لم يكن التمايز بين أهل الحديث وأهل الرأي "جليًا في عصر الصحابة" وكبار التابعين؛ فالجميع متفقون على تعظيم الحديث النبوي، والوقوف عند حدوده مع استعمال الرأي عند المقتضي؛ لذلك نجد من أئمة الصحابة كعمر بن الخطاب له من اشتهر بالوقوف عند حدود حديث رسول الله ﷺ إلا أن ذلك لم يمنعه من استعمال الرأي الذي يرى أنه يحقق مراد الشرع، ثم كان بعد ذلك التمايز، وبات لكل مدرسة منهما خصائصها التي تنفرد بها عن الأخرى: 1- مدرسة أهل الحديث ومركزها المدينة، وقد تميزت بشدة عنايتها بالأحاديث النبوية، واستنباط الأحكام منها، وإشارته وإيمائه، ولم تهمل علل الأحكام، وعند عدم وجود نص بعد الطلب والتحري، وهذه هي سمتها التي غلبت عليها حتى لقبت بـ: (مدرسة أهل الحديث). أبرزهم عبد الله بن عمر (ت: ۷۳ هـ)، والزهري (ت: ١٢٤هـ)، وغيرهما، - مدرسة أهل الرأي ومركزها الكوفة، وافتراض المسائل والنوازل التي لم تقع، ومحاولة البحث عن حكم لها ، ذلك الضرب من الفقه الذي عرف فيما بعد بالفقه الافتراضي أو التقديري، وغلب ذلك عليهم حتى نسبوا إلى الرأي واشتهروا به. وبذرة هذه المدرسة يمكن أن تعود إلى طائفة من الصحابة ، ثم توسعت على أيدي تلامذة هذه المدرسة، كـن إبراهيم النخعي ت: ٩٦هـ)، وحماد بن أبي سليمان (تـ: ۱۲۰هـ ) وغيرهما، وتلتقي هاتان المدرستان عند نقطة تعظيم الشرع، وصيانة حرمة النص، قدر ما تستطيع، وفي حدود ما بلغها من العلم، لذا فإن التحقيق الذي لا شك فيه : أنه ما من إمام منهم إلا وقد قال بالرأي،