ومن الواضح أن هذه البيئات التي تحرك فيها الشعر حركته الإبداعية التي أعطت هذا العصر ملامحه وقسماته الفنية المميزة له هي البيئات الأربع التي أمدت العصر بأهم شعرائه ورواد الحركة الإبداعية فيه : بيئة الشام حيث استقرت الخلافة ، وسيطر الحزب الأموى على الحكم ، ازدهر في هذه البيئة لونان من الشعر تخصصت لهما : شعر المعارضة السياسية ، وبيئة الحجاز حيث تركزت الأرستقراطية العربية بثرائها التليد والطريف ، وبخاصة في مدنها الثلاث الكبرى : مكة والمدينة والطائف ، وهو ذلك الغزل الحضاري أو اللاهي أو - كما يحلو لى أحيانا أن أطلق عليه - « الغزل على الطريقة الحجازية وبيئة البادية ، بعيدة إلى حد غير قليل عن التيارات الحضارية المتدفعة من حولها ، مع تطور لم يكن منه بد نتيجة حتمية لظهور الإسلام وانتشار قيمه الخلقية والدينية بها ، الذي يمثل الوجه المقابل للغزل الحضاري في بيئة المدن الحجازية ، وظهر وصف الصحراء الذي تحول عند ذي الرمة ، ابن البادية الشرقية ، إلى صورة جديدة متطورة عن الصورة الجاهلية تطوراً تحول بها من أن تكون وصفا تقليديا إلى أن تكون غَزَلا يصور مشاعر عاشق لها مفتون بها ، وظهرت *** *** تدور هذه الدراسات التي أتمنى أن تكون قد استطاعت من خلال هذه « الرؤية ، وأن تَرْصُدَ معها العوامل التي وقفت وراءها ، والدوافع التي وجهتها ، والظروف التي أحاطت بها . غير أنه لم يكن من الطبيعي أن نعبر الطريق إلى العصر الأموى دون أن نتوقف عند الجسر الفاصل بين الجاهلية والأموية ، وهو العصر الإسلامي كما يُسمى أحيانا ، أو عصر صدر الإسلام كما يسمى أحيانا أخرى ، وهو العصر الذي شهد التجارب الأولى للقصيدة الإسلامية كما قدمها لنا جيل الشعراء المخضرمين الذين أدركوا العصرين ، الأرجوزة في صورتها المتطورة التي خرجت بها من دوائرها الشعبية التي كانت تدور فيها في العصر الجاهلي إلى دوائر رسمية راحت تدور فيها مع القصيدة ، مسجلة بهذا ما يشبه الثورة في تاريخ الرجز ،