فصل تمهيدي: نشأة القوانين وعوامل تطورها في المجتمعات القديمة يرجع الباحثون في تاريخ القانون نشأة القوانين إلى أربع مراحل، تراوحت خلالها ما بين الدينية والمدنية بل والمزج أحيانا ما بين الاثنين، وقد اعتمد أولئك الباحثون في تقسيمهم لتلك المراحل على مصادر القاعدة القانونية وأهمية كل مصدر بالنسبة لها وهذه المراحل هي: ويمكن القول إنها عرفت حقبتين متمايزتين هما 1. حقبة سيادة مبدأ القوة: وكانت القوة هي التي تنشئ الحق وهي التي تحميه أيضا. ولم يكن هناك قانون بالمعنى المعروف عندنا اليوم. وكان العقاب يتأسس على الانتقام الفردي واستخدام القوة، 2. حقبة الحل التوافقي او حقبة تقاليد الجماعات البدائية وقد أخذ هذا الحل صورا ثلاثا هي: الخلع أي الطرد من الجماعة والقصاص أي إنزال عقوبة على الجاني مماثلة للفعل الذي ارتكب على المجني عليه - وأخيرا الدية وهي عبارة عن تعويض مالي للمتضرر. وتنصب دراسة الحالة الاجتماعية للمجتمع على معرفة الجماعة التي يعيش فيها الإنسان. وعلى الرغم من إجماع العلماء على أن الإنسان الأول كان يعيش في جماعة، فإن الخلاف ما زال قائما حول نوع هذه الجماعة. وقد انقسم علماء الاجتماع حول نوع الجماعة إلى فرق ثلاث: الأولى: تذهب إلى أن نوع الجماعة هي الأسرة الأبوية، وأن هذه الأسرة تكون وحدة اجتماعية واقتصادية وسياسية قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها الثانية: تُرجع الجماعة إلى القبيلة التي تكون وحدة اجتماعية واقتصادية وسياسية مستقلة عن غيرها من القبائل. الثالثة: تنسب الإنسان إلى جماعة أكبر من الأسرة وأصغر من القبيلة، ويرتبطون فيما بينهم برباط خرافي هو أنهم جميعا ينتسبون إلى توتم، وهو ما يطلق عليه العشيرة التوتمية التي تكون وحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها. ويمكن تحليل الحالة الاقتصادية للمجتمع من خلال الإنسان الأول الذي اعتمد في حياته على جمع القوت والقنص، وظهرت العقيدة الدينية لدى الإنسان نتيجة عدة عوامل أهمها الخوف والدهشة والأمل لما يحيط به من ظواهر الكون، فتصور الإنسان البدائي أن في مقدوره إخضاع ظواهر الطبيعة لمشيئته وإرادته، وكان للظروف الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الأفكار الدينية - بلا شك - أثرها الهام في ظهور بعض النظم القانونية، ويتضح ذلك على النحو التالي: أولا: نظام الأسرة نلاحظ أن الزواج أخذ عدة صور أهمها زواج الخطف أو الأسر، زواج الشغار أي الشاغر من المهر، الزواج بالتراضي بين أقارب كلا الزوجين بجانب رضا الزوجين. واختلفت موانع الزواج باختلاف الجماعات، كما ظهرت لدى الجماعات بعض التقاليد الخاصة بآثار الزواج - في حين كان الإرث يتبع عمود النسب من جهة الأم نتيجة لغلبة نظام الأسر الأمية. ثانيا: نظام الملكية ثالثا: نظام الحكم غير أن حياة الترحال والانتقال أدت إلى عدم ظهور نظام الدولة في هذا العصر، لكن الكثرة الغالبة من هذه الجماعات وصلت إلى مرحلة المجتمع السياسي. رابعا: نظام العقوبات الثاني خارج الجماعة كان مبدأ التضامن يوجب على أفراد جماعة الجاني مظاهرته ومساعدته ويوجب على جماعة المجني عليه الانتقام من الجاني وجماعته. وفي أواخر هذا العصر بدأ حلول التصالح محل القوة وتعددت صوره داخل الجماعة وخارجها، تسليم الجاني، القصاص، الدية في حالة إذا ما اعترف المتهم بالفعل المنسوب إليه أما في حالة عدم اعترافه اعتمدت الجماعات البدائية على أدلة للإثبات تتفق مع عقليتهم ومع نظام الانتقام الفردي ومن أهم هذه الأدلة الاحتكام إلى المصادفة البحتة، حيث أن التقاليد التي استقرت لدى الجماعات البدائية لم يكن مصدرها تشريع صادر من السلطة العامة ولم تنتج عن اجتهادات