تُعتبر دراسة النفقات العامة جزءًا أساسيًا من الدراسات المالية، وتستمر في التطور مع تطور الفكر المالي والسياسة المالية. أهمية النفقات العامة تكمن في كونها أداة تستخدمها الدولة لتحقيق دورها في مختلف المجالات، فهي تعكس جميع جوانب الأنشطة العامة وتبين البرامج الحكومية في مختلف المجالات بأرقام واعتمادات مخصصة لكل جانب منها، لتلبية الحاجات العامة للأفراد وسعيًا لتحقيق أقصى نفع جماعي ممكن لهم. ومع تطور دور الدولة في التدخل لإشباع الحاجات العامة، تتطور نظرية النفقات العامة بشكل مستمر من حيث مفهومها، وأنواعها، وتقسيماتها، والقواعد التي تحكمها، كما تُظهر بوضوح الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها. كان التقليديون يركزون على دراسة النفقات العامة في ظل المنطق الكلاسيكي، الذي حدد النفقات اللازمة لتلبية الحاجات العامة التي كانت الدولة تقوم بإشباعها وفقًا لمبادئ المذهب الاقتصادي الحر، وبالتالي كان الإنفاق العام يتميز بطابع الحياد. ومع تطور الفكر الحديث، لم تعد الدولة مجرد حارسة للأفراد، بل أصبحت تتدخل بشكل متزايد في النشاط الاقتصادي الوطني وفي الحياة الاجتماعية، مما زاد من أهمية الإنفاق العام لمواجهة أوجه التدخل المتعددة التي أصبحت الدولة ملزمة بإشباع حاجات الأفراد من خلالها. كما أصبحت النفقات العامة أداة فعالة في التأثير على الهيكل الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق التوازن المطلوب بين الأفراد. وقد أدت هذه التطورات إلى خروج الميزانية العامة عن منطق التوازن الذي كان سائدًا في الفكر التقليدي، مما سمح بزيادة الإنفاق العام لتحقيق جميع الأهداف المتقدمة على الرغم من احتمالية وجود عجز في الميزانية. وقد أثبتت التجارب والتطبيقات المالية الحديثة فكرة إحداث عجز منظم في الميزانية لتحقيق التوازن الاقتصادي ومحاربة الآثار الضارة للدورات الاقتصادية.