## الفصل الرابع اللمبارديون والبابوية بعد انسحاب القوط الغربيين من شمال إيطاليا، سيطر اللمبارديون على المنطقة. هاجر اللمبارديون من وادي نهر الأودر إلى بانونيا، حيث حاربوا الشعوب الجرمانية الأخرى، ونتيجة لتحالفهم مع الآفار، خرجوا منتصرين. في البداية، عمل اللمبارديون كجند مرتزقة في جيوش جستنيان، ولكنهم أصبحوا تهديدا جديا للإمبراطورية بعد اتحاد قبائلهم تحت زعامة ملك واحد. في ربيع عام 568م، غزت جموع اللمبارديين بقيادة ملكهم ألبوين إيطاليا، في وقت كانت الإمبراطورية البيزنطية ضعيفة ولا تستطيع الدفاع عن نفسها. سرعان ما انتشر اللمبارديون في سهول نهر البو واستولوا على فيرونا وميلان. استطاع اللمبارديون اخضاع بافيا بعد حصار دام ثلاث سنوات، واتخذوها عاصمة مملكتهم. بعد مقتل ألبوين، واصل اللمبارديون توسعهم، وسيطروا على تسكانيا والأجزاء الوسطى من إيطاليا، بالإضافة إلى السهول الشمالية. أخذ اللمبارديون جميع الأراضي المفتوحة وأذلوا الملاك الأصليين، واختلفوا عن الشعوب الجرمانية الأخرى في شدة تعصبهم لتقاليدهم الجرمانية. حاول موريس إمبراطور الدولة البيزنطية (٥٨٢-٦٠٢م) مقاومة الغزو اللمباردي، وأعاد تنظيم الإدارة الإمبراطورية في إيطاليا، بإنشاء نظام دوقيات تخضع للنائب الإمبراطوري في رافنا. ومع ذلك، ظلت الأملاك البيزنطية متناثرة مما أضعف موقفهم. بدأ أوثاري ملك اللمبارديين (٥٨٤-٥٩٠م) توحيد قواهم، ثم تزوج من ابنة دوق بافاريا، وهي أميرة كاثوليكية، مما أدى إلى اعتناقه للمذهب الكاثوليكي، وبدأ ينتشر بين اللمبارديين في القرن السابع. أجلولف ( ٥٩٠ - ٦١٦م ) ملك اللمبارديين، استغل انشغال الفرنجة بالمنازعات الداخلية، و انتزع أجزاء جديدة من أملاك الدولة البيزنطية في إيطاليا. وعلى الرغم من المعاهدة التي تم توقيعها بين اللمبارديين والإمبراطورية البيزنطية في عام 568 م، نقضها النائب الإمبراطوري في إيطاليا، مما أدى إلى معركة بين اللمبارديين والبيزنطيين في حوض البو. استطاع اللمبارديون الاستيلاء على بادوا ثم مانتوا، ولجأ الإمبراطور فوقاس لشراء مسالمة اللمبارديين مقابل تعهده بدفع جزية سنوية ضخمة لهم. خلال عهد ملكهم أجيلولف، واجه اللمبارديون بعض المتاعب والثورات الداخلية، بالإضافة إلى التهديدات الخارجية من جانب الآفار والسلاف. يُعتبر عهد روتاری (٦٣٦-٦٥٢م) دور النضج بالنسبة للمبارديين وحضارتهم في إيطاليا. أتموا غزو شمال إيطاليا واستولوا على ليجوريا والمنطقة المحيطة بمدينة أودرزو. شهد عهد روثاري إنشاء أول قانون مدون للمبارديين، "Edictum Rotharis"، التي تتناول بشكل أساسي مسائل الفدية وحقوق الوراثة، و تُعتبر دليلاً على التطور الحضاري لللمبارديين في إيطاليا. بعد وفاة روثاري، حاول البيزنطيون استرداد أراضيهم في إيطاليا، واستولوا على بنفنتوم لكن اللمبارديين اتحدوا واختاروا جريمولد دوق بنفنتوم ملكا عليهم (٦٦٢ - ٦٧١م)، مما أدى إلى صدّ البيزنطيين. نتيجة للغزو اللمباردي، انتهت الوحدة الإيطالية التي أحيها جستنيان، وأصبحت إيطاليا مقسمة بين اللمبارديين والدولة البيزنطية والبابوية. **ازدياد نفوذ البابوية**: ازداد نفوذ البابوية خلال عصر استقرار اللمبارديين في