وعن ابن عباس رضي الله عنهما; قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد"زائرات: جمع زائرة، والزيارة هنا معناها: الخروج إلى المقابر وهي أنواع: منها ما هو سنة،ومنها ما هو بدعة،ومنها ما هو شرك، وهي زيارتهم لدعاء الأموات والاستنجاد بهم والاستغاثة ونحو ذلك، وزائر: اسم فاعل يصدق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور" ٢ بتشديد الواو، وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة أي كثرة الزيارة.وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: لهذا الحديث.القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد عن أصحابه; ولم يعزم علينا" ١.القول الثالث: أنها تجوز زيارة النساء للقبور; لحديث المرأة التي مر النبي صلى الله عليه وسلم بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: "اتقي الله واصبري فقالت له: إليك عني; فإنك لم تصب بمثل مصيبتي فانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل لها: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت إليه تعتذر; فلم يقبل عذرها، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر. ولما ثبت في "صحيح مسلم٣" من حديث عائشة الطويل، وأن جبريل أتاه في الليل وأمره، ثم أخبرها الخبر;عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين . "إلخ. قالوا: فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز. لقوله صلى الله عليه وسلم" كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة "١ وهذا عام للرجال والنساء. فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنه أمر بها بعد ذلك٢. وهذا دليل على أنه منسوخ. ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، فمن ذلك: لأنها لا تقبل إلا بشرطين: والجمع هنا سهل وليس بمتعذر; لأنه يمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها" للرجال، والعلماء اختلفوا فيما إذا خوطب الرجال بحكم: هل يدخل فيه النساء أو لا؟ وإذا قلنا بالدخول - وهو الصحيح -; فإن دخولهن في هذا الخطاب من باب دخول أفراد العام في العموم، وعلى هذا يجوز أن يخصص بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، وهنا نقول: قد خص النبي صلى الله عليه وسلم النساء من هذا الحكم، لأن النساء أخرجن بالتخصيص من هذا العموم بلعن الزائرات، وأيضا مما يبطل النسخ قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١ ومن المعلوم أن قوله: "والمتخذين عليها المساجد والسرج" لا أحد يدعي أنه منسوخ;٢. العلم بالتأريخ، وهنا لم نعلم التأريخ; والنهي دون اللعن.وأيضا; ولعن زائرات القبور خطاب للنساء فلا يمكن حمل خطاب الرجال على خطاب النساء، إذا; فالحديث لا يصح فيه دعوى النسخ. أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعا، لكنها أصيبت، ولهذا أمرها صلى الله عليه وسلم أن تصبر; لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، فالحديث ليس صريحا بأنها خرجت للزيارة، فلا يمكن أن يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح.وأما حديث عائشة; فإنها قالت للرسول صلى الله عليه وسلم "ماذا أقول؟ فقال: قولي: السلام عليكم" ٢ فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل; وإذا كان ليس صريحا; فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها رضي الله عنهما; فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور; لكنا ننظر بماذا ستجيبه. فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة رضي الله عنها استدلت بلفظ العموم; فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه روي عنها; لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة رضي الله عنها، إذ ليس فيها دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نسخه، وإذا فهمت هي;فيه مسائل:الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.الجواب: هذا ممكن، لكننا إذا حملناه على ذلك; فإننا أضعنا دلالة المطلق "زائرات" .والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل; ف "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيرا، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} ١، إذ الباب لا يفتح إلا مرة واحدة، فهي مثلها.فالراجح تحريم زيارة النساء للمقابر وأنها من كبائر الذنوب.فيه مسائل:الأولى: تفسير الأوثان: وهي: كل ما عبد من دون الله، سواء كان صنما أو قبرا أو غيره.الثانية: تفسير العبادة: وهي: التذلل والخضوع للمعبود خوفا ورجاء ومحبة وتعظيما; لقوله: "لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٣.الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف من وقوعه: وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله: تؤخذ من قوله: "اشتد غضب الله" . وفيه: إثبات الغضب من الله حقيقة، لكنه كغيره من صفات الأفعال التي نعرف معناها ولا نعرف كيفيتها. فعكفوا على قبره" . أي: للحجاج; لأنه معطم عندهم;الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية: وهو أنه كان يلت السويق.العاشرة: لعنه من أسرجها.العاشرة: لعنه من أسرجها: وذلك في قوله: "والمتخذين عليها المساجد والسرج" . وهنا مسألة مهمة لم تذكر، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله،مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، ولا مانع فيه. والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة;———————-اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١.قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢ أي: جعلوها مساجد; إما بالبناء عليها، فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد،وهنا نسأل: هل استجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل قبره وثنا يعبد أم اقتضت حكمته غير ذلك؟الجواب: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له; بل إنه حمي بثلاثة جدران; فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنا يعبد من دون الله، ولم يسمع في التاريخ أنه جعل وثنا.صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنا، فيكون قد اتخذه وثنا،باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك والمراد به: محمد صلى الله عليه وسلم والاصطفاء على درجات أعلاها اصطفاء أولي العزم من الرسل، ثم اصطفاء الرسل، ثم اصطفاء الشهداء،قوله: "حماية" : من حمى الشيء، إذا جعل له مانعا يمنع من يقرب حوله، ومنه حماية الأرض عن الرعي فيها،قوله: "جناب" : بمعنى جانب، والتوحيد: تفعيل من الوحدة، وهو إفراد الله تعالى بما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. ولكنه سد كل طريق يوصل إلى الشرك; لأن الشرك أعظم الذنوب،قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك الأصغر لا يغفره الله; لعموم قوله: "أن يشرك به" ، وعلى هذا; فجميع الذنوب دونه لقوله: وَيَغْفِرُ مَا .وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ١ الآية.دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ؛ فيشمل كبائر الذنوب وصغائرها; فالشرك ليس بالأمر الهين الذي يتهاون به، فالشرك يفسد القلب والقصد، وإذا فسد القصد فسد العمل; إذ العمل مبناه على القصد، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ٢، فالرسول صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد حماية محكمة، والشيطان يزين للإنسان أعمال السوء شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية.قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، وهي مؤكدة لجميع مدخولها بأنه رسول، وأنه من أنفسهم، وأنه عزيز عليه ما يشق علينا،والخطاب في قوله: "جاءكم" قيل: للعرب; فالرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} ٤ ويحتمل أن يكون عاما للأمة كلها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس من العرب والعجم. ولكن يقال في الجواب: إنه خوطب العرب بهذا; لأن منة الله عليهم به أعظم من غيرهم، حيث كان منهم، وفي هذا تشريف لهم بلا ريب.