لبحث الثالث المفهوم الإنتاجي للعنصر البشري في الفكر الإسلامي المعاصر بالرغم من أن العطاء الفكري الإسلامي لم ينقطع خلال عصور الإسلام كلها، غير أنه أصبح في القرون الأخيرة نكرة مجردة ليس له صدى في جنبات المجتمع، الأمر الذي أدى إلى تخلف البلدان الإسلامية. وفي محاولة للخروج من الواقع المشين لهذه البلدان قامت النهضة الحديثة للفكر الإسلامي، والتي تمثل ثورة على الوضع القائم. وقد تمثلت هذه النهضة في المجال الاقتصادي في ثلاثة أمور. أولها فتح باب الاجتهاد معاولات ناجحة لتقديم موقف الإسلام في العديد من القضايا والموضوعات الاقتصادية التي استجدت. وثانيها تأصيل الفكر الاقتصادي الإسلامي في محاولة لوضع المفاهيم الإسلامية الأساسية في متناول يد المفكرين ليستخدموها في أبحاثهم وينطلقوا منها في دراساتهم. أما ثالث هذه الأمور فيتمثل في ولوج ميدان التطبيق للاقتصاد الإسلامي، حيث قامت بعض المؤسسات الإسلامية التمويلية بمحاولة وضع الفكر الإسلامي موضع التطبيق، بالرغم من الحرب الشعواء التي يشتبها أعداء الإسلام الذين لهم مواضع أقدام قوية في حكومات الدول الإسلامية. ومع تعدد الكتاب والمفكرين، تعددت المقالات والكتب والأبحاث الاقتصادية الإسلامية. فقد اكتفى الباحث بعرض أفكار بعضهم على اعتبار أن كتاباتهم تمثل عينة جيدة لما كتب عن المفهوم الإنتاجي للعنصر البشري في الفكر الإسلامي المعاصر. سيد قطب؛ كما حاول الاستعانة بالفكر الحديث لإبراز أهمية الإسلام، فهو يؤكد أن الإسلام كلٌ لا يتجزأ؛ عباداته ومعاملاته وشرائعه وتوجيهاته، وإذا فالشعائر التعبدية ليست منفصلة في طبيعتها وأهدافها عن النظم والمعاملات، وأن محاولة تضخيم الجانب التعبدي وعزله عن الجانب الاجتماعي أو عزل الجانب الاجتماعي عنه هي أزمة العصر لا أزمة الدين. 77 ومن هنا بين أن العمل يجب أن يكون في إطار الشريعة الإسلامية ومقيداً بقاصدها، وأن يكون هناك توازن بين الأعمال التعبدية والأعمال الدنيوية. ويرى سيد قطب أن الإسلام أحاط العمل بقداسة، ويستشهد في ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. ذلك أن العمل هو الوسيلة الأساسية لنيل حق التملك في الإسلام، كذلك فإن العمل بكل أنواعه وألوانه، قيمة أساسية من القيم الاجتماعية والاقتصادية الإسلامية. ومن أجل ذلك أوجب على الجماعة توفير فرص العمل لكل فرد فيها (لأن الطاقة التي تنصرف في العمل ستجد لها طريقاً آخر هو طريق المعصية). فإذا لم تجد في الطاعة عملاً لتصرفه في المعصية أعمالاً، فاشغلوها بالطاعة قبل أن تشغلكم بالمعصية". في رأيه، إن أحد العوامل التي تزيد الكفاءة الإنتاجية للعامل هو احترام حقه في الرعاية الصحية والراحة الضرورية وتعجيل أداء الأجور. فالرعاية الصحية والراحة الضرورية تزيد من قدرة العامل، بينما تعجيل أداء الأجور يزيد من رغبته ونشاطه في العمل، والإسلام يحرص على أن يعمل كل فرد بكامل طاقته الإنتاجية. بل إن الإسلام يطالب العامل بالتجويد في عمله وإتقانه ويعتبر ذلك عبادة لله، ستعود ثمرته على الفرد والجماعة. وهذا يبين لنا أن أحد المتطلبات الأساسية للتقدم في العصر الحديث ما هو إلا أحد القيم الإسلامية الأصيلة. كما يرى سيد قطب أن الإسلام عالج فساد جهاز العمل وضعف الإنتاج بطريقتين: تتمثل أولاهما في ملء النفس بالعقيدة الدافعة على العمل وتغيير الأوضاع الاجتماعية المريضة التي أدت إلى فساد الذمم والضمائر والاستهتار بالعمل الواجب وتبديد الثروات. 