؛ فيقول العبد الفقير محمد الدسوقي: هذه تقييدات على «شرح أم البراهين لمؤلفها سيدي محمد بن يوسف السنوسي، جمعتها من تقرير شيخنا العلامة أبي الحسن علي بن أحمد الصعيدي العدوي ومن غيره، قوله : (بسم الله الرحمن الرحيم الكلام على البسملة شهير لكن لا بأس بالتعرض لشيء مناسب للفن المشروع فيه فنقول إن الباء للاستعانة على وجه التبرك وإضافة اسم إلى لفظ الجلالة من إضافة العام للخاص والمعنى أبتدىء متبركاً بأي اسم من أسمائه تعالى سواء كان دالاً على الذات فقط : كلفظ الله ، أو عليها وعلى الصفات كلفظ الرحمن ففيه إشارة إلى عقيدة أن الله أسماء، والراجح أنها توقيفية والله عَلَم شخصي على الذات فقط المعينة بكونها واجبة الوجود، المستحقة لجميع المحامد ففيه إشارة إلى عقيدة وجوب الوجود، وقولهم في بيان لفظ الجلالة إنه اسم للذات الواجب الوجود إلخ ذكر واجب الوجود وما بعده إنما هو لتعيين المسمى لا أنه من جملة الموضوع له، وإلا كان لفظ الجلالة كلياً فلا يكون لا إله إلا الله مفيداً للتوحيد، أو البعيد وهو الإحسان فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وصفة الفعل حادثة بمعنى أنها متجددة بعد عدم فتكون أمراً اعتبارياً، والمولى سبحانه وتعالى يتصف به لا بمعنى أنها موجودة بعد عدم لاستحالة اتصاف المولى به ففي الرحمن على الاعتبار الأول: الإشارة إلى صفة الذات وعلى الاعتبار الثاني : الإشارة إلى صفة الفعل وحينئذ فالرحمن على الاعتبار الأول بمعنى مريد الإنعام، وعلى الثاني بمعنى المنعم، ويصح أن أن يكون الرحمن من قبيل الاستعارة التمثيلية وتقريرها أن يقال : شبه حال الله مع عبيده في إحسانه إليهم ورأفته بهم بحال ملك عطف على رعيته، واقتصر في استعارة اسم المشبه به وهو ملك عطف على رعيته أو للمشبه على ما هو العمدة منه وهو رحمن، وكذا يقال في رحيم هذا إذا كان المبتدىء بها من العباد، فإن كان إخباراً من الله فليس المعنى على ذلك، ثم إن. ويلزم عليه أيضاً تأليف القرآن من المعجز وهو كلام الله ، شك أن القرآن اللفظي بجميع أجزائه حادث، مع أن الآية والآيتين غير معجز، وهذا هو عين البلاغة، فظهر أن تلك المقدرات مرادة الله ، لا مقولة له وحاصله أن قولنا متبركاً أو مستعيناً حال من فاعل أؤلف، ولا شك أن التأليف يتحقق خارجاً بدون ذكر أؤلف والثاني إنشاء لصدق حد الإنشاء عليه، وهو ما يتحقق مدلوله بذكر داله فقط، ولا شك أن كلاً من الاستعانة والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه وهو قولنا مستعيناً أو متبركاً فقد اتضح لك محل الخبرية والإنشائية في جملة البسملة، وسقط استشكال كونها إنشائية بأن شأن الإنشاء أن لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه، وكونها خبرية بأن الخبر شأنه تحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه، وما هنا ليس كذلك، والقول بأن الجملة بتمامها إنشائية تبعاً لإنشاء المتعلق غير سديد، قوله : (الحمد لله الكلام على الحمدلة كالكلام على البسملة في الاشتهار، وقيل للجنس، أو