١) الثقافة الفلسفية تلقي في الروع أن مشكلة الحُرية فضفاضة، إنها تبدو منذرة بالتشتت والضياع، فالحُرية هي المقولة الوحيدة التي تتداخل في شتى كليات وجزئيات التجربة الإنسانية وسائر جوانب عالمه المُعاش وأيضًا عقله الفعال، ومن ثم يمكن جعلها مضافًا لأي مضاف إليه شئنا: الميتافيزيقا، العلم، الشخصية … وكما يقول المستشرق روزنتال: «الحُرية عبر التاريخ استطاعت أن تعتق نفسها من إطار قيود التعريفات، وأن تتطور إلى واحد من المصطلحات المجردة القوية التي ليس لها وجود خارجي إلا ما يعطيه لها العقل الإنساني، وفي الوقت الذي خرجت فيه الحُرية عن أن تخضع لأي تعريف موضوعي أصبحت موضوع تعريفات متعددة، وغني عن القول أنها أصبحت أيضًا موضوع أدبيات واسعة».وشاع القول إن الحُرية مشكلة تائهة، أوراق اعتمادها ضائعة، فأية حرية من ألف ألف حرية، تلك التي لا نجفل من أن نطلقها هكذا غير موسومة ولا مقترنة بفيلسوف أو مدرسة أو حتى اتجاه، هل هي حرية الإنسان أم الطبقة أم الأمة؟ حرية الأرض والوطن، أم حرية المواطن مقابل الإرهاب والقهر والفقر؟ حرية العقل مقابل الجهل، أم الذات بإزاء الموضوع، أم الفرد بإزاء المجتمع …؟ثم، أوَليست تعني الحُرية إمكانيةَ الانطلاقات التجديدية أمام الفنان مقابل خضوعِه للأنماط والمعايير، وماذا عن حرية العالم في خلق الفروض، أم اجتماعية شخصية، أم فكرية أكاديمية، أم أن الحُريةَ كما رآها الشاعر الألماني شيلر «مشكلة أو فكرة أستطيقية جمالية»؟٢ ودع عنك الحُرية الدينية فهل الإنسان مسير أو مخير؟ ثم الحُرية الدينية الوضعية بمعنى هل هو مجبرٌ على التزام الدين المتوارث، أم حر في اختيار ما يُقنعه من أديان؟ بل هو حر في اتباع ملة من ملل الدين الواحد المتعددة. هل هي حرية الفعل أم القبول وإبداء الرأي والتعبير عنه نظريًّا وعمليًّا — أي العيش بمقتضاه، مقابل الخضوع لرأي الآخرين في تحديد الاختيارات المستقبلية؟ وماذا بشأن الحريات الجزئية ذات النطاق المحدود: حرية العمل والتنقل والإقامة والتصرف في الأموال … إلخ.كل هذه الحريات وغيرها تشكِّل في مجموعها الصورة الكلية لمقولة الحُرية التي تعني كل هذا وأكثر، والحصر الدقيق لأبعادها ليس من شأنه أن ينتهي، ويزيد من التباس الأمر أن «كل واحد منا يخوض معركة الحُرية في مجال معين، ومن الطبيعي أن يضخِّم أهمية مفهوم الحُرية الذي يوافق ذلك المجال. كل نظرة أحادية للحرية تضعف خطوط تحقيقها وتسهل النقد على أعدائها الصرحاء أو المقنعين.»٣ فتتفاقم هلامية الحُرية.وتبدو المشكلة فضفاضةً حتى أمام أعاظم العقول المعنية بنظريات الحُرية وتاريخها، فأمامنا على سبيل المثال أشعيا برلين وهو من أرصن الفلاسفة المعاصرين الذين اهتمُّوا بمشكلة الحُرية اهتمامًا جادًّا شاملًا، كما يوضح كتابه الثري «أربع مقالات في الحُرية»، ثم كتاب «فكرة الحُرية» الذي صدر على شرف برلين لمجموعة من الباحثين كمناقشةٍ لكتابه المذكور، في هذين الكتابين — وفي سواهما — نجد الحُرية تعني كل هذا وأكثر، فلا غرو أن يأتينا برلين بكل منهجية وشمولية نظرته وأيضًا جذريتها ليعلن في نبرة اليائس أنه: «لن يناقش أكثر من مائتي تعريفٍ للحرية.»