوسيلة الوحيدة في خلق الانتماء والولاء لدى الجماهير، وهي أكثر اقتصادية من العنف. هذه الرؤية الجديدة، كرست القوة الهائلة لوسائل الإعلام معتبرة إياها أدوات في استعمال الرموز المؤثرة؛ وكان من نتيجة ذلك أن اعتبر انهزام الجيش الألماني إنما كان، إلى حد كبير، بسبب العمل الدعائي للحلفاء. عملت الدراسات الأولى التي اهتمت بوسائل الإعلام، على تشييء الجمهور، معتبرة أنه يخضع، من دون وعي، لثنائية المثير والاستجابة. بمعنى أن وسائل الإعلام تعمل وفق مبدأ الذي جاء به لاسويل: "الإبر المخدرة". فرضية لاسويل جاءت في نفس الوقت الذي راجت فيه نظريات عديدة: نظرية علم نفس الحشود ل لوبونLe Bon ، نظرية التوجه السلوكي (1914) ل جون ب. واتسون John B. Watson ، ونظرية بافلوف وكذلك دراسات أحد رواد علم النفس الاجتماعي، البريطاني وليام ماكدوغال Wiliam Mc. Dougall الذي قال بأن بعض الدوافع البدائية أو الغريزية وحدها يمكن أن تفسر سلوكيات البشر والحيوانات. مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، ظهرت عدة مؤلفات غذت فكرة القوة التأثيرية الهائلة التي تملكها وسائل الإعلام والدعاية خصوصا، من ذلك كتاب الروسي المهاجر إلى فرنسا سيرج تشاخوتين Serge Tchakhotine الذي جاء بعنوان "الدعاية السياسية واغتصاب الجماهير" Le viol des foules par la propagande politique (1939) ثلاثينيات القرن الماضي شكلت مختبرا كبيرا للاسوال لدراسة الدعاية السياسية، فقد كان انتخاب روزفلت سنة 1932 نقطة انطلاق لما عرف بالسياسة الجديدة، وتقنيات تشكيل الرأي العام، حيث ارتبط الأمر بتعبئة الجماهير لدعم برامج دولة الرفاه والخروج من الأزمة. وتزامن ذلك مع ظهور تقنيات سبر آراء الجمهور كأدوات أساسية في التدبير اليومي لمسائل الشأن العام. فقد تنبأت استطلاعات ما قبل الانتخابات التي أجراها غالوب وروبر وكروسلي بفوز روزفلت سنة 1936، وهو ما حدث بالفعل مما دفع بالجمعية الامريكية لبحوث الرأي العام سنة 1937 إلى إنشاء أول مجلة جامعية تهتم بالاتصال الجماهيري حملت عنوان The Public Opinion Quarterly في سنة 1935 اقترح لاسويل، في بحثه السياسة العالمية وفقدان الأمن الشخصي، دراسة محتوى وسائل الإعلام دراسة منتظمة وبناء مؤشرات عامة، بهدف استخلاص توجهات، أو ما أطلق عليه تسمية "اهتمامات العالم"، بمعنى العناصر التي تشكل "البيئة الرمزية العالمية"، وبالتالي إمكانية بناء سياسات عملية. وقد نجح، جزئيا، في تحقيق هذا المشروع سنتي 1940-1941، عندما كلف بتنظيم قسم دراسة الاتصال زمن الحرب بمكتبة الكونغرس. في سنة 1948 توصل لاسويل إلى تزويد السوسيولوجيا الوظيفية لوسائل الإعلام بإطار مفاهيمي من خلال صياغة أسئلته الشهيرة: من؟ يقول ماذا؟ لمن؟ بأية قناة؟ كيف؟ وبأي أثر؟التي ترجمت إلى الأقسام البحثية التالية: تحليل التحكم والرقابة، تحليل المحتوى، تحليل وسائل الإعلام أو الحوامل، دراسة الجمهور، دراسة التأثيرات. مع لاسويل، برز لازارسفيلد Lazarsfeild (1901- 1976) إلى جانب عالمي النفس كيرت لوين Kurt Lewin وكارل هوفلند Carl Hovlandكأحد المؤسسين لبحوث الاتصال، وقد أسس سنة 1941، مكتب البحوث الاجتماعية التطبيقية لجامعة كولومبيا. وكان أول من فتح عهدا جديدا في الدراسات الكمية عن الجمهور