بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في عام 1971 م ترك أستاذنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان وصية، الثاني 1391ه الموافق 10 حزيران 1971 م، وتحملاً مني لهذه الرسالة ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك وقارئيه، وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكريّة، وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، 18 ربيع الأول 1399ه كنا في الطبعة السابقة قد التزمنا الطبعة الثانية، فيلسوفنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - حينما حضر إلى لبنان في حزيران/ ثم بدا لي من بعد ذلك أن أضيف إلى فصول الكتاب فصلاً جديدًا تمامًا على الذي أفاض في شرحه بن نبي، فقد سلمني - رحمه اللّٰه - عام 1971 م حين زيارته إلى طرابلس البيان الذي كان قد وجهه عام 1959م إلى مؤتمر الكتاب الإفريقيين السود في روما - وهو يمثل الفصل الأخير من هذا الكتاب - وبين لإفريقيين انعقد عام 1969م. وبالفرنسية عنوانا (ما ضد الثقافة)، فصل الأخير من هذا الكتاب عنوانًا (الثقافة والتاريخ). وإذ اشتمل هذا المقال على ما يتمم فكرة الأستاذ بن نبي عن مشكلة تنفيذاً لوصية المؤلف في تبليغ أفكاره إلى قراء العربية. وكتاب (مشكلة الثقافة) في أساسه قد فرّقت بين فصوله صدىً لما كان قد كتبه مالك بن نبي وأصدره بالعربية في (شروط النهضة) و(فكرة الإفريقية الآسيوية). ففي المعادي في القاهرة كان يسكن بن نبي عام 1959م، الطلاب يرتادون مجلسه بين الحين والحين، مفهوم الثقافة فيما كتب في (شروط النهضة) و(فكرة الإفريقية وظل في حديثه يوما بعد يوم يدلف من خلال مفهوم الثقافة عبر ولقد زكّى مبادرته ما كان قد حمل إليه أحد الطلاب السوريين الأمريكييْن (وليام أوجبرن ورالف لنتون) ثم ما كان قد وقع في يده من كتاب (دور الأفكار التقدمية) للماركسي (كونستانتينوف)، كمثله من منشورات الفكر الماركسي. وفي ظل امتداد (الأفكار التقدمية) عام 1959م، أهمية الحديث عن المفاهيم والمصطلحات التي كونت الفكر الجامعي في القاهرة وسواها من مدن العالم العربي. فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة، تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي، أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي. لذا شعر أستاذنا بن نبي بالحاجة إلى جمع أفكاره حول الثقافة وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات، ووفق المعطيات النابعة من تجربته. وإذا كان كتاب (مشكلة الثقافة) قد ابتدأ فيض التجربة، اقتضته التطورات والأيام من توضيح وبيان، دفتيه البداية والنهاية معا، بواكير إنتاجه الفكري عام 1947م في (شروط النهضة)، بالفرنسية مع نظراته فيها عام 1969م، رحمه اللّٰه وأجزل ثوابه جزاء ما قدم من خير، طرابلس لبنان 27 شباط 1980 المتطلع إلى العودة بالمجتمع الإسلامي بسم اللّٰه الرحمن الرحيم إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت بالقاهرة منذ اثنتي عشرة - قد تناول القضية من زاوية جديدة، وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد. بينما كان المؤلف مضطراً أن يقف موقف الباحث عن سبب أو التي وجدت فلسفتها في تلك الكلمة القتّالة (عليك بخاصة نفسك) التي رددتها أجيال مسلمة عبر قرون عصر ما بعد الموحدين. إذن كانت فعلاً الأفكار التي تعرضها هذه الدراسة غريبة، أولاً: لأنها لم تتوخ منهج الدراسات الغربية في الموضوع لأسباب منهجية قدمها المؤلف في الصفحات التالية. وثانيًا: لأن الأفكار المعروضة هنا ليست في جوهرها إلا امتدادًا أحد فصول كتابه (شروط النهضة)، تمتاز بالنسبة إلى الأولى بفصل جديد (الأزمة الثقافية)، الضروري إضافته حتى أطلع القارئ العربي على أغوار أخرى للقضية. إنني عندما أراجع نفسي بوصفي مؤلفا، على قاعدة (العالم بخير) أي إنه يكفي إبراز الجوانب الإيجابية للقضية ولكن الأيام تكمل التجربة وتتم الخبرة، الطبعة الأولى بينت لي أن الأمر ليس على هذا الجانب من اليسر، الدلالة على الخير - وإن كانت من الخير - لا تكفي لتحقيقه في الميدان إن الفصل الذي عقدته في هذه الطبعة ل (الأزمة الثقافية)، قصدت به أن أضع بعض معالم الإنذار على بعض تلك المطبات، تجعل سير المجتمع سيرا مستحيلاً، بيروت 16 ربيع الثاني 1391ه جرى العرف إذا ما أريد الحديث عن الثقافة أن تقتصر مشكلتها في ذهن القارئ على قضية