78 الباطلة وتحويلها إلى فئات وحشوم. بينما تتمثل الطريقة الثانية في محاربة البطالة وروحها ومكافحة أسبابها، حيث أنذر الذين يخسرون وهم قادرون أن يأتوا يوم القيامة وليس في وجوههم مزعة ثم، كما اعتبر أن حق العمل كحق الطعام وأن العمل زكاة للأرواح والأجسام، وعيادة من عيادات الإسلام التي يجب أن تقيمها الدولة وتهيئ لها السبل. في كتابه "اقتصادنا" يقدم رؤيته عن مفهوم العمل في الإسلام مقارنة بالنظم الوضعية الأخرى. ويستدل على ذلك بقوله تعالى "الله الذي خلق السماوات والأرض، .. وأتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار". نظام الإنسان في حياته العملية وكفره بالنعمة الإلهية، هما السببان الأساسيان للمشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان. ويتجسد كفره بالنعمة في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها. وانطلاقاً من هذا المنطلق يحلل دور العنصر البشري في التوزيع والإنتاج. فهو يرى أن العمل هو أحد الأدوات الرئيسية للتعامل في الإسلام. فالتعاملية الإسلامية عنده هي "إن العمل سبب اتصال العامل بالمال، وليس سبباً لقيمته". أما بالنسبة لمركز الإنسان ودوره في عملية الإنتاج، فإن دور الإنسان في الفكر الرأسمالي هو دور الوسيلة التي تخدم الإنتاج لا الغاية التي يخدمها الإنتاج، فهو في صف سائر القوى الساهمة في الإنتاج (طبيعة ورأسمال) وبالتالي يتلقى الإنسان نصيبه من الناتج بوصفه مساهماً فيه وخادماً له ويتساوى في الأساس مع الوسائل المادية التي تساهم معه في عملية الإنتاج. أما مركزه في الإسلام فهو مركز الغاية لا الوسيلة وبالتالي يتساوى في الأساس مع سائر الوسائل المادية، وبذلك يختلف نصيب الإنسان المنتج عن نصيب الوسائل المادية في الأساس التفرقي. 79 أما بالنسبة لمفهوم العمل ودوره في تنمية الإنتاج، فيؤكد باقر الصدر أن التنظيم الوحيدة التي تتفق عليها المذاهب الإسلامية والرأسمالية والماركسية جميعاً على الصعيد المذهبي هي تنمية الإنتاج والاستفادة من الطبيعة إلى أقصى حد ضمن الإطار العام للمذهب. كما يوضح وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج من الناحية الفكرية ومن الناحية التشريعية وتستطيع أن تلخص أفكاره بالنسبة لهذه النقطة في الآتي: وضع أن الإسلام حق على العمل والإنتاج، وجعله جزءاً من كمال الإنسان وإيمانه، واستشهد في ذلك بأحاديث نبوية شريفة ومواقف وأقوال الأئمة والصحابة المسلمين. أكد أن الإسلام حرم الكسب بدون عمل، كما قام بذم البطالة بكافة أنواعها. أشار إلى أن الإسلام حرم بعض الأعمال العقيمة من الناحية الإنتاجية كالمقامرة والسحر والشعوذة. أوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اللهو والمجون لما فيه من عزل الإنسان