٤هكذا بدت الصورة الفلسفية العامة لمشكلة الحُرية عند برلين وعند سواه، في الفكر العربي نجد مثلًا المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي يعلن في كتابه «من الحريات إلى التحرر» الذي يبحث مناحيَ شتى من قضايا الحُرية، أن الحلَّ الوحيد لهذا المأزق هو الحديث عن حريات لا عن حرية.وليس يجدي المدخل العلمي في تحديد مقولة الحُرية المطروحة للبحث، ففي مقال لا يتجاوز خمسًا وثلاثين صفحة، يُناقش الدكتور فؤاد زكريا علاقة العلم بكل هذا الحريات وغيرها.•••٢أ) «فهل يُجدي التحليل الإيتمولوجي؟»٦ في اللغة الإنجليزية يحمل معنى الحُرية لفظان Freedom, Liberty تسري عليهما عادة القواميس بشأن المترادفات: تشرح الأولى بالثانية حتى إذا عُدنا إلى الثانية وجدناها مشروحة بالأولى (هذه ملاحظة عامة طريفة، وردت على ما أذكر في مسرحية تنيسي وليامز «صيف ودخان» التي قرأتها منذ سنوات عديدة خلت).المُهم أن اللفظتين يمكن تعريفهما لغويًّا بالمادة نفسها التي تشير إلى وضع اجتماعي يُفيد منزلةً رفيعةً وسجايا كريمة وأساسه الانعتاق من العبودية والأسر والسجن والجزية … وأيضًا إلى غياب القهر والقسر والإجبار والإرغام في الفعل أو الاختيار أو القرار، ولا تكاد تتميز Freedom إلا بذلك المدلول الذي اكتسبتْه مؤخرًا بالتحديد عام ١٨٧٩ وهو مدلول فيزيائي يعني القابلية للحركة.والخلاصة أنهما لغويًّا متساويان، وليس ثمة خطأٌ منكور في استعمالهما كمترادفين، واحتذاء منتهى الدقة الفيلولوجية لن يفعل أكثر من إضفاء قوة أو فعالية أكثر على الحُرية التي يدل عليها لفظ Liberty.لذلك فالعرف الشائع في الاستعمال قد يعطي Liberty انطباعًا عينيًّا كسبيًّا ملموسًا، بمعنى أنه يدل أكثر على الحريات الوضعية كالحُرية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية … في حين أن Freedom أكثر ارتباطًا بالحُرية في مفهومها الأساسي المطلق. بينما Freedom حرية، والأصل اللاتيني للفظة Liberty معروف، إنه الاسم Liberty (حرية، أو تحرُّر كما اتفقنا) المشتق من الصفة حر: Liber، أما لفظة Freedom فيبدو أن أصولها ترتدُّ إلى اللغة الجرمانية العتيقة «البروتو-جيرمانيك Proto-Germanic» ومنها إلى اللغة الجرمانية في لهجتها الغربية، ثم إلى اللغة الأنجلو ساكسونية Anglo-Saxonic، وبالتالي إلى اللغة الإنجليزية القديمة، ومنها إلى اللغة الإنجليزية الحديثة.ذلك أن لفظة الحُرية في الألمانية قرينة اللفظية الإنجليزية Freedom المشتقة من الصفة حر Free، إنها Freiheit المشتقة من الصفة Frei ومشتق منها أيضًا Befreiung «تحرر»، ولا تستعمل الألمانية الأصل اللاتيني Liber، اللهم إلا للدلالة على الليبرالية Liberalismus وهذه بالطبع مجرد اصطلاح ترمينولوجي٩ مجلوب من صانعيه وليست لفظة أنبتها لسان الأمة إيتمولوجيًّا، حين أخذت هذه في الاعتبار رجحت الحكم بأن لفظة Freedom ذات أصل جرماني، أي أنها مأخوذة من اللغة الجرمانية القديمة، وهي شيء مختلف عن اللاتينية وإن كانت قد أثرت فيها،ونأتي للفرنسية لنجدَها أكثرَ ولاءً لأصلها اللاتيني حيث إن حرية: Liberty، وتحرر: Liberation ولا قرائن ﻟ Freiheit, Freedom.