الأفكار. والحق أن المشكلة هي كذلك في جانب من جوانبها؛ لا تضم في مفهومها الأفكار فحسب، ذلك المجتمع من ناحية أخرى. ومع ذلك فإذا لم يكن من دافع يدفعنا إلى هذه الدراسة سوى التي يعيشها العالم الإسلامي والبلاد العربية. وسيكون هذا المسوغ في الواقع صادقاً في نظرتين، كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الاتجاه نفسه. تكون في مجموعها جزءا هاما من أدوات التطور في مجتمع معين، أن مختلف مراحل تطوره هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره ومثالنا على ذلك أننا نرى في أيامنا هذه مجتمعات معاصرة تطبق حلولاً مختلفة بصدد مشكلة بسيطة هي مشكلة الذباب، لا ينشأ عن سبب فني في المشكلة، تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب، ولكن لو أننا رأينا في مجال معين أثر الأفكار في مقاومة الحشرات، فقد نرى في مجال آخر أثرها الناقل للمرض؛ الأجسام الحية قد تتناقل بعض الأمراض بواسطة العدوى، منذ (باستور) و(كوخ) عرفنا أن الجراثيم هي العوامل التي تنقل هذه ونحن نرى أن هناك شكلاً آخر من أشكال العدوى، ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل، طبيعة المشكلة ذاتها أن نقرر أن هناك أيضًا أنواعًا من الجراثيم الناقلة كيان المجتمعات أو تعوق نموها. وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، وهنالك فضلاً عن ذلك جانب آخر لأهمية الأفكار في العالم الحديث: ففي القرن التاسع عشر كانت العلاقات بين الأمم والشعوب تخلفها ذاتها قد نصبت في طريقها ضربًا من الغرام السقيم بمقاييس فالرجل الذي يعيش في بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه بالنسبة إلى الرجل الذي يعيش في بلد متقدم، أن الذي يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، والمسلم بسبب عقدة تخلفه يرد هذه المسافة إلى نطاق (الأشياء)، أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه متمثل في نقص ما لديه من مدافع وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية، ينبغي أن يرد المسلم تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى (الأشياء)، فإن تطور العالم الجديد دائمًا يتركز على المقاييس الفكرية. ولننظر كيف يفكر في هذا الصدد ممثلان من ممثلي (القوة)، أعني: رجلين يملك بلداهما أكبر قدر من الأشياء، ففي المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي الذي انعقد في موسكو أراد خروشوف أن يفحم خصومه فقال: «إن النجاح الاقتصادي هو أقوم مقياس لسلامة الأفكار) فها نحن أولاء نرى فاعلية الأفكار في إطار اقتصادي قومي، أما في المجال الدولي فإن لدينا حكمًا أصدره رجل آخر يمثل أيضًا عنصر القوة في المعسكر الغربي، الأمريكي تحليلاً هاما للوضع العالمي الراهن، ما ذهب إليه: أن هناك توازنًا في القوى بين كلا الجانبين، يضطر كليهما إلى الكف عن الاعتداد بالأسلحة، فالعالم قد دخل إذن في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار، العربية والإسلامية أن تولي أكبر قدر من اهتمامها لمشكلة أفكارها، وخاصة تلك البلاد التي لا تملك كثيراً من أدوات القوة المادية. وربما وجد القارئ جوانب أخرى لم يكن يتوقعها في هذه الدراسة التي لا تمس السياسة من قريب أو بعيد، الثقافة نوعيتها التاريخية والاجتماعية في حدود الزمان والمكان، ثقافة بحكم هذه النوعية وجودها الخاص الذي يرسم حدودها على النظرية بالمشكلات السياسية التي تثير اهتمام العالم عامة، فإذا ما أخذنا مثلاً موقف البلاد التي اتبعت في سياستها الدولية روح مؤتمر باندونج المتمثلة في (الحياد الإيجابي)، أن هذه البلاد ينبغي أن تفكر في اقتصادها طبقاً لهذه الخطة السلوكية، بل أن تفكر في سياستها أيضا بذلك الروح. ولكن أليس من الطبيعي أن تتجه البلاد إلى أن تفكر في ثقافتها ومع ذلك فربما كان هذا السؤال عاريًا من المنطق أو خياليًا لو أنه كان متعارضا - في النظرة الأولى - مع العناصر الذاتية في المشكلة. ولكن الوضع الاجتماعي في البلاد الإفريقية الآسيوية - ومن بينها البلاد العربية الإسلامية - يحتوي في مرحلة تطورها الراهنة كثيرا من فمشكلة الثقافة في البلاد العربية والإسلامية تتصل في الحقيقة بعد موضوعها الرئيسي الذي يحمل عنوانًا (تحليل نفسي للثقافة)، أن أضيف بعض الأفكار التي نشرت من قبل في دراسات أخرى، فتجمع هنا تحت عنوان (تركيب نفسي للثقافة) وتحت عنوان (تعايش