عن مجال الإنتاج والعمل الحقيقي المثمر. أشار أن الإسلام حرم القادرين على العمل والنشاط الاقتصادي من الضمان الاجتماعي، ومنعهم من الاستجداء، ولذلك سد عليهم منافذ التهرب من العمل المثمر، وهذا يؤدي بطبيعته إلى تجديد طاقاتهم للإنتاج والاستثمار. أشار إلى أن الإسلام أوجب على المسلمين كفاية تعلم جميع الفنون والصناعات التي تنظم بها الحياة، كما أوجب عليهم الحصول على أكبر قدر ممكن وأعلى مستوى من الخبرة العملية العامة في كافة المجالات. رأى أن الإسلام منح الدولة القدرة على جمع عدد كبير من القوى البشرية العاملة والاستفادة منها في مجالات القطاع العام الإنتاجي بما يضمن مساهمة جميع الطاقات في حركة الإنتاج الكلي. 80 عيسى عبده: في كتابه "العمل في الإسلام"، ويبرز أهمية العمل في الإسلام مسترشداً بآيات وأحاديث نبوية ومواقف وأقوال الصحابة والأئمة السابقين، وتحت عنوان "مفهوم تقدمي للفظ العمل في الإسلام" يستعرض كل ما يتعلق بالعمل والولاية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم يحاول أن يفرق بين العمل المشروع والعمل غير المشروع. ثم يتحدث عن موضوعات متفرقة مرتبطة بالعمل ومن أهمها التربية وأثرها في العمل الصالح، التأهيل للعمل والتدريب عليه، الأجور والحوافز. ولعل أهم أفكاره في هذا الكتاب المتخصص يمكن إجمالها في الآتي: يبدأ في عرض أفكاره بقول الله سبحانه وتعالى "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجكما من الجنة فتشقى. إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى". أ- أن العمل سلوك ظاهري مترتب على تشبث الإنسان بحب البقاء، فهو كل إجهاد ذهني أو عضلي بهدف يوصل الإنسان إلى تلبية بعض حاجاته. وفي كل من إجهاد الذهن والعضل شقاء للبدن. وقد تتفاوت درجات الإجهاد ومن ثم الشقاء، ولكن مادة العمل واحدة. ب- دوافع العمل هي أسباب البقاء، وهي أن يجد الإنسان طعامه وكساءه ومأواه، وهي جملة السلع الاستهلاكية الرئيسية التي لو حرم منها الإنسان لجاع، أما ما فوق ذلك فإنه قد يؤدي لرفع مستوى الإنسان، أو ترفه، ج- ربط الحاجات الأربع بالشقاء في سبيلها يؤدي إلى قاعدة أساسية هي أن العمل هو السبيل الطبيعي للحصول على احتياجات الإنسان. وهو ما يطلق عليه "حق العمل" لأنه السبيل الطبيعي الذي نزل عليه الإنسان. د- أن طلب الرزق بالعمل المنتج حق لله والعياد. وحق الله فيه غالب على حق كل فرد. وبالتالي فإن المجتمع لا يكفي أن يترك الفرد عن طلب الرزق، بل لا يكفي أن يقف من هذا الأمر موقفاً سلبياً، وبالتالي فواجب على الدولة توفير فرص العمل لكل قادر عليها. هـ- وما أن العمل أو الشقاء في سبيل تدبير المعاش فريضة، فبالتالي العمل عبادة، وفي إتقان العمل درجات من الترقي في العبادة، والتهاون عن العمل عصيان لأمر الله وإعراض عن سنته في خلقه وفي ملكه. و- إفراد الخطاب لآدم في كلمة "فتشقى" يقصد بهذا أن العمل فريضة على الرجل دون المرأة. ولكن هذا لا يعني وجود تحريم صريح ولا تحسين عمل المرأة، بل في كتاب الله العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يفيد أن كرام النساء كن يعملن. ز- العمل هو السبيل الطبيعي لكسب المعاش، ولهذا، الإنسان على توفير الحاجات، ولتحقيق ذلك لا بد من إشباع الحاجات الأساسية على أقل تقدير. ومعنى ذلك أن الحد الأدنى للأجر هو ما يكفي حفظ الحياة. 