٢ب) «أما في اللغة العربية»: فيمكن التمييز بين معنيين لكلمة «حر» الأول إشاري والثاني دلالي، في المعنى الإشاري وهو الأساس: الحر ضد العبد، وضد الأمَة نجد الكريمة العقيلة، وعليه الحر (بالضم) من الذهب أو النحاس أو غيره هو ما خَلَصَ من الاختلاط بغيره،١٠ ورملة حرة رملة لا طين فيها، أما دلاليًّا فكلمة حر كما شاع استخدامها تعني السيد الشريف الكريم وكل ما هو أصيل ونبيل، الحر من الناس أخيارهم وأفاضلهم.وحرية العرب أشرافهم، ويقال هو من حرية القوم أي من خالصهم والحر في كل شيء أعتقه، وفرس حر فرس عتيق بمعنى أصيل، وناقة حرة ناقة كريمة، وحر البقل والفاكهة خيارها، وحر كل أرض وسطها وأطيبها، وحر الدار وسطها وخيرها والجمع حرائر، والحر الفعل الحسن، ويقال ما هذا منك بحُر: أيْ ليس بحسن ولا جميل، وسحابة حرة أي غزيرة المطر،١١ وكلام حر أي بالغ الفصاحة … وهكذا. ولم تكن هذه الظاهرة قاصرةً على العرب، بل شائعةً في كل مكان وتطوَّرَت بشكل مستقل تحت تأثير مؤسسة العبودية.وقد لاحظناها بشأن اللفظ اللاتيني، فهو الآخَر يُفيد الخلوص من الرقي وأيضًا الكرم والأصالة «وأوضح نيتشه في أصول الأخلاق أنها موجودةٌ في أوليات جميع اللغات الآرية».١٣ الأول خلقي: وهو معنى اللفظة الدلالي أي الأصل الكريم … وكان معروفًا في الجاهلية وحافظ عليه الأدب، الثاني قانوني: وهو معنى اللفظة الإشاري أي ضد العبد وهو المستعمل في القرآن الكريم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (النساء: ٩٢) ونَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا (آل عمران: ٣٥)، وأيضًا في كتب الفقه، فقد كانت مشكلته الأساسية الفرد حر التصرف، وتناولها في أبواب معروفة تعالج مسائل الرق والحِجر وكفالة المرأة والطفل، والفقه يربط الحُرية بالمروءة، فلا تكتمل إنسانية الفرد إلا إذا شُرِّف بالتكاليف، ويسجل الفقه وضعيةَ المرأة الدونية كأمر واقع، ولكنه يسجِّل أيضًا أن حالة العبد والمرأة تجلب نقصانًا في العقل أي في المروءة؛ لذلك يخفض مسئولية من لحقت به تلك الحالة، نلاحظ في كل الأحوال ترابطًا بين الحُرية والعقل وبين التكليف والمروءة.١٤ أما المعنى الثالث فاجتماعي استعمله بعض متأخِّري المؤرخين: الحر هو المعفي من الضريبة، والرابع صوفي كما يرد في تعريفات الجرجاني: «الحُرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رقِّ الكائنات وقطع جميع الخلائق والأغيار فهي تحرر من الشهوات وفناء إرادة العبد في إرادة الحق»، أكان ذلك الغير فردًا آخر يتحكم فيه من الخارج، أو قوةً طبيعية تستعبده من الداخل.١٥وحين نأخذ في الاعتبار أن المعنى اللغوي أكد الخلوص من الاختلاط بالغير (ذهب حر، رملة حرة …) نستنبط أن الحُرية تعني الخلوص والأصل الأصيل الذي لا شبهة فيه، فلا مشاحنة في تطويعها ترمينولوجيًّا لتعني فلسفيًّا الفعل الأصيل في صدوره عن الذات أي الخالص من جبر أو قسر؛ أي من خضوع لقهر أو غلبة أو سيادة، تفسد صدور فعله عن ذاته، ومن ثم يمكن الزعم بمشروعية المصطلح.