إيطاليا، وأصبحت أحد القوى الحاكمة. شهدت هذه الفترة تضاعف ممتلكات الكنيسة في إيطاليا، مما حقق لها نفوذا معنويا وماديا. استغل أساقفة إيطاليا الفوضى السياسية والاجتماعية وامتلكوا أراضي وأصبحوا حكام علمانيين. ساعدت رجال الكنيسة صغار ملاك الأراضي في إيطاليا، الذين أصبحوا شبه مستأجرين مقابل حصولهم على نوع من الحماية والأمان، على زيادة نفوذ الكنيسة. في حين ظل البابا تابعًا للنائب الإمبراطوري، أصبح هذا الأخير غير فعال، خاصةً بعد إقامته في رافنا بدلاً من روما. ازدادت ممتلكات البابوية في مختلف أنحاء إيطاليا، حتى امتدت إلى صقلية، و أصبحت الموارد الإقتصادية الواسعة سر قوة الكنيسة. أظهر البابا جريجوري العظيم (٥٩٠-٦٠٤م) تواضعاً جمًّا ومع ذلك اتصف بالكبرياء في مباشرة وظيفته البابوية. أخذ جريجوري العظيم ينظم وسائل الدفاع ضد اللمبارديين، وتوجيه الهجمات، واستطاع عقد صلحا نهائيا مع ملكهم أجيلولف سنة 598م، مما أنهى الحروب التي استمرت ثلاثين سنة. استغل جريجوري العظيم إيرادات البابوية في مختلف الأغراض الخيرية، مثل فدية أسرى المسيحيين، وتخفيف آلام المجاعات، و إنشاء المستشفيات، و إصلاح الكنائس التي تعرضت للعَبَث. على الرغم من تبعية الكنيسة لِلإمبراطور، أظهر جريجوري تمسكا بسيادة كرسي روما على بقية الكراسي الأسقفية في الشرق والغرب، و حاول فرض سيادة البابوية في الناحية القضائية على الأساقفة الشرقيين بما فيهم بطريرك القسطنطينية. أدى ضعف النائب الإمبراطوري في إيطاليا إلى ازدياد نفوذ البابوية المدني في بقيه أنحاء إيطاليا. وسّع جريجوري نفوذ البابوية إلى إفريقية وغاليا و أسبانيا وانجلترا، و عمل على نشر المذهب الكاثوليكي بين القوط الغربيين، و أرسل بعثة القديس أوغسطين إلى إنجلترا، مما أدى إلى انتشار المسيحية فيها و سيادة البابا على كنيستها. حظيت رغبات جريجوري العظيم بالتّرحيب من ملوك الفرنجة، و أصبح له كلمة مسموعة في جميع أنحاء غاليا، و طلب العون من الإمبراطورية البيزنطية عند الحاجة. ترك جريجوري لخلفائه بناء بابويا شامخا و نفوذا روحيا واسعا وسلطة زمنية قوية. أدت المكانة السامية التي أصبحت فيها البابوية إلى نوع من التنافس بينها و بين الإمبراطورية، مما أدى إلى الصدام أكثر من مرة في العصور الوسطى. بدأ الاحتكاك أول مرة بين الإمبراطور قنسطانز الثاني (٦٤١-٦٦٨م)، و البابا مارتن الأول (٦٤٩-٦٥٥م)، و استمرت العلاقات شبه متوترة بين الطرفين. كانت آخر محاولة جدية بذلتها الإمبراطورية البيزنطية لاسترداد نفوذها المفقود في إيطاليا هي الحملة التي أعدها ليو الثالث عام ۷۳۲م، ولكن الطبيعة أبت إلا أن تعاكس الإمبراطور، فهدّت زوبعة في البحر الأدرياتي الأسطول الإمبراطوري. اضطر الأباطرة الشرقيون بعد ذلك إلى ترك البابوات وشأنهم في إيطاليا، في حين لم يعد للنائب الإمبراطوري نفوذ يذكر. أصبحت ممتلكات البابوية أقوى وحدة مترابطة في إيطاليا، امتدت من البحر الأدرياتي ورافنا شرقا حتى روما غربا، في حين فشلت المملكة اللمباردية في محاولتها توحيد إيطاليا. اكتسبت البابوية سلطانا زمنيا إلى جانب سلطانها الروحي، و ظلت عقبة كأداء في سبيل الوحدة الإيطالية حتى القرن التاسع عشر.