فقهية أو قضائية، ولم تنتج أيضا عن الدين أو العرف، ثانيا: مرحلة الحكم الإلهي عمد إلى الاعتقاد في الأرواح لتفسير ما يحدث وسرعان ما تحولت تلك الأرواح إلى آلهة فأصبح لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة إله يعتقد الإنسان أنه يتحكم فيها، وهو من يصدر تعليماته بكيفية التعامل معها. وهي تعليمات أذعن الإنسان لها على اعتباها وحيا إلهيا. وكانت تلك التعليمات أو الأحكام تصدر عن أناس اعتبروا رجال دين أو كهنة وهم في الأساس أرباب أسر أو رؤساء عشائر أو قبائل أو حكام مدن. وهذه الأحكام تصدر للبت في الدعاوي المتفرقة كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وبسبب تعدد الشعائر الدينية وصعوبة فهمها من الإنسان العادي، وهذه في الدولة إلى انتقال الاختصاصات الدينية إلى رئيس الدولة، مما أدى إلى تناقص حالات اللجوء إلى الانتقام الفردي التي كانت سائدة وكثرت حالات اللجوء إلى رئيس الجماعة والاحتكام إليه فيما يقع من منازعات بين الأفراد. وكانت الأحكام التي تصدر عنهم تنسب إلى الآلهة، ومن أهم صفات هذا الحكم أنه خاص بالنزاع المعروض ولا يسري على أية قضية أخرى وإن كانت مشابهة للقضية التي صدر الحكم فيها. فإن صدر حكم في قضية مشابهة يختلف عن الحكم الأول فلا مجال للجدال في مشيئة الآلهة. أو ينقصها عنصر مهم وهو عنصر العموم ورغم أنها اكتسبت لاحقا عموميتها إلا أن عنصر الإلزام هو الآخر لم يكن يتأتى من خوف الناس من الجزاء الدنيوي المترتب على المخالفة، بل كان ناتجا عن الخوف من الآلهة وجزائها الأخروي. وتميز هذا العصر من الناحية الاقتصادية بالاعتماد على الزراعة وتربية الماشية كمورد أساسي للحياة، ومن الناحية القانونية ظهر نظام الدولة وحلت محل القبيلة في التنظيم السياسي، وحلت ملكية الأسرة الخاصة محل الملكية الجماعية واكتملت للقاعدة القانونية كل معالمها - وتطور المجتمع من عدة نواح أهمها التطور الاقتصادي، وأسباب الاحتكام إليهم والقواعد التي طبقها هؤلاء، والجزاء الذي يدعم تنفيذ ما يصدرونه من أحكام كما تعددت أسباب نسبة القانون للديانة والتي من أهمها سبب اجتماعي وآخر نفساني فترتب على ظهور القانون في أحضان الديانة عدة نتائج أهمها: الجزاء وسلطة الحاكم، وثبات القواعد القانونية، والسرية، وارتباط الحقوق والواجبات بقواعد الديانة التفرقة بين المواطنين والأجانب، والإثبات. وقيام الزواج على التراضي وطبع نظام الإرث والوصية بطابع معين في هذا العصر. سواء بالنسبة للعقارات أو المنقولات ما عدا ذات الطابع الشخصي. وتولي الملوك الاختصاصات التي كان يتولاها شيوخ القبائل واختلف الباحثون في شأن تكون الدول وحلولها محل القبائل. كذلك تميز نظام العقوبات في هذا العصر بعدة أوجه أهمها وجود جرائم عامة وجرائم خاصة واختلاف مركز الجاني والمجني عليه وظهور العقوبات المالية، كان القضاء من أهم اختصاصات الملك في هذا العصر، غير أن مستوى تنظيم القضاء يختلف من شعب لآخر وإن كان يخلو من القواعد الفنية والإجراءات الدقيقة في قضاء اليوم. سبق أن رأينا كيف تحولت الأحكام الإلهية بعد أن اكتسبت عموميتها، إلى قواعد تداولها الناس، وأصبحت عادات وتقاليد تحرص السلطة على احترامها، وقد عرفت بالعادات الدينية. وهكذا تحولت التقاليد الدينية إلى عادات وأعراف قانونية. إن حلول القواعد العرفية محل العادات الدينية لم يكن سلسا بل كان نتيجة لامتداد نفوذ سلطات الحكام المدنيين على حساب سلطات رجال الدين، وأدى إلى انفصال السلطة الزمنية عن السلطة الدينية. إذ في الشرق عمل الملوك على تقليص سلطة رجال الدين بعد صراع طويل استمر عدة قرون. بينما في الغرب، تم الانتقال إلى مرحلة التقاليد العرفية نتيجة