والحق أن هذه المشروعية نقطة تسجل لحس العرب الإنساني والحضاري، خصوصًا وأنه يفوح من معنى «حر» عندهم، كل ما يؤكد النزوع الإنساني السامي لاعتبار الحُرية جماعًا لقدس الأقداس الإنسانية،وكلمة الطبيعة في اللغات الإغريقية واللاتينية، لها معنيان، المعنى الأول يشير إلى مجموع الأشياء المفترض أنها موجودة، ولكنها، أي Nature لها مغزى أو معنى آخر هو الأصل والأكثر دقة، حين لا تشير إلى مجموع بل إلى مبدأ أو مصدر «وكانت عند فلاسفة القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد بالذات تعني الحقيقة Reality والأصل Origin».١٦ فنقول مثلًا إن طبيعة الرماد أن يكون مرنًا، ومن طبيعة البلوط أن يكون صلدًا، وهذا المصدر لسلوكه يكون شيئًا داخل نفسه، وإذا كان خارجها فإن السلوكَ الناجمَ عنه ليس طبيعيًّا، بل يعود إلى القسر، وذو طاقة يكون المشي السريع طبيعيًّا بالنسبة له، أما إذا مشى سريعًا لأن كلبًا يُطارده فإن المشي السريع لا يعود إلى طبيعته بل إلى القسر الإجباري.١٧من هذا الالتقاء بين سيمانطيقية لغات شتى، نستخلص أن القسر والجبر تشويه لطبيعة الإنسان، وبالتالي فإن الحتمية على جملتها تشويهٌ لطبيعة الإنسان، إذن التحليل اللغوي يجعلنا نهدأ بالًا أكثر وأكثر بمبدأ اللاحتمية الذي رأينا العلم المعاصر يلوذ به.ولكن لنلاحظ أننا كنا ندور حول الصفة حر دون المصدر حرية؛ أما المصدر «حرية» فمحاق بكثير من الغموض، إنه كمعظم المصادر ليس واردًا في أمهات المعاجم اللغوية، ولا في القرآن الكريم. بعض الباحثين يرجحون أن المتصوفة هم الذين اشتقوا المصدر حرية، غير أن تاريخ المصدر ليس واضحًا على الإطلاق، وما زال الدليلُ ينقصنا حول ما إذا كان شائعًا في استعمال عرب ما قبل الإسلام «خصوصًا وأن كلمة الحُرية ككل الصيغ المجردة التي تنتهي بياء النسبية لم تكن شاعرية؛ لذلك تجنب الشعراء استعمالها»، ومما يؤيد هذا الترجيح وجود جذر مماثل «ح ر ر» يعني كون الشيء حارًّا. وقد حاول بعض المفكِّرين القدامى والمعاصرين الربط بين «حر» والجذر الذي يعني السخونة ولكن هذه المحاولات غير مُقنعة.١٩وقصارى ما نستطيعه بصدد اللفظ «حرية» أنه ربما يكون قد استعمل منذ فترة مبكرة للتعبير عن المصطلح القانوني المقابل للرق، وليس مستبعدًا أن تكون الكلمة قد استخدمت على نطاق واسع عندما اتصل المسلمون بالتفكير الفلسفي لعالم البحر المتوسط الذي كان قد عرف النقاش حول الحُرية لقرون طويلة خلت،٢٠ على أن أقدم تعريفاتِ الحُرية في الشرق الإسلامي لم تصدر عن دوائر إسلامية ولم يعبر عنها باللغة العربية، إنها ترد في الأعمال السريانية حول التعريفات المنسوبة إلى ميخائيل أوبازود، وقد وضعت حوالي عام ٨٠٠م،» وهذا التعريف يمثل نتائج المناقشات اللاهوتية التي دارت حول «حرية» في أوساط الكنيسة الشرقية، ولقرون طويلة خلت كان المفكرون الدينيون الشرقيون يواجهون هذه المشكلة التي اعتبروها بحقٍّ حجر الزاوية للإنسان الأخلاقي.