\غير أن هذه الروح الاتحادية في الإمارات خفَّت منذ غياب الجيل المؤسس للدولة وظهور قيادات منغمسة في المصالح الشخصية ومتجهة إلى نماذج تنموية محلية مشوَّهة عمادها التوسع العقاري والمضاربات في الأسواق. ومع هذا التوجه الجديد تراجعت مساهمة إمارة أبو ظبي في الميزانية الاتحادية إلى 3 بالمئة من ناتجها، بينما تراجعت مساهمة إمارة دبي إلى أقل من 1 بالمئة من ناتجها‏[39]. ومع هذا التراجع في دور الإمارات الغنية في الموازنة الاتحادية، وقد يكون من أهم الانعكاسات السلبية لهذا التفاوت في الدخل بين الإمارات إضافة إلى التفاوت في نوعية الخدمات، فبينما يبلغ معدل البطالة في الدولة ككل نحو 14 بالمئة بحسب البيانات المتوافرة، فإن هذه النسبة تصل إلى أكثر من 20 بالمئة في بعض الإمارات الشمالية كالفجيرة ورأس الخيمة‏[41]. وفي بداية آب/أغسطس عام 2015 قررت حكومة الإمارات رفع الدعم عن وقود السيارات الذي كانت تكلفته السنوية بحسب صندوق النقد الدولي تصل إلى 7 مليارات دولار‏[42]. إلا أننا نعتقد أن كفاءة هذه الضرائب وعدالتها تتطلب أن تكون هناك شفافية تامة في الموازنات المحلية والاتحادية، بينما غيرها يهدر الثروة في وجوه ما أنزل الله بها من سلطان، 4 – الهدر والفساد وما يعنيه هذا المفهوم من تساوي أبناء المجتمع في الحقوق والواجبات، وضرورة عدم التمييز بينهم إلا على أساس الجدارة والإخلاص، وبخاصة مع وجود فوائض نفطية فلكية‏[44]. فاليوم وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على تأسيس هذه الدول، لا تزال الأسَر الحاكمة تقتطع مبالغ من الموارد العامة، وهو ما يمكن تسميته «مؤشر النهب»، أو 17. أو 50. 4 بالمئة من قيمة الصادرات النفطية في قطر‏[45]. حتى ولو تضارب هذا الولاء مع ما تحتِّمه مصلحة الوطن‏[46]. والمظهر الثالث لهذا الفساد هو التداخل غير المقدس بين القطاع العام والقطاع الخاص، فهي توزع المشروعات على الموالين من رجال الأعمال، بل إن نسبة كبيرة من رجال السياسة أصبحوا رجال أعمال، بينما خريجو الجامعات ينتظرون سنوات للحصول على وظائفهم. لذلك ليس مستغرباً أن يظل القطاع الخاص طفيلياً وغير منتج، وكانت الأسر الحاكمة تعتمد على طبقة التجار وغيرهم من أبناء المجتمع، وإنما هو نتيجة ضغوط الدول الكبرى ورغبة سماسرة السلاح المحليين بتعظيم نصيبهم من الريع النفطي. فأحدث البيانات تشير إلى أنه من بين أكثر عشر دول في العالم من حيث الإنفاق العسكري للفرد الواحد خلال الفترة 2000 – 2011، والسعودية‏[48]. ومدى ما حققته أو أخفقت في تحقيقه. وإذا كان لهذا التكتّم على البيانات أسباب تاريخية في السابق، والمتعلقة بإخفاق هذه الحكومات في توطين الوظائف، كما تشير إلى ذلك النسب المتزايدة للبطالة ولا سيَّما بين خريجي الجامعات‏[49]. 5 – تآكل الأرصدة الأجنبية وبخاصة في ظل نضوب النفط في المناطق الأخرى من العالم، وحتى في ظل الاكتشافات من النفط غير التقليدي بأشكاله الذي يمثل في اعتقادنا ظاهرة وقتية لن يزيد عمرها على 25 عاماً على أكثر تقدير بسبب إشكالات المخزون والبيئة والتقنية التي يثيرها هذا النوع من النفط‏[51]. كما أن الفوائض النفطية المتراكمة هي نتيجة المدخل التنموي القطري الذي سلكته هذه الدول وغيرها من الدول النفطية، فلو أن هذه الفوائض استُثمرت في إطار رؤية تنموية عربية شاملة لكان عائدها كبيراً، سواء كان ذلك في الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية بين البلدان العربية، وفي ظل تحويل