انتقال السلطة من الملوك المؤلهين إلى أقلية أرستقراطية، ما لبث أن خضعت لمطالب العامة في المشاركة في الحكم، تميز تطور المجتمع - في هذا العصر - من عدة نواح أهمها: وكانت كل أنواع العلوم والمعرفة بما فيها القانون في أيدي رجال الدين فكان للدين أثر مهم في تطور بعض النظم السياسية والقانونية كذلك، كما ظهر صراع بين الكهنة والمدنيين حول مسائل عدة أهمها القانون والقضاء. كما كان التطور الاجتماعي ملحوظا في هذا العصر؛ وظهر نظام التسري، وتطورت الوصية تطورًا هاما. واتصف نظام المعاملات في هذا العصر بعدة صفات أهمها تعدد صور الملكية، وظهرت عدة عقود جديدة، حتى وان بزغ نجم الجريمة العامة على حساب الجريمة الخاصة، ونظمت درجات التقاضي، وإجراءاته. رابعا: مرحلة التدوين أو التقنين يقصد بالتدوين أو التقنين أن القواعد المنظمة للسلوك وتحديدا ما عرف بالتقاليد العرفية دونت في نصوص مكتوبة. ويعد تدوينها ثمرة من ثمار اكتشاف الإنسان للكتابة، فقد كان للتدوين أسباب عديدة أخرى منها تعدد القضاة الذي رافق اتساع رقعة الدولة وتعذر استمرار الشخص الواحد في أداء مهمة القضاء وحتمية أن يحكم القضاة بقوانين موحدة. كما أن حفظ القواعد القانونية من الضياع كان سببا لتدوينها خاصة وأنه قبل التدوين كان المجتمع يعتمد في حفظ القواعد القانونية على ذاكرة بعض الشيوخ والكهنة، وفوق كل ذلك كان التدوين استجابة لمطالب أفراد طبقة المحكومين العامة لمعرفة ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات وفق أحكام القانون وكانت هذه المطالبة نتيجة لانتشار الكتابة ولشعورهم بالرغبة في المساواة مع أفراد الطبقة الحاكمة، وقد تحقق التدوين نتيجة لمساع سلمية حينا أو رضوخا لإعمال القوة في بعض الأحيان، ويرجع انتشار هذه الظاهرة لعدة أسباب أهمها: - وحفظ القواعد القانونية من الضياع والتبديل - ونشر القانون. وقد تميزت المدونات القديمة بعدة ميزات أهمها: ومعظم المدونات اهتمت بصفة خاصة بإجراءات التقاضي ونظم القانون الجنائي م). واقتصرت على تقنين بعض الموضوعات التي اختلف الرأي حولها أو تحتاج إلى تعديل، ولم يحفظ التاريخ لنا النصوص الكاملة لهذه المدونة، ومع ذلك تظهر أهمية هذه المدونة بالنسبة لتاريخ القانون في مصر في أنها تعتبر خاتمة المطاف في تطور القانون المصري القديم وقد لاحظنا أن مدونة مانو قد صدرت في الهند، وتميزت تلك المدونة بعدة خصائص أهمها: المدونة وطريقة إصدارها وطبيعتها، وصيغت المدونة في أسلوب شعري يتكون من 2685 بيتا من الشعر، وتضمنت هذه المدونة بين دفتيها كل القواعد التي تهم البراهمي نسبة الى ابراهما خالق الكون في المعتقد الهندوسي في سلوكه في المجتمع -. مدونة دراكون التي صدرت في أثينا ببلاد الإغريق حوالي عام 621 ق. م في عهد حاكمها دراكون، وتميزت مدونة دراكون بعدة خصائص أهمها من حيث الشكل: بأنها مظهر من مظاهر الديمقراطية، بينما صدرت مدونة صولون حوالي عام 594 ق. م في مدينة أثينا على يد حاكمها صولون. تميزت هذه المدونة من حيث الشكل بصدورها في الثوب الديمقراطي، ومن حيث المضمون بأنها لم تشتمل على كل القواعد القانونية، وحماية الملكية الصغيرة -. م، واستهدفت نفس أغراض مدونتي دراكون وصولون، وتميزت هذه المدونة بعدة خصائص أهمها: من حيث الشكل: تعتبر مظهرا من مظاهر الديمقراطية، ومن حيث الصياغة تميزت بالإيجاز كما صيغت في أسلوب شعري، ومن حيث المضمون اتسمت أحكام المدونة بالشكلية والرسمية، كالزواج والطلاق والإرث والوصايا والسلطة الأبوية واختص اللوحان السادس والسابع بنظام الملكية وحقوق الارتفاق والألواح الباقية خصصت لنظم العقوبات وهي تتميز بشدتها وقسوتها. خصائص القوانين القديمة (شرقية وغربية)