٢١وبهذا تكون المناقشة اللغوية التاريخية قد انتقلت بنا تلقائيًّا إلى قلب المشكلة الفلسفية مؤكدةً أواصر القربى والصلات الوثقى بين هذا البحث المعاصر جدًّا وبين التراث القابع في أعماق التاريخ، وقبل أن ننتقل مرة أخرى إلى البحث الفلسفي نلاحظ أن التحليلات اللغوية قد انتهت إلى ما ينبغي أن تنتهيَ إليه: إلى تحصيل الحاصل، وهو ما عبرت عنه بالحكم بمشروعية المصطلح.فلن تعني الحُرية — وبشيءٍ من التطويع — أكثرَ من الفعل الأصيل في صدوره من الذات، وهذا ينطبق على كل الأوجه المذكورة من الحُرية «فقرة ١» وسواها ولا يستبعد شيئًا، وإذا خرجنا من الإطار اللغوي إلى قلب مضمون الفكر الإسلامي، أي لو لجأنا إلى المفكرين والفلاسفة العرب في طرحهم للسؤال ما هي الحُرية؟ لوجدناه لديهم ما زال موضوعًا لعمومية مطلقة لا تتخلص من هلاميتها، وإن كان أشد التصاقًا بالأساس الوجودي المطلق وأبعد عن العينيات الجزئية؛ فهو طرح لا يسأل عما تعنيه الحُرية بالنسبة لهذا الفرد أو لهذه الطبقة، بل ما هي الحُرية بالنسبة للإنسان كإنسان، يلتقي هنا الفلاسفة العرب المعاصرون بفلاسفة الماضي، وفلاسفة اليوم يرون المشكل في إطار علاقة الذات باللاذات، يتصورون الذات عقلًا أو نفسًا أو جوهرًا أو مطلقًا، ثم يتصوَّرون اللاذات مادةً أو جسمًا أو طبيعة مخلوقة، فيتصورون أن الحُرية قدرةٌ أو استطاعة أو كسب، قد يولدون الذات من اللاذات أو العكس لكنهم يتفقون جميعًا في نظرتهم إلى الحُرية كمفهومٍ مجردٍ يطبق على مثل معين، ويستعملون أساليب متباينة من صور شعرية إلى معقولات مجردة، لكنهم ينظرون دائمًا إلى الحُرية كمطلق.٢٢إننا بهذا اقتربنا بعض الشيء مما نريده، لكن ما زالت المشكلة قائمة كيف يمكن تحديد مقولة الحُرية في إطار هذا البحث.•••٣) «لنبذل محاولة أخيرة مع التعريف الفلسفي للحرية»: وهو يُخبرنا بأن الحُرية بوجه عام حال الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة ويفعل طبقًا لطبيعته وإرادته، وتصدق على الكائنات الحية جميعها من نبات وحيوان وإنسان؛٢٣ لذلك فالحُرية تشير بصفةٍ ابتدائية إلى ظرف يحققه غياب الإجبار أو القسر كشرط ضروري، فنقول إن الإنسان حر على قدر ما يستطيع أن يختار بين البدائل المتاحة له، وعلى قدر ما لا يكون مجبرًا على التصرُّف تصرُّفًا لم يختره هو نفسه أو يمنع من الاختيار أو من التصرف حسبما اختار، وليس مفروضًا عليه شيءٌ بلا إمكانية أخرى،٢٤ هكذا «تظهر فكرة الاختيار على اعتبار أن الحُرية إن هي إلا المقدرة على فعل شيء أو الامتناع عن فعله»،٢٥ الاختيار هو الذي يحدد، وهو كما عرفه التوحيدي في المقابسات: إرادة تقدمتها رويَّة مع تمييز، بينما الفاعل الحر هو من يصدر منه الفعل مع الإرادة للفعل وعلى سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد،٢٦ وتصبح الحُرية هي تلك الملكة التي تميِّز الكائن الناطق من حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أية إرادة أخرى غريبة عنه.