كان حديثنا -فيما مر بنا من أبواب هذا البحث وفصوله- عن المصادر الأولى التي استقى منها العلماء الرواة في القرن الثاني الهجري ما بين أيديهم من شعر جاهلي. ولا أن نمر بها مرًّا هينًا عابرًا، بل لقد استبان لنا أننا مضطرون -من أجل معرفة هذه المصادر معرفة حقه وبيان قيمتها التاريخية بيانًا واضحًا- إلى أن نكشف عن الموارد التي استقت هذه الدواوين منها، وأنهم قد اعتمدوها مصدرًا من مصادر تدوينهم لهذه الدواوين التي رواها عنهم تلاميذهم، وقد بيَّنا عند حديثنا عن هذا الموضوع أن هذه المدونات لم تكن هي المصدر الوحيد، تناقلوه جيلًا بعد جيل، يرحل إليهم أو يرحلون إليه إن كانوا في بلدين متباعدين، أو كان عنده بعض ما لم يكن عندهم، وذلك لاختلاف النسخ المدونة التي بين أيديهم، فكان من نتيجة ذلك أن كل عالم يعود على ما بين يديه من نسخة لديوان الشاعر الجاهلي بالتصحيح والتحقيق، ويحذف منها بعض ما انتهى إلى أنه نسب إلى ذلك الشاعر خطأ أو نحله عمدًا، ثم يرويها هؤلاء لتلاميذهم بعد أن يجروا فيها بعض ما أجراه شيخهم في نسخته الأولى من تحقيق وتمحيص. رُويت كل نسخة عن واحد من علماء الطبقة الأولى في البصرة أو الكوفة، أو أن فلانًا قال إن هذه القصيدة أو تلك الأبيات ليست لهذا الشاعر وتنسب إلى شاعر غيره يسميه. والثالثة: أن رواية هذه الدواوين التي بين أيدينا -حينما يكون الديوان مسندًا- تنتهي إلى أحد هؤلاء العلماء من رواة الطبقة الأولى أو إلى أحد تلاميذهم، ومن أجل هذا ذهب كثير من الباحثين إلى أن ثمة فجوة واسعة -تزيد على القرنين- تفصل بين زمن الشعر الجاهلي نفسه وزمن تدوينه، وإلى أن العلماء الرواة الذين دونوا ذلك الشعر بعد تلك الفجوة الزمنية الواسعة لم يجدوا إلا أبياتًا متفرقة أو مقطعات قصيرة، أشبه ما تكون بالأوصال الممزقة، بعد هذه الدراسة التي بذلنا فيها الجهد لملء تلك الفجوة نذهب إلى أن هذه الدواوين المسندة إلى العلماء من رواة الطبقة الأولى، واستقوا منهما في تدوين دواوين الشعر الجاهلي، وكل ذلك قد بيناه وفصلنا فيه القول تفصيلًا. ولذلك كان جميع ما خلفه هذا القرن الأول من شعر الجاهلية مرويًّا أو مكتوبًا، وديوان زهير بن أبي سلمى. -٢- أما ديوان امرئ القيس فقد وجدنا أمامنا ثلاث سبل لتتبع رواياته ورواته: السبيل الأول: ما ذكرته المصادر العربية، وخاصة كتاب الفهرست لابن النديم، في مواطن متفرقة عن روايات هذا الديوان وهي: ١- رواية الأصمعي١ ٢- رواية أبي عمرو الشيباني٢ ٣- رواية خالد بن كلثوم٣ ٤- رواية محمد بن حبيب٤ ٥- عمل ابن السكيت٥ ٦- صنعة أبي سعيد السكري٦ ٧- صنعة أبي العباس الأحول٧ ٨- صنعة أبي الحجاج الأعلم الشنتمري وشرحه٨ ٩- صنعة الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي وشرحه٩ والسبيل الثانية: ما بقي مخطوطًا إلى يومنا هذا وعثرنا عليه مما لم تذكره المصادر العربية التي اطلعنا عليها، ولم نعثر -في هذه السبيل الثانية- إلا على روايتين لهذا الديوان هما: ١٠- رواية أبي الحسن الطوسي١. والسبيل الثالثة: ما عثرنا عليه من إشارات إلى روايات هذا الديوان ورواته، ولم نعثر له على أثر فيما بين أيدينا من فهارس للمكتبات. فوجدنا لهذا الديوان الروايات التالية: ١٢- رواية المفضل الضبي وهي الرواية التي اعتمدها أبو الحسن الطوسي أصلًا من أصول نسخته التي صنعها لديوان امرئ القيس، ومن الأدلة أيضًا على رواية المفضل لديوان امرئ القيس أن الأعلم الشنتمري، بعد أن يورد في نسخته رواية أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي، يورد "قصائد متخيرات مما لم يرو أبو حاتم ورواه أبو عمرو الشيباني والمفضل وغيرهما"١. فقد قال في نسخته بعد القصيدة التاسعة والثلاثين "إلى هاهنا قرأت على أبي عبد الله بن الأعرابي"، ثم أورد بعد ذلك ثلاث قصائد: نص في الأولى على أن ابن الأعرابي لم يعرفها، ونص في الثانية على أنه قرأها على ابن الأعرابي وعرفها، ونص في الثالثة على أن ابن الأعرابي لم يروها. ١٤- رواية أبي عبيدة: وتبدو لنا رواية أبي عبيدة لديوان امرئ القيس واضحة مما ذكره الطوسي وابن النحاس. أما الطوسي فقد ذكر -بعد أن انتهى من رواية المفضل- أن "الذي يلي هذا ما رواه أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي والأصمعي". ثم قال في القصيدة التالية إنها "من رواية أبي عبيدة وأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي". وأما ابن النحاس فقد بين روايات أبي عبيدة