81 يؤكد عيسى عبده نفس ما قبيل عن العمل عند الصحابة وأئمة وعلماء السلف، حيث يرى أن العمل في الإسلام منزلة رفيعة سامية حيث نادى به الإسلام وجعله أفضل القربات إلى الله تعالى وهو عبادة وجهاد ويسمو على كل الفرائض في تكفير بعض الذنوب. والعمل الصالح في المرتبة الثانية بعد الإيمان، ولم يفرق الإسلام بين العمل الفكري والعمل اليدوي، ونهى عن البطالة بأنواعها، وحرم من السؤال لغير حاجة، وحث على إتقان العمل وهذا يتطلب ثلاثة أمور هي مراقبة الله في السر والعلن وتهيئة الجو للناس له والتعليم والتدريب، كما حث بأن يكون العمل على قدر الطاقة. يرى أن الإسلام اعتبر كل جهد مشروع مادي أو معنوي (أو مؤلف منهما معاً) عملاً، ويترتب على ذلك: تساوى البشر من حيث كونهم عمالاً ولا امتياز لفئة على أخرى إلا بقدر المنفعة التي يقدمونها للمجتمع، ذلك أنهم ليسوا فريقاً من المجتمع بل هم جميع العاملين في المجتمع، والأصل أن يتعاون البشر في العمل لا أن يتنافروا أو يتصارعوا صراعاً طبقياً، وعلى العاملين الكاسبين أن يتكفلوا بإعالة العاملين المعوزين عن الكسب. يرى عيسى عبده أن الشروط التي يجب توافرها في العمال عند اختيارهم تتمثل في الحرية (من استقل بكفايته) والإسلام (وثق بدينه وأمانته) كما يؤكد على ضرورة التزام مبدأ الجدارة في التوظيف كأساس لتنمية القوى العاملة في الإسلام، أما الشروط التي يجب إعلامها للعامل عند تولية العمل فهي إعلامه بمكان العمل وتعيين العمل والعلم بمسؤولياته وحقوقه. يؤكد ضرورة اختيار العمل الإسلامي للأعمال الم المباحة شرعاً – أو الأنشطة الإنتاجية– ويشير إلى ضرورة اختيار العمل الذي يناسب الفرد وفقاً لقدراته. والعمل المشروع هو العمل الطيب الصالح، أما العمل غير المشروع فهو الخبيث. فالتجارة والزراعة والصناعة من الأعمال المشروعة إذا كانت في حدود الشريعة ومقاصدها، أما الأعمال غير المشروعة فهي التي تخرج عن حدود الشريعة ومقاصدها مثل العمل مع الظلم والاحتكار والربا والإضرار بالآخرين. 82 يؤكد عيسى عبده نفس ما قبله عن العمل عند الصحابة والأئمة وعلماء السلف، حيث يرى أن العمل في الإسلام منزلة رفيعة سامية حيث نادى به الإسلام وجعله أفضل القربات إلى الله تعالى وهو عبادة وجهاد ويسمو على كل الفرائض في تكفير بعض الذنوب. والعمل الصالح في المرتبة الثانية بعد الإيمان، ولم يفرق الإسلام بين العمل الفكري والعمل اليدوي، ونهى عن البطالة بأنواعها، وحرم من السؤال لغير حاجة، وحث على إتقان العمل وهذا يتطلب ثلاثة أمور هي مراقبة الله في السر والعلن وتهيئة الجو للناس له والتعليم والتدريب، كما حث بأن يكون العمل على قدر الطاقة. يرى أن الإسلام اعتبر كل جهد مشروع مادي أو معنوي (أو مؤلف منهما معاً) عملاً، ذلك أنهم ليسوا فريقاً من المجتمع بل هم جميع العاملين في المجتمع، والأصل أن يتعاون