٢٧ والمقصود بحرية التنفيذ: تلك المقدرة على العمل أو الامتناع عن العمل دون الخضوع لأي ضغط خارجي. نحن هنا بإزاء حرية طبيعية أو فيزيائية تعبر عن تلقائية الكائن الناطق واستقلاله الذاتي، الحُرية بهذا المعنى عبارة عن القدرة على المبادأة والمبادرة INITIATIVE، مع انعدام كل قَسْرٍ خارجي،٢٨ حرية التنفيذ هي حرية الفعل وملكتها الإرادة، وحرية التصميم هي حرية القرار وملكتها الاختيار، الأولى تطبيق للثانية، والثانية مقدمة شرطية للأولى، بعبارة أخرى هما وجهان لعملة واحدة، هكذا تدخل مفاهيم الحُرية والإرادة والاختيار في وحدةٍ عضوية.على أن إمكانية الاختيار بين بلدين على الأقل هي الشرط الأساسي الذي تدور معه الحُرية وجودًا وعدمًا، ليس فقط بمعنى أنه قادر على فعل ما اختار أن يفعله، ولكنه أيضًا حر بمعنى أنه ليس مجبرًا على اختيار ما اختاره بواسطة علل خارجة عن نطاق تحكُّمه،٢٩ فالحُرية أساسًا — كما يقول إريك فروم — فرصة متاحة للفعل أكثر من أن تكون هي الفعل نفسه.٣٠والخلاصة أن الحُرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة بينها، وهذا التعريف الجامع المانع للحرية صحيح ونحن نقبله، بل ونعتمده كأساس الحديث المقبل عن الحُرية، بيد أنه ينطبق على كل وجوه الحُرية المذكورة آنفًا وعلى سواها ولا يستبعد شيئًا منها، ويوضح أكثر من كل سبق أن الحُرية مقولة فضفاضة، وما زال السؤال مُلحًّا: كيف يمكن تحديد مشكلة الحُرية التي تشغلنا في هذا الكتاب؟•••٤) «الإجابة»: مطروحة ضمنًا فيما سبق وصراحة في مقدمة الكتاب، فقد تبيَّنا فصلًا تامًّا بين مستويين لمقولة الحُرية الإنسانية،ذلك أنه لا بد من الفصل بين حرية الإنسان بوصفه كائنًا في هذا الكون أو الوجود ذي البنية أو الطبيعة المعينة منذ بدايته وحتى نهايته، «الحُرية في المستوى الأول» وبين حرية الإنسان بوصفه كائنًا في جماعة أو مجتمع ما يخضع لتحويلات ومتغيرات لا حصر لها عبر تاريخه «الحُرية في المستوى الثاني».الحُرية من المستوى الأول حرية الإنسان بوصفه موجودًا في هذا الوجود يمكن أن نسميها: الحُرية الأنطولوجية؛ لأنها تعتمد على طبيعة هذا الوجود وطبيعة أحداثه التي تشكل أفعال الإنسان بعضًا منها، فهل سياقُها يستلزم أو على الأقل يسمح للإنسانِ بأن يمارس اختيارًا؟ وبالتالي يتضمن وضع الإنسان في هذا الوجود حرية حين يكون ثمة بديلٌ للحدث بمعنى أنه يمكن ألَّا يحدثَ أو أن يحدث سواه، أو أن يحدثَ على نحو آخر،مشكلة الحُرية بهذا المنظور إما أن تكون ميثولوجية، كأن تتدخل قوى أسطورية كالمويرا لتنفي حرية الإنسان وتلزمه بمصير محتوم مهما فعل وبتصرفات معينة لا محيص له عنها، وإما أن تكون ثيولوجية دينية حين يتعارض العلم المسبق لله، وقدراته تعالى أو مشيئته الشاملة مع إمكانية الاختيار أمام العبد، وإما أن تكون ميتافيزيقية حين تضطلع الفلسفة برسم صورة لوجود حتمي، تنتفي فيه أية حرية إنسانية، كتلك التي رسمها الرواقيون وسبينوزا، ثم أصبحت علمية حين تكفل العلم الحديث برسم هذه الصورة الحتمية للعالم، إنها نفس أطوار «كونت» التي مرَّت بها الحتمية: ثيولوجية ثم ميتافيزيقية ثم علمية، ذلك أن مشكلة هذه الحُرية — أي الحُرية في مستواها الأول — لا تأتي إلا من الحتمية التي تنفيها.