والاحتمال الثاني أولى; للعموم، ولقوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} ٢ ولما كان المراد العرب، قال: "منهم" لا "من أنفسهم" ، فإذا جاءت "من أنفسهم" ; فالمراد: عموم الأمة، وإذا جاءت "منهم" ; فالمراد: العرب; فعلى الاحتمال الثاني لا إشكال في الآية.قوله: "رسول" : أي: من الله كما قال تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً} ٥ وفعول هنا بمعنى مفعل;و "من أنفسكم" : سبق الكلام فيها.قوله: "عزيز" : أي: صعب; ولهذا بعث بالحنيفية السمحة، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا من التيسير الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "ما عنتم" : "ما" : مصدرية، أي: عنتكم; لأن العنت بمعنى المشقة،والفعل بعد "ما" يؤول إلى مصدر مرفوع، صار المصدر المؤول فاعلا به; أي: عزيز عليه عنتكم، وإن قلنا: عزيز خبر مقدم; صار عنتكم مبتدأ، والجملة حينئذ تكون كلها صفة لرسول، أو يقال: عزيز مبتدأ، وعنتكم فاعل سد مسد الخبر على رأي الكوفيين الذي أشار إليه ابن مالك في قوله: وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد. والمعنى: باذل غاية جهده في مصلحتكم; فهو جامع بين أمرين: دفع المكروه الذي أفاده قوله: {} وحصول المحبوب الذي أفاده قوله: "حريص عليكم" ; فكان النبي صلى الله عليه وسلم جامعا بين هذين الوصفين،قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} "بالمؤمنين" : جار ومجرور خبر مقدم، وتقديم الخبر يفيد الحصر. والرأفة: أشد الرحمة وأرقها. والرحمة: رقة بالقلب تتضمن الحنو على المرحوم والعطف عليه بجلب الخير له ودفع الضرر عنه.وقولنا: رقة في القلب هذا باعتبار المخلوق، أما بالنسبة لله تعالى; فلا نفسرها بهذا التفسير; ورحمة الله .أعظم من رحمة المخلوق لا تدانيها رحمة المخلوق ولا تماثلها; حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" ١. فإذا كان يوم القيامة رحم الخلق بتسع وتسعين رحمة بالإضافة إلى الرحمة الأولى، لا تدانيها، والقدر المشترك بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق أنها صفة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ورحمة الخالق غير مخلوقة; لأنها من صفاته، ورحمة المخلوق مخلوقة; لأنها من صفاته; فصفات الخالق لا يمكن أن تنفصل عنه إلى مخلوق لأننا لو قلنا بذلك لقلنا بحلول صفات الخالق بالمخلوق، وهذا أمر لا يمكن; لكن صفات الخالق لها آثار تظهر في المخلوق، بل هو شديد عليهم كما وصفه الله هو وأصحابه بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ٢. ولهذا لم يخاطبوا به; فلم يقل: فإن توليتم. والبلاغيون يسمونه التفاتا، ولو قيل: إنه انتقال;قوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل ذلك معتمدا على الله، متوكلا عليه، وارتباط الجواب بالشرط واضح، أي: فإن أعرضوا; بل قل بلسانك وقلبك: حسبي الله، و "" خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر ويجوز العكس بأن نجعل: "مبتدأ ولفظ الجلالة خبراً، لكن لما كانت حسب نكرة لا تتعرف بالإضافة; كان الأولى أن نجعلها هي الخبر. وقدم للحصر. والتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب النافعة.وقوله: "عليه توكلت" مع قوله: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ٢ فيها جمع بين توحيدي الربوبية والعبودية، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} ٤.و "رب العرش" ; أي: خالقه، تشريف للعرش وتعظيم له. فإنه لا أحد يغلبه، فهو جدير بأن يتوكل عليه وحده. ثم فسروا الكرسي بالعلم، وحينئذ لا يكون هناك كرسي ولا عرش، وهذا التفسير باطل، والعرش أعظم وأعظم، وبأنه كريم في قوله: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} ٤ لأنه أعظم المخلوقات التي بلغنا علمها وأعلاها لأن الله استوى عليه. وفيه دليل على أن كلمة العظيم يوصف بها المخلوق; وكذلك الرحيم، والرءوف، والحكيم.ولا يلزم من اتفاق الاسمين اتفاق المسميين، فإذا كان الإنسان رءوفا; فلا تقل: إذا كان الإنسان سميعا بصيرا عليما لزم أن يكون مثل الخالق; لأن الله سميع بصير عليم، فإن أسماءه كذلك لا يستلزم أن تكون كأسماء الخلق، وهناك فرق عظيم بين هذا وهذا.وقوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي: كافيني، وهكذا يجب أن يعلن المؤمن اعتماده على ربه، لأنه قال: "فإن تولوا" .الشدائد، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ١.تنبيه) : في سياقنا للآية الثانية فوائد نسأل الله أن ينفع بها.قوله: "لا تجعلوا" : الجملة هنا نهي; وهو مقر الإنسان وسكنه، سواء كان من طين أو حجارة أو خيمة أو غير ذلك، وغالب ما يراد به الطين والحجارة.قوله: "قبورا" : مفعول ثان لتجعلوا، فمنهم من قال: لا تجعلوها قبورا; أي: لا تدفنوا فيها، وهذا لا شك أنه ظاهر اللفظ، ولكن أورد على ذلك دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته.١- ما روي عن أبي بكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من نبي يموت إلا دفن حيث قبض" ٢ وهذا ضعفه بعض العلماء.وقال بعض العلماء: المراد ب "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" ; أي: المقبرة لا تصلون فيها، وأيدوا هذا التفسير بأنه سبقها جملة في بعض الطرق: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورا" ١ وهذا يدل على أن المراد: لا تدعوا الصلاة فيها. فلا يجوز أن يدفن الإنسان في بيته، بل يدفن مع المسلمين; لأن هذه هي العادة المتبعة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، ولأنه إذا دفن في بيته; فربما يعظم هذا المكان، ولأنه يحرم من دعوات المسلمين الذين يدعون بالمغفرة لأموات المسلمين عند زيارتهم للمقابر، ولأنه يضيق على الورثة من بعده فيسأمون منه، وإذا باعوه لا يساوي إلا شيئا قليلا، ولأنه قد يحدث عنده من الصخب واللعب واللغو والأفعال المحرمة ما يتنافى مع مقصود الشارع;وأما أن المعنى: لا تجعلوها قبورا; أي: مثل القبور في عدم الصلاة فيها; وفيه أيضا: أنه من المتقرر عندهم أن المقبرة لا يصلى فيها.إذن; فيكون هذا النهي عن ترك الصلاة في البيوت لئلا تشبه المقابر; فيكون فيه دليل واضح على أن المقابر ليست محلا للصلاة، وهذا هوالشاهد من الحديث للباب; لأن اتخاذ المقابر مساجد سبب قريب جدا للشرك.واتخاذها مساجد سبق أن له مرتبتين:الأولى: أن يبني عليها مسجدا.والحديث يدل على أن الأفضل: أن المرء يجعل من صلاته في بيته وذلك جميع النوافل; لقوله صلى الله عليه وسلم "أفضل صلاة المرء في بيته; إلا المكتوبة" ١ إلا ما ورد الشرع أن يفعل في المسجد، مثل: صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كنت في المدينة النبوية; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو في المدينة، وتكون المضاعفة بالنسبة للفرائض أو النوافل التي تسن لها الجماعة.قوله: "عيدا" : العيد: اسم لما يعتاد فعله، أو التردد إليه، فهذا يسمى عيدا لأنه جعله يعود ويتكرر.وكذلك من العيد: أن تعتاد شيئا فتتردد إليه، مثل: ما يفعل بعض الجهلة في شهر رجب وهو ما يسمى بالزيارة الرجبية، حيث يذهبون من مكة إلى المدينة، ولما جاءت السيارات صاروا يذهبون على السيارات.وأيهما المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الأول; أي العمل الذي يتكرر وصلوا علي ; وإنما يزار لسبب، كما لو قدم الإنسان من سفر، فذهب إلى قبره فزاره، أو زاره ليتذكر الآخرة كغيره من القبور.وما يفعله بعض الناس في المدينة كلما صلى الفجر ذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أجل السلام عليه، فيعتاد هذا كل فجر، فإن تسليمهم يبلغه.قوله: "وصلوا علي" : هذا أمر، أي: قولوا: اللهم صل على محمد، ومنه أن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا٢. والصلاة من الله على رسوله ليس معناها كما قال بعض أهل العلم: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء. بل إن صلاة الله على المرء ثناؤه عليه في الملأ الأعلى،فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات١.واختلفوا: هل يجوز أن تقول: فلان صلى الله عليه؟ فمن صلى على محمد صلى الله عليه وسلم مرة أثنى الله عليه في الملأ الأعلى عشر مرات،قوله: "فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" : حيث: ظرف مبني على الضم في محل نصب، ويقال فيها: حيث، وحوث، وحاث،كيف تبلغه الصلاة عليه؟