الثروة النفطية الناضبة إلى أصول مالية، تم توجيه هذه الأصول إلى أسواق المال الغربية، وظلت هذه الاستثمارات كذلك مثاراً للشكوك والتخوف من جانب الأوساط الغربية لاعتبارات سياسية وأمنية، الأمر الذي جعلها عرضة لجميع السياسات، وقد تعرضت هذه الاستثمارات الورقية عبر السنوات الماضية لكثير من الخسائر، فبحسب بعض المصادر، فإن جهاز أبوظبي للاستثمار الذي يعتبر أكبر صندوق سيادي في العالم من حيث حجم الأصول، قد خسر نحو 40 بالمئة من أصوله خلال الأزمة المالية لعام 2008‏[53]. وحتى المبالغ الزهيدة التي استثمرتها هذه الصناديق السيادية في بعض البلدان العربية كانت نسبة 50 بالمئة منها في العقارات والسياحة، ولم تتجه إلى مشروعات التنمية الفعلية‏[54]. البحرين 9 مليارات، وعمان 8 مليارات، 6 – النموذج السنغافوري والنماذج الخليجية من غير أدنى تدبُّر للفوارق بين هذين النموذجين سواء في الآليات أو النتائج، ولا تخضع لأي نوع من المساءلة، أي أن النماذج الخليجية هي تعبير عن رؤى ومصالح القيادات السياسية وحدها‏[57]. ثانياً، يقوم النموذج السنغافوري على اقتصاد معرفي يعتمد على المهارات ذات الإنتاجية العالية، التي تم استثمارها في مشروعات طويلة المدى، وساعدت على قيام صناعات متنوعة؛ إذ ارتفع متوسط دخل الفرد في سنغافورة من نحو 400 دولار أمريكي عام 1959 إلى نحو 56286 دولاراً عام 2014، بينما ظل دخل الفرد في البلدان الخليجية متذبذباً مع التغيرات في أسعار النفط وإيراداته‏[58]. أي أن التنمية السنغافورية تمت بتعليم المواطنين وتدريبهم على إنزال النموذج التنموي على أرض الواقع بالممارسة، 8 بالمئة، بينما النماذج الخليجية هي أقرب إلى المشروعات الخدمية ذات الإنتاجية المنخفضة، التي يتم تنفيذها بأيدٍ أجنبية ذات مهارات منخفضة. لذلك استطاعت سنغافورة أن تحدث تحولاً ملموساً في نصيب الصادرات الصناعية والعمالة في القطاع الصناعي، إذ ارتفع نصيب الصادرات الصناعية فيها من 16. 6 بالمئة من الناتج المحلي عام 1960 إلى 27. 6 بالمئة عام 1992، 5 بالمئة من العمالة، وهي أغلبها عبارة عن إعادة تصدير، وقد يكون هذا التحول الهيكلي في النموذج السنغافوري هو الذي حال دون تأثر سنغافورة بالأزمة المالية الأخيرة مقارنة بالإمارات‏[59]. رابعاً، منذ انفصال سنغافورة عن ماليزيا واستقلالها عام 1965، 3 بالمئة. أما المقيمون فمنهم 3. 53 مليون مقيمون إقامة دائمة. هذا يعني أن المواطنين وحدهم يمثلون نحو 62 بالمئة من إجمالي سكان سنغافورة، كما أن حجمهم المطلق يزيد على إجمالي عدد المقيمين بصورة دائمة وغير المقيمين‏[60]. أي أن سنغافورة نجحت في تنويع هيكلها الإنتاجي بأيدٍ سنغافورية ولم تُحدث خلـلاً سكانياً، بينما أخفقت الحكومات الخليجية في كل هذه الأمور. مقارنة بالنماذج الخليجية كما أثبتت الأزمة المالية الأخيرة‏[61]. ليؤكدوا لشعبهم نيتهم الالتزام بالنظافة والأمانة في سلوكهم العام والخاص، ورفع الغرامة القصوى للإدانة بالفساد من 10 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار عام 1989، وعدم التردد في محاكمة كل مسؤول، بما في ذلك بعض أعضاء الحزب والوزراء، حتى لا يكون هناك أحد فوق القانون‏[62]. لذلك ليس مستغرباً أن تكون سنغافورة اليوم في صدارة دول العالم في عدد من مؤشرات التنمية؛ فبحسب أحد تقارير BBC تعد سنغافورة من بين أقل دول العالم فساداً؛ وهي من بين أقل دول العالم في معدل الجريمة، وأكثر دول العالم سهولة في تأسيس الأعمال؛