وكما يقول برلين كل صور الحتمية ترتدُّ في النهاية إلى نموذج أو خطة أو مثال أو أفكار، كائنة في العقل الإلهي أو في العقل الكوني، كأهداف أو ككليات تحقق نفسها كعقليات ميتافيزيقية أو كتبريرات ثيولوجية آتية من عالم آخر، ليس فقط معرفة كيف أو لماذا يوجد هذا العالم ولكن أيضًا، ولماذا لم يوجد أي عالم غيره على وجه الإطلاق، وكان الحل مطروحًا في حدود قيم، إما مطمورة في الوقائع ذاتها وإما هي محتمة من علو أو عمق متعال، كلها نظريات هي صور للحتمية، أم في النهاية علمية ميكانيكية، فإن الخاصة المشتركة بينها جميعًا هي أن حرية الفرد في الاختيار وَهْمٌ قائم على الجهل بالحقائق الذي يفترض أن ثمة مساحة معينة من حياة الإنسان لا تحدِّدها قوانين تعبِّر عنها تعميمات العلم، تقدم المعرفة سيجعل مساحات جديدة من الخبرة محكومة بقوانين تُمكِّننا من الاستدلال المنهجي والتنبؤ، وكلما عرفنا أكثر ضاقَت مساحةُ حرية الإنسان وبالتالي مسئوليته،٣١ حتى تتلاشى تمامًا في النهاية حين يصل التقدُّم العلمي إلى الدرجة المنشودة.أما الحُرية في المستوى الثاني، فهي تأتي من طبيعة أو بنية الجماعة المعينة التي ينتمي إليها الفردُ الباحثُ عن الحُرية فقد لا تسمح بها، ولكن بالتغيير والتطوير يمكن أن تسمح بها، فهذه هي الحُرية التي تستلزم جهاد الأبطال وتضحيات الرواد وأحيانًا استبسالهم واستشهادهم، لذلك إذا كانت الحُرية في المستوى الأول لها صورة واحدة هي الحُرية الأنطولوجية وعائق وحيد هو الحتمية، فإن الحُرية في المستوى الثاني لها صورٌ شتَّى وعوائق شتَّى، حسب منظور الاهتمام الفكري والعلمي إنها حريات بعدية عينية تعدُّدية نسبية تطورية جزئية، كالحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية والدينية والفنية والعلمية والفكرية والأكاديمية … إلخ.الحُرية في مستواها الأول — الحُرية الأنطولوجية — في حدِّ ذاتها بغض النظر عن نتائج التنظير لها ليست خاضعة لأية متغيرات ولا درجات ولا جهود، فإما أنها كائنة وإما أنها غير كائنة، هي وضع أو بالأصح حيثية من حيثيات الوضع الذي وجد الإنسانُ نفسه فيه يمكنه فقط أن يعيَه أو يدركه، إنها تساؤل يُجيب عنه العقل بشتى إمكانياته؛أما الحُرية في المستوى الثاني فكسبٌ يُحرزه الإنسان، ونتيجة تُسفر عنها جهود الدعاة وكفاح المصلحين، لذلك فالأولى مطلقة لا يمكن أن تكون نسبية، أما الحُرية في المستوى الثاني فهي نسبية لا يمكن أن تكون مطلقة ولا تتحقَّق إلا بدرجات متفاوتة، الحُرية في المستوى الأول يندرج تحتها كل ما يسمى بميتافيزيقياتِ الحُرية وتجريداتها وكلياتها، والمعبر الرسمي والشرعي، بل والأوحد عنها، نظرية اللاحتمية، أما الحُرية في المستوى الثاني فيندرج تحتها كل ما يُسمَّى بوضعيات الحُرية وتمثيلاتها، المعبِّرون عنها كثيرون، وإن كان أشهرهم النظرية الليبرالية المعبرة عن الحُرية السياسية والاقتصادية، وبشيء من التجاوز نقول وأيضًا الحُرية الاجتماعية والشخصية، وإذا أخذنا بالتقسيم الشهير للحرية إلى حرية سالبة تعني مجرد انتفاء عوائق الحُرية، وحرية موجبة تعني تعيين مجال محدد يمارس فيه حريته لقلنا إن