لأبيات كاملة في ديوان امرئ القيس، كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب بيتين قال إنهما رواهما الأصمعي وأبو عبيدة، ثم أورد بعدها بيتًا قال عنه إن أبا عبيدة وحده رواه، ثم أورد بعده أبياتًا قال إن أبا عبيدة والأصمعي روياها. وفضلًا عن ذلك فقد أورد ابن النحاس شروحًا وافية لأبي عبيدة على أبيات كاملة أو ألفاظ متفرقة من ديوان امرئ القيس في أكثر من عشرين موضعًا من نسخته. ١٥- رواية اليزيدي: أبي عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي "المتوفى سنة ٣١٠". وقد اعتمد ابن النحاس -فيما يبدو لنا- نسخة اليزيدي أصلًا لنسخته التي بين أيدينا، أو أن هذا البيت أو ذاك ليس في نسخة اليزيدي٣. أو أن هذا البيت زيادة على اليزيدي٤. أو أن هذا البيت في نسخة اليزيدي قبل ذلك البيت٦. ١٦- رواية ابن دريا: أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد "المتوفى سنة ٣٢١". ولابن دريد رواية أيضًا لديوان امرئ القيس، وقد نص على وجودها ابن النحاس في نسخته التي بين أيدينا، وذكر أن أبا عمران قرأ ديوان امرئ القيس على ابن دريد، ثم أورد ما وجده في رواية ابن دريد زائدًا على نسخة اليزيدي أو مخالفًا لها، وقد تكرر استدراكه على ما في اليزيدي من أبيات ناقصة رواها ابن دريد، وقد قرأه أبو عمران على ابن دريد"، وقوله٢: "وروى الأصمعي وقرأه أبو عمران على ابن دريد". وقوله٣: "هذا البيت ليس في اليزيدي، وفضلًا عن ذلك فقد أورد في ثنايا نسخته روايات متعددة لألفاظ مختلفة قال إنها رواية ابن دريد. فإذا ما عدنا إلى هذه الروايات الست عشرة لديوان امرئ القيس، هي رواية أبي عبيدة. وإذ كنا نعتقد أن روايتي الأصمعي وأبي عبيدة في جوهرهما رواية واحدة أو روايتان متقاربتان، وأن الخلاف بينهما لا يعدو قصائد قليلة أو أبياتًا من قصيدة، لذلك سنكتفي بالإشارة إلى مواطن الاختلاف بين هذه الرواية ورواية الأصمعي حين نتحدث عن رواية الأصمعي. ٢- الأصول الكوفية: وقد بقيت لنا منها رواية واحدة هي رواية المفضل بن محمد الضبي "المتوفى سنة ١٦٨"، ولم تصل إلينا هذه الرواية مستقلة وحدها قائمة بنفسها، وأبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي "المتوفى سنة ٢٣١"، ثم حفظها لنا أبو الحسن على بن عبد الله بن سنان الطوسي "المتوفى نحو سنة ٢٥٠" في نسخته التي سنتحدث عنها بعد قليل. وقد أورد الطوسي اثنتين وأربعين قصيدة ومقطعة لامرئ القيس ثم قال بعدها١: "هذا آخر رواية المفضل". قرأ منها الطوسي تسعًا وثلاثين على أبي عبد الله بن الأعرابي كما ذكر٣. ويبدو أن هذه الأبيات التي ذكر أنها ليست في رواية المفضل كان الطوسي قرأها -فيما قرأ- على ابن الأعرابي فأقرها، أما أبو عمرو الشيباني فلا يذكره الطوسي في نسخته إلا في موضعين، وإنما هي من رواية أبي عمرو الشيباني". وأبي عبد الله بن الأعرابي، والمعروف عن ابن الأعرابي أنه كان "ربيبًا للمفضل الضبي، إلا أن "أكثر مجالسته وأخذه عن ابن الأعرابي"٣ وسنعود إلى الحديث عن نسخة الطوسي بعد قليل. فمن علماء البصريين من رجال الطبقة الثانية الذين أخذوا عن الأصمعي أبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي، وأبو حاتم سهل بن محمد السجستاني. وكان مما أخذه أبو نصر عن الأصمعي ديوان امرئ القيس غير أن روايته لم تبق لنا كاملة، وأما أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني "المتوفى سنة ٢٥٥" فقد بقيت لنا روايته لديوان امرئ القيس عن الأصمعي كاملة في نسخة الأعلم الشنتمري، ثم قال: "كملت رواية أبي حاتم عن الأصمعي والحمد لله". ومن تلامذة أبي حاتم الذين أخذوا عنه رواية دواوين الشعر: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد. وسنرى عند حديثنا عن نسخة الأعلم ورواية الأصمعي أن أبا علي القالي هو الذي أدخل رواية الأصمعي هذه لديوان امرئ القيس إلى الأندلس، وأنه أخذها عن شيخه ابن دريد تلميذ أبي حاتم السجستاني. وكذلك بقيت لنا إشارات متفرقة من رواية ابن دريد في نسخة ابن النحاس على ما سنبينه بعد قليل. أما رواة الكوفيين فقد تحدثنا منهم عن المفضل وتلميذيه: أبي عمرو الشيباني، وأبي عبد الله بن الأعرابي. وقد خلف بعد هذين خلف أخذوا عنهم، منهم: محمد بن حبيب "المتوفى سنة ٢٤٥"، وقد مر بنا أن النديم ذكر في فهرسته أن ممن روى ديوان امرئ القيس: محمد بن حبيب ويعقوب بن السكيت٢، وهما من علماء بغداد الذين أخذوا عن الكوفيين خاصة٣،