البشر في العمل لا أن يتنافروا أو يتصارعوا صراعاً طبقياً، وعلى العاملين الكاسبين أن يتكفلوا بإعالة العاملين المعوزين عن الكسب. يرى عيسى عبده أن الشروط التي يجب توافرها في العمال عند اختيارهم تتمثل في الحرية (من استقل بكفايته) والإسلام (وثق بدينه وأمانته) كما يؤكد على ضرورة التزام مبدأ الجدارة في التوظيف كأساس لتنمية القوى العاملة في الإسلام، وفي وجوب تولية الأصلح للعمل والحرص على تنمية كفاءة القائم به عن طريق التدريب. أما الشروط التي يجب إعلامها للعامل عند تولية العمل فهي إعلامه بمكان العمل وتعيين العمل والعلم بمسؤولياته وحقوقه. يؤكد ضرورة اختيار العمل الإسلامي للأعمال المباحة شرعاً – أو الأنشطة الإنتاجية– ويشير إلى ضرورة اختيار العمل الذي يناسب الفرد وفقاً لقدراته. والعمل المشروع هو العمل الطيب الصالح، أما العمل غير المشروع فهو الخبيث. فالتجارة والزراعة والصناعة من الأعمال المشروعة إذا كانت في حدود الشريعة ومقاصدها، أما الأعمال غير المشروعة فهي التي تخرج عن حدود الشريعة ومقاصدها مثل العمل مع الظلم والاحتكار والربا والإضرار بالآخرين. 83 عبد الرحمن يسري أحمد4( يرى عبد الرحمن يسري أن الناتج الحقيقي الكلي يعتمد على نوعية العنصر البشري وقدرته المستمرة على التغيير للأحسن، وهو يرتبط بالنسبة للعمال (الأجراء) بتحسين فرص التوظف والدخل الأفضل، وحركية العمل، والمحاولات المستمرة لاكتشاف أخطائهم الفنية والعمل على تفاديها، ومحاولة فهم واستيعاب الأساليب التكنولوجية الحديثة، والجهود الميدولة للارتقاء بمستوى مهاراتهم عن طريق التعليم والتدريب. وقد استدل بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد أن هذه جميعاً من الأمور التي تحرص عليها الشريعة الإسلامية وتحث عليها القيم المنبثقة من العقيدة الغراء. أما بالنسبة للمنظمين أصحاب الأعمال فيرتبط الناتج الحقيقي بقدرتهم وحب المخاطر والقدرة على تحمل أعبائها والجهود الميدولة في عمليات التجديد والاختراع، وكلها أيضاً من الأمور التي ينادي بها الإسلام. ثم ناقش بأن عدم تحقيق المقدرة البشرية العالية في الدول الإسلامية النامية يرجع لأحد سببين: أن مقدرة العنصر البشري متأثرة بالتغيرات المادية الحادثة من حوله بحيث إن ظروف التخلف الاقتصادي هي السائدة فإنه لا يمكن الخروج من حلقة التخلف إلا عن طريق المتغيرات المادية الإيجابية مثل زيادة معدلات الاستثمار أو التقدم التقني، ومعظم النظريات الوضعية تتفق في ذلك هذا الاتفاق وبعضها يصل إلى حد الاستبعاد المطلق للعوامل غير المادية وهذا ما يرفضه الإسلام كلية. أن مقدرة العنصر البشري متغير أصلي يتأثر بالتغيرات المادية من حوله ولكنه قد يكون ضعيفاً أو غير كافٍ لإحداث التغير الموجب في العوامل المادية لسبب أو لآخر، ويرى الاقتصاديون الوضعيون أن ذلك راجع إلى القوة النسبية للمتغيرات المادية. أما التحليل الإسلامي فيرجعه إلى البعد عن الإسلام وعدم التمسك بهذا الدين العظيم. ولذا يرى عبد الرحمن يسري أن المنهج الإسلامي يبعث المناخ الاجتماعي الملائم الذي يرفع من مقدرة العنصر البشري ويطلق قوته الإنتاجية في مسار التقدم الاقتصادي. 