الاستحقاق، قديم، والقديم لا يملك، مادة الملك من كما يصح تقديره من مادة الاختصاص والاشتقاق، لأن المعهود حينئذ هو الهيئة المجتمعة من حمد . كما في : قام زيد، كما في قولنا : الخبر يحتمل الصدق والكذب، واستشكل بأنه لا يمكن من العبد أن ينشيء اختصاص الله بالمحامد أو استحقاقه إياها وأجيب بأن المراد بكونها إنشائية أنها لإنشاء الثناء بمضمونها، ومضمون هذه الجملة الاختصاص المذكور إن قدر الخبر من مادة الاختصاص، وظاهر أن المضمون المذكور لا يمكن من العبد إنشاؤه بخلاف الثناء بمضمونها، أي ذكر تلك الجملة والإتيان بها فهو ممكن وعلى هذا فحمد الشارح هو الإتيان بتلك الجملة لا نفس الجملة قوله : (الواسع) مأخوذ من السعة وسعة الشيء كثرة أجزائه، والجود إن فسر بإعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على وجه ينبغي أي لا لغرض كالمدح ولا لعوض كان صفة فعل، وقولهم لمن ينبغي أخرج به ما لو أعطي كتاباً لمن لا ينتفع به لا بمطالعة ولا بثمنه، أمر كلي بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة، واستعير اسم المشبه به، أي الكثير أفراد جوده أي المتصف بكثرة أفراد جوده، وتقريرها على التفسير الثاني أن يقال : شبهت كثرة تعلقات القدرة والإرادة بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة، وعلى هذا يكون المعنى الحمد لله المتصف بكثرة تعلقات قدرته وإرادته . واسم الفاعل إضافته لفظية لا تفيده تعريفاً فيكون نكرة، فلا يصح جمله نعتاً للمعرفة، وأجيب بأنه ملاحظ فيه الدوام، فيكون صفة مشبهة وهي تتعرف بالإضافة، وبهذا الاعتبار صح جعله نعتاً للمعرفة. قوله : (والعطاء) هو اسم مصدر بمعنى الإعطاء، وشهد: مأخوذ من الشهادة وهي الاعتراف والإقرار باللسان المطابق لما في القلب، وقوله : وجوب افتقار إلخ فاعل شهد، ولا يخفى أن الشهادة بالمعنى المذكور لا تسند حقيقة إلأ للعقلاء، أو على أنه مجاز مرسل تبعي من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم، لأن الشهادة يلزمها الدلالة، واشتق منها شهد بمعنى دلّ وإما في المسند إليه على أنه استعارة بالكناية، بأن يشبه وجوب الافتقار بعاقل تتأتى منه الشهادة على طريق الاستعارة بالكناية وشهد تخييل. قوله : (بوجوب وجوده) يصح أن تكون إضافة الوجوب للوجود حقيقة والمراد بوجوب وجوده عدم قبول وجوده للانتفاء، أي الذي لا يقبل الانتفاء ويلزم من الشهادة بوجوده الواجب الشهادة بالوجوب . وليس نفس ذات الموجود، وأن قول الأشعري : الوجود عين الموجود المراد منه أن الوجود ليس صفة ثابتة في الخارج زائدة على الذات، فلا ينافي أنه صفة اعتبارية، وبهذا ظهر أن إضافة وجود للضمير على معنى اللام أو أنه من إضافة الصفة للموصوف لا من إضافة الشيء لنفسه قوله : (ووحدانيته) على وجوب وجوده، قوله : ( وعظيم جلاله) يطلق الجلال على ما يقابل الجمال، والمراد بصفة الجمال الصفة الدالة على البسط كباسط ورحمن وغفور إلخ، وهي اتصافه بصفة الكمال جلالية وجمالية لأنها من الصفات الجامعة، وهو المراد هنا، وحينئذ فتكون الإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي وعظمته العظيمة، وإنما وصفها بالعظم لأن العظمة مقولة بالتشكيك وشهادة افتقار الكائنات بالعظمة من حيث شهادتها بالصفات المسميات بها فيكون مشيراً إلى أن دليل الصفات عقلي، لكنه يخرج من الصفات السمع والبصر والكلام وكونه سميعاً وبصيراً ومتكلماً فإن دليلها سمعي. فقيل حدوثه أي وجوده بعد العدم، جمع كائنة وهي المتجدد بعد عدم، ذاتاً كان أو صفة ، كانت الصفة وجودية أو حالاً، قوله : (كلها) تأكيد، أتى به دفعاً لما يتوهم من أن أل في الكائنات للجنس قوله : (في الأرض والسماء) صفة للكائنات، أي الكائنات المستقرة في الأرض والسماء، والمراد جنس الأرض وجنس السماء المتحقق في أفراد فإن قيل : إنه يخرج من ذلك نفس الأرض والسماء، وبالسماء جهة العلو، وحينئذ فيدخل في الكائنات المستقرة في جهة السفل جميع ما حلّ فيها من الأرض وما تحتها وما فوقها ويدخل في الكائنات المستقرة في جهة العلق جميع ما حلّ فيها من السماء وما فيها وما فوقها وما تحتها مما هو في الجو. قوله : (العزيز) هو عديم المثال الذي لا نظير له من عزّ الشيء إذا عدم مثاله ونظيره، فالواضع اعتبر مجموع الوصفين ووضع لهما لفظ عزيز كوضع لفظ إنسان لمجموع الحيوان الناطق، وقيل: إن العزيز معناه القوي الشديد من عز إذا قوي واشتد ومنه قوله تعالى : (فَعَزَّزْنَا بِثَالِث) (بس آية : ١٤) . وقيل : العزيز هو الذي لا يرام ولا يطلب فيدرك قوله : (الذي عزّ) أي تنزه وارتفع قوله : ( في ملكه) بضم الميم : السلطنة وهي التصرّف بالأمر والنهي، وقد يطلق الملك بالضم على العالم الظاهر، وفي تعبيره بفي إشارة إلى تمكنه من التصرف تمكناً تاماً حتى كان التصرف الذي هو الملك ظرف له، وفي بعض النسخ عزّ ملكه بإسقاط (في)، وكل من النسختين صحيح. قوله: (عن أن يكون متعلق بعز لتضمنه معنى تنزه، أو بحال محذوفة أي حالة كونه منزّهاً إلخ. وإن أضيف إلى الله - كما هنا - كان معناه إيجاد الشيء على وجه محكم متقن، فإن قلت: كلامه يوهم أنه لم يتنزه عن أن يكون له شريك في إيجاد شيء لا إحكام فيه ولا إتقان مع أنه تنزه عنه أيضاً فكان الأولى حذف قوله في تدبير شيء ما؟ وأجيب بأنه يرتكب التجريد في التدبير بأن يراد منه مطلق الإيجاد كان على وجه محكم أم لا، أو يجاب بأن الشريك لو وجد لا يكون إلا مديراً كما يعلم من برهان الوحدانية فلا يكون فعله إلا محكماً متقناً، وحينئذ فعلى تقدير لو وجد الشريك فلا يتأتى اشتراكهما في إيجاد شيء لا إحكام فيه ولا إتقان لأن كلا منهما مدبر فلا إيهام في كلامه تأمل وبهذا ظهر لك أن قوله عز إلخ نفي للشريك في الأفعال. وهو قوله الذي عز إلخ إشارة إلى أنه يلزم من نفي الشريك في الأفعال نفي الشريك في الذات والصفات، المنعم بدقائق النعم، والرحمن معناه المنعم بجلائل النعم، وقد سبق أنهما مأخوذان من الرحمة : وهي رقة القلب المقتضية لإرادة التفضل والإحسان وهي بهذا المعنى محالة في حق الله فتعتبر في حقه باعتبار مسببها القريب وهو إرادة الإحسان أو البعيد وهو الإحسان، فهي على الأول صفة ذات، فمعنى الرحيم الرحمن على الأول مزيد الإنعام، وعلى الثاني منعم على جهة المجاز المرسل التبعي حيث أطلق اسم السبب، وأريد المسبب الذي هو إرادة الإنعام أو نفس الإنعام، واشتق من الرحمة بهذا المعنى رحمن رحيم بمعنى مريد الإنعام أو منعم، فقد جرى التجوز في المشتق تبعاً لجريانه في أصله وهو المصدر ، فهو من العموم بمعنى الشمول، والوجود من حيث تعلّقه بالعوالم كلي، وجزئياته وجود زيد ووجود عمر ووجود بكر مثلاً، ويصح أن يراد بالنعم الإنعامات المتعلقة بوجود العوالم، كالإنعام بوجود زيد، والإنعام بوجود عمر، قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف آية : ١٥٦) . وذكر بعضهم أنه لا يشترط في النعمة سلامة العاقبة، إذ الرحمة والنعمة على هذا مترادفان قوله : (العوالم بكسر اللام جمع عالم بفتحها، هذا والذي حققه بعضهم أن العوالم اسم للقدر المشترك بين كل جنس وكل نوع وكل صنف، وعالم الإنس، وحينئذ فالجمع ظاهر لأنه باعتبار الأجناس والأنواع والأصناف قوله : (فلا مخلص) أي خلوص قوله : (لكائن) أي لواحد من الكائنات عن تلك النعماء، والنعماء بفتح النون قيل إنه جمع نعمة كالنعم، وقيل إنه مفرد مرادف للنعمة، ويرد على الأول أن قضية كلامه حيث عبر بالنعماء التي هي جمع أن كل واحد قام به وجودات متعددة، بناء على ما سبق من أن المراد بالنعم التي عمت العوالم نعمة الوجود أو إنعامات متعددة، مع أنه إنما قامت به نعمة واحدة وهي نعمة الوجود أو الإنعام بالوجود على ما سبق، وقد تقدمت جمعاً فكيف تصح الإشارة إليها بتلك؟ ويجاب بأن المراد بالمشار إليه مفرد النعم فيما سبق وصحت الإشارة للمفرد مع عدم تقدمه من حيث تضمن الجمع المفرده، وكأنه قال لا مخلص لواحد من فرد من أفراد النعم السابقة، فتدبر قوله : (الواسع) قيل معناه : الذي وسع غناه كل فقير أي المعطي لكل فقير، والأحسن أن يقال إن معناه الذي كثرت تعلقات قدرته بالمنعم به لا بما فيه هلاك أو مشقة، فعلى الأول يكون الكرم صفة فعل، وعلى الثاني صفة ذات، المتصف كان ذلك الشيء ذاتاً أو صفة أو فعلاً، اضطرارياً أو اختيارياً، وفي قوله المنفرد بالإيجاد ردّ على المعتزلة في قولهم: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية . قوله: (فلا يستطاع شكر نعمه أي الشكر عليها، والمراد بالنعم الواقع في مقابلتها الشكر الإنعامات لا المنعم به، وما كان بلا واسطة أولى مما كان بواسطة، وقوله فلا يستطاع إلخ : مفرع على قوله المنفرد بالإيجاد، ووجهه أن شكر النعمة متوقف على الإلهام له والإقدار عليه وعلى اللسان أو القلب أو الجوارح الذي هو مورد الشكر، وكلها من جملة النعم، ففيه إشارة إلى كثرة نعم الله تعالى، وعلى هذا فالغني صفة سلبية وهي عدم الافتقار لشيء، قوله : (فلا) وصول إلخ) مفرع على قوله الغني القدوس، والإضافة من إضافة الصفة للموصوف، وهذه الجملة متفرعة في المعنى على قوله «الغني»، قوله : (عن الأغراض) جمع ، غرض، وهو العلة الباعثة على الفعل كالعلة في حفر البئر، قوله : (والوكلاء) جمع وكيل،