الجواب: نقول: إذا جاء مثل هذا النص وهو من أمور الغيب; فالواجب أن يقال: الكيف مجهول لا نعلم بأي وسيلة تبلغه، لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام" ٢ فإن صح;قوله: "رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات" : هذا التعبير من الناحية الاصطلاحية، ظاهره أن بينهما اختلافا، ولكننا نعرف أن الحسن: هو أن يكون الراوي خفيف الضبط; فمعناه أن فيه نوعا من الثقة،أن المراد بالثقة ليست غاية الثقة; لأنه لو بلغ إلى حد الثقة الغاية لكان صحيحا; فإذا خف الضبط خفت الثقة، كما إذا خفت العدالة أيضا تخف الثقة فيه. فيجمع بينهما على أن المراد: مطلق الثقة، ولكنه لا شك فيما أرى أنه إذا أعقب قوله: "حسن" بقوله: "رواته ثقات" أنه أعلى مما لو اقتصر على لفظ: "حسن" . ومثل هذا ما يعبر به ابن حجر في "تقريب التهذيب" بقوله: "صدوق يهم" ، وأحيانا يقول: "صدوق" ، فيكون توثيق الرجل الموصوف بأنّه صدوق أشد من توثيق الرجل الذي يوصف بأنه يهم. لا يقول قائل: إن كلمة يهم لا تزيده ضعفا; فنقول: هذا لا يصح; لأن قولهم: (يهم) لا يعنون به الوهم الذي لا يخلو منه أحد، يسمى بزين العابدين، وكونه يظن أن الدعاء عند القبر له مزية فتح باب ووسيلة إلى الشرك، بل جميع العبادات إذا كانت عند القبر; فلا يجوز أن يعتقد أن لها مزية، سواء كانت صلاة أو فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي; فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم"دعاء أو قراءة، لأن الظاهر أنه كان عند أصحابه يحدثهم، و "ألا" : أداة عرض; وفائدتها: تنبيه المخاطب إلى ما يريد أن يحدثه به. وجده: علي بن أبي طالب.قوله: "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" : السند متصل،قوله: "لا تتخذوا قبري عيدا" : يقال فيه كما في الحديث السابق: أنه نهى أن يتخذ قبره عيدا يعتاد ويتكرر إليه; لأنه وسيلة إلى الشرك.قوله: "وصلوا علي; وأشك في صحته; لأن قوله: "صلوا علي" يقتضي أن يقال: فإن صلاتكم تبلغني; إلا أن يقال هذا من باب الطي والنشر. فإن تسليمكم وصلاتكم تبلغني، وكأنه ذكر الفعلين والعلتين،لكن حذف من الأولى ما دلت عليه الثانية، والمراد: صلوا علي في أي مكان كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلموا علي وتصلوا علي عنده. والمختارة: اسم للكتاب; وما أقل الحديث في الحنابلة، يعني المحدثين، وهذا من أغرب ما يكون، فصاروا محدثين وفقهاء، فإذا أخذ من هذا العلم صار ذلك زحاما للعلم الآخر، أما الأحناف; فإنهم أخذوا بالفقه، لكن قلت بضاعتهم في الحديث، والشافعية أكثر الناس عناية بالحديث والتفسير، ثم الحنابلة وسط،———————-فيه مسائل:الأولى: تفسير آية "براءة" .الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص مع أن زيارته من أفضل الأعمال.الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.فيه مسائل:الأولى: تفسير آية براءة.الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص: تؤخذ من قوله: "ولا تجعلوا قبري عيدا" ; فقوله: "عيدا" هذا هو الوجه المخصوص.وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال من جنسها; فزيارته فيها سلام عليه، وحقه صلى الله عليه وسلم أعظم من غيره.وأما من حيث التذكير بالآخرة;· الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة: تؤخذ من قوله: "لا تجعلوا قبري عيدا" ، لأنه قد لا يأتي إلا بعد سنة، ويكون قد اتخذه عيدا;السادسة: حثه على النافلة في البيت.السابعة: أنه مقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد; فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.التاسعة: كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.السادسة: حثه على النافلة في البيت: تؤخذ من قوله: "ولا تجعلوا بيوتكم قبورا" ، وهذا ظاهر الجملة.والثاني: الذي هو من لازم المعنى أن لا تترك الصلاة فيها.السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة: تؤخذ من قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" ;