الحُرية من المستوى الأول سالبة «انتفاء الحتمية» والحُرية من المستوى الثاني موجبة، وأخيرًا إذا رُمنا دقة المصطلح لقلنا إن المستوى الأول حرية Freedom، والمستوى الثاني تحرُّر Liberty، وقد تُوجد حرية بغير أن يتحرَّر بها الإنسان، لأن كل تلك الحريات العينية الجزئية البعدية كائنة بالطبع في هذا الكون، ولو كانت كل أحداثه محتمةً سلفًا في تسلسل عِلِّي بدءً ببدء هذا الكون، يجعل كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل أن يحدث سواه، فما جدوى اكتساب الحُرية السياسية مثلًا أو عدم اكتسابها طالما أن وقائع التاريخ ككل أحداث هذا الوجود محتومة؟ وما جدوى تحمُّل مسئولية الحُرية الشخصية أو عدم تحمُّلها طالما أن عوامل الوراثة والبيئة قد حتمت سلفًا ردود أفعال معينة وبالتالي قرارات وتصرفات معينة، بل وطالما أن مسار حياتي قطرة من طوفان الأحداث الكونية السائرة في المسار المحتوم وهلم جرًّا …على هذا لا بد من إثبات الحُرية الأنطولوجية، بعبارة أخرى، الوعي بها وإدراكها قبل أي محاولة للبحث عن حريات عينية على المستوى الثاني، حيثية من حيثيات الوجود الإنساني، تساؤل يثيرُه مجرد وجود الإنسان في هذا الوجود؛ لذلك فهي في واقع الأمر تلك المشكلة الفلسفية العريقة التي انشغل بها الفلاسفة منذ ديموقريطس وحتى الآن، أما الحُرية في المستوى الثاني فلم تظهر كمشكلة حادة تتطلب النظر والتنظير فضلًا عن العمل إلا مع الفلسفة الحديثة؛ كنتيجةٍ للتطوُّر التاريخي الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والذي فجَّرته عوامل شتى على رأسها تقدُّم العلم وبَدْء فعالية قواه التكنولوجية.كانت الحضارات الشرقية القديمة، كما يزعم هيجل، تسلم بالحُرية العينية لرجل واحد هو الحاكم أو الأب والعبودية لكل من سواه، وحين أتَت الحضارة الإغريقية كان تضرُّرها من الطغيان، لا سيما بعد اتصالها أو قهرها عسكريًّا على الأقل للحضارة الفارسية ورؤيتها لنظام الملكية المطلق فيها وفي مقابل نظام المساواة الغريب في أسبرطة،٣٢ وعلى الرغم من هذا وأيضًا من أن الحُرية السياسية بمعنى استقلال الدولة، دولة المدينة بالنظر إلى الخارج والديمقراطية في داخلها كانت شعارًا مرفوعًا استخدمه على الدوام كُتاب التاريخ منذ أواخر القرن الخامس عشر ق. فكانت الحُرية كل الحُرية للمواطن الأثيني والعبودية للنساء والرقيق والأجانب، ولم تتغيَّر الأحوال الاجتماعية كثيرًا في العصور الوسطى، وحتى أفولها لم يلح على الأذهان تساؤل حاد بشأن الحُرية في مستواها الثاني. وحين انتهت العصور الوسطى وتخلَّقت البيئة الحضارية للعصر الحديث — عصر العلم الحديث والفلسفة الحديثة — ألقى العلم على كاهل الوجود كل تلك الحتمية التي رأيناها، فهدَّد بل خنق الحُرية الأنطولوجية حتى اعتراها الذبول وشحوب الموت، وفي الوقت نفسه تكاتفت العوامل الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية لتترعرع حريات المستوى الثاني كائنًا غضًّا يافعًا جذابًا يستأثر بالاهتمام، ولكنه بغير أساسه، كائن ينمو مجتث الجذور بالوجود أو الواقع الأنطولوجي،