فكيف يستقيم الجمعُ بين الخيال من ناحية وبين العلم والتّقنية من ناحية أخرى؟ وبأي معنى يكون مفهوم الخيال أساس الفهم العقلانيّ لإنشائيّة الفنّ الموسيقيّ عند الفارابي؟ ويرى أنّ هذا الرّأي عوامّيٌّ لا يليق بصاحب العلم الأخذُ به. والسّبب في هذا الظنّ هو ما يُعتقـَد في الحكمة والعلوم الّتي يُنسَب إليها من أنّها تحيط بكلّ شيء وأنّ المقتنين لها يعلمون كلّ شيء. فكلّما اهتدوا لواحد ثمّ أحسّ فيه بعد ذلك بخلل تحرّوا هم أنفسهم أو غيرهم ممّن ينشؤوا بعدهم إزالة ذلك الخلل إلى أن حدث العود وسائر هذه الآلات وكملت صناعة الموسيقى العمليّة واستقرّ أمر الألحان”[5]. ويذهب الفارابي إلى أنّ هذا التّطوّر في نمط وجود الألحان من وجود يُباشره الإنسانُ عفويًّا وتلقائيًّا إلى وجود ينشئه الموسيقارُ عن وعي وبفضل الممارسة هو تطوّرٌ في اتّجاه تقدّميّ: فلمْ تكتمل الموسيقى إلا بفضل تحوّلها من انفعال غريزيّ إلى فعل صناعيّ. ويرى الفارابي أنّ اكتمالَ القدرة على “الخيال” تحرّرًا من سلطة المحسوس هو أهمُّ علامة دالّة على ارتقاء الممارسة الموسيقيّة إلى الرّتبة الصّناعيّة. فكيف يكون الخيالُ مبدأً إنشائيًّا في مجال الإبداع الموسيقيّ؟ وبأيّ معنى يكون الخيالُ الموسيقيُّ الأساسَ الّذي ينبني عليه كمالُ الموسيقى من جهة ما هي ممارسة صناعيّة؟ فإذاكانت الألحان تصير معقولةً حين تصير موضوعَ علم نظريّ هو علم الموسيقى بوصفه فرعًا من فروع الرّياضيّات فإنّها تكون محسوسةً ومتخيّلةً حين تُمارَس بوصفها فنًّا. وعلينا أن ننتبه إلى التّرتيب الّذي اقترحه الفارابي لأنماط الوجود الموسيقيّ (محسوس- متخيّل- معقول) وذلك لأنّه ترتيبٌ لها من جهة مخصوصة هي جهة الاستماع والتّلقـّي. أمّا من جهة الإبداع فإنّ وجودها المتخيّل يسبق وجودها المحسوس ويكون في المرتبة الأولى بوصفه المبدأ الإنشائيّ الّذي به تصير الموسيقى إلى كمالها الصّناعيّ. يقول الفارابي:”والصّناعة الّتي يُقال إنّها تشتمل على الألحان منها ما اشتمالها عليها أن توجد الألحان الّتي تمّت صياغتها محسوسة للسّامعين (التّلحين يسبق الأداء) ومنها ما اشتمالها عليها أن تصوغها وتركّبها فقط وإن لم تقدر على أن توجدها محسوسة (لا اهتمام للملحّن بمدى قابليّة موسيقاه للتّنفيذ) وهذان جميعًا يسمَّيان صناعة الموسيقى العمليّة”[8]. ويقول أيضًا: “والهيئات الفاعلة الّتي تنطق منها ما هي فاعلة عن تصوّر وتخيّل صادق حاصل في النّفس. ومنها ما هيفاعلة عن تخيّل كاذب حاصل في النّفس. فالّتي هي أحقّ باسم صناعة الموسيقى العمليّة هي هيئة تنطق فاعلة عن تخيّل صادق حاصل في النّفس توجد الألحان المصوغةَ محسوسةً. فخيال الموسيقار خيالٌ مبدعٌ للصُّوَر المحضة. وهو مع ذلك شرطٌ قبليٌّ لكلّ تجربة موسيقيّة ممكنة من جهة الإبداع ومن جهة التّلقّي.