84 ويشير عبد الرحمن يسري إلى أن الإسلام حث الأفراد على التعرف على قدراتهم الذاتية مهما قلت، والاعتماد عليها اعتماداً رشيداً لاكتساب الدخل، ومهما كان فهو خير من البطالة الاختيارية. وهذا يؤكد أهمية التوظف الكامل في المجتمع الإسلامي، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في مال غيره. كما أرسى مبدأ "حركية العمل من نشاط إنتاجي إلى آخر" ابتغاء الرزق، فقد شجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المهاجرين الفقراء على العمل بالزراعة في المدينة ولم تكن مهنتهم (حيث اعتادوا التجارة)، كما شجع بعض الأنصار على التجارة ولم تكن مهنتهم (حيث اعتادوا الصناعة والزراعة). ذلك أن الإسلام حرض المسلمين على تحصيل الكسب الحلال من أي مصدر ونهاهم عن الكسب الحرام لأن في ذلك تبديد للموارد الاقتصادية للمجتمع وتحويلاً عن استخداماتها المثلى. يرى عبد الرحمن يسري أن الكسب أو الرزق أمر مستقل عن كمية النشاط أو درجة إتقانه (بالرغم من أنه يأتي نتيجة ممارسة النشاط الإنتاجي). وإذا فهم الفرد والمجتمع المسلم ذلك سيترتب عليه النتائج التالية: أن المسلم سيعمل دائماً بنشاط متجدد بصرف النظر عن العائد المتوقع الحصول عليه، ولذلك فإن إتقانه لعمله طاعة لله ورسوله أساساً. وكلما زادت المقدرة على تحمل مخاطر أكبر كلما زادت احتمالات التجديد والربح وازداد رواج النشاط الاقتصادي وفي ذلك مصلحة للمجتمع كله. وبالتالي لن يلجأ إلى طرق غير مشروعة من أجل تسيير نشاطه الإنتاجي. فلن يلجأ إلى معاملات ربوية أو احتكارية أو بخس حقوق الأجراء، أو بخس حق صاحب العمل. الخ. 85 عبد الحميد الغزالي5( يرى عبد الحميد الغزالي أن الإنسان أساس المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية. ولكن الاقتصاد الإسلامي دين اقتصادي أو اقتصاد ديني، فإن القيم والأخلاق الإسلامية هي الركيزة الأولى له. وهو يوازن بين الروح والمادة وغايته تحقيق "تمام الكفاية" أي تحقيق الحياة الطيبة الكريمة لكل فرد يعيش في كنفه، وعليه أقام النظام الإسلامي مجتمع "المنتجين المتقين" الذي حقق في صدر الإسلام فعالاً وعمالاً تمام الكفاية لأنواره. هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي، فقد جاء في نظره- وبما أن الإنسان هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي، فقد جاء في نظره- المنهج الإسلامي للتنمية لبعيد، كشرعة، الأشياء في المجتمع الإنساني إلى طبيعتها، وليرد، كمنهاج، قضية التنمية إلى عمادها، وهو الإنسان. فالإنسان وسيلة التنمية وغايتها. ولكي يحقق الإنسان العبادة التي تشمل جميع أعمال الإنسان وعلى رأسها إعمار الأرض وفقاً لشرع الله، وبناء على ما سبق فإن أساسيات المنهج الإسلامي للتنمية القائم على الإنسان تشمل الاستخلاف أي العمل الصالح الذي يعمر الأرض ويطلب ذلك الالتزام بعقد الاستخلاف وشروطه أي يكون العمل في حدود مشروع الله تحقيقاً لمقاصده. ونظام الأولويات في الإنتاج فيبدأ بالضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات.