٧- تطور قانون العقوبات العراقي : اثبت علماء الاثار ان العراق كان مهدا لاقدم الشرائع في العالم، فقد كان ملوك دويلات المدن في العراق القديم يتغنون بالعداله واحلال النظام ويتفاخرون باحترامهم للقانون مما يدل على عمق نظرتهم له وشغفهم بتطبيقه. وبسبب ذلك كان ((سرجون الاكدي)) يدعي ملك العداله والرجل الذي ينطق بالعدل. وقال: ((اورکاجینا)) ملك لجش انه نشر قوانين العهود الغابرة، وقد حاول بعض ملوك تلك الدويلات تجربة التشريع فاصدروا بعض القوانين، فكانت اللبنة الاولى في القانون العراقي القديم، منهم ((اورکاجینا ملك لجش)) (2400 قبل الميلاد) و((جوديا)) ملك لجش (2100 قبل الميلاد) ولبت عشتار ملك ايسن (1885 الى 1875 قبل ميلاد) و(بلالاما) ملك اشنونا (1930 قبل الميلاد). وكانت من اشهر تلك الشرائع بل من اشهر الشرائع القديمة في العالم الشريعة حمورابي التي وضعها الملك حمورابي سادس ملوك بابل وسليل السلالة البابلية الاولى الذي حكم بابل 43 عاما (1798 الى 1686 قبل ميلاد) فقد انجز هذا الملك شريعته المعروفة وكتبها على مسلة من الحجر في العالم 34 لحكمه المصادف عام (1694 قبل ميلاد) تقريبا وكانت تتكون من 282 ماده تناولت مسائل مختلفة مدنية وجزائية، اقتبسها واضعها مما تعارف عليه الناس في ذلك العصر من عادات ومن شرائع السابقه له. وقد جاءت هذه الشريعة متقدمة متشبعة بروح العدالة، اذا ما قیست بعصرها اذ نلمس في ثناياها الاحكام الصارمة لحماية الضعيف من ظلم القوي الامر الذي جعل الشرائع السماوية فيما بعد تقر بعض احكامها، مما يدل على اصالة راي واضعها وارجاحة عقله وبعد نظره . وقد وضعت نصوص هذه الشريعة مهمة تنظيم المسائل الجنائية ومعالجتها بيد الدولة، مما يدل على ندرة مظاهر الانتقام الفردي وانعدام اثار التعويض الاختياري فيها. وكان المبدا الاساس الذي سارت عليه هذه الشريعة في الامور الجنائية هو مبدا انزال نفس العمل بالجاني اي ((القصاص)). ومنذ عام (1520 قبل ميلاد) توالي الغزو للعراق فحكمه الحيثيون والكشيون، ومع ذلك فقد بقيت شريعة حمورابي المصدر المهم للقوانين الوضعية فيه مدة تزيد على الالف عام . كان القضاء عند اهله من الامور الفطرية الساذجة فقد كانوا يكتفون فيه بالشرائع الالهامية التي كانت توحيها ضمائر حكامها وكهانهم، مما يعني مرحلة متواضعة من الرقي القانوني. فقد كان النظام السائد في هذا العصر هو مبدا الانتقام الفردي بما يحوي من نظم القصاص والديه والخلع اي اعلان البراءة من المجرم . وعند ظهور الاسلام ودخول اهل العراق فيه، اصبحت الشريعه الاسلامية هي قانون العقوبات للبلاد. وقد سلكت الشريعة السمحاء في تحديدها ما يعتبر من الافعال جرائم وفي بيان عقوباتها مسلكين مختلفين هما: 1- مسلك التعيين بالنص : حيث عينت بالنص بعض الجرائم وحددت لها عقوباتها، وهي جرائم الحدود وجرائم القصاص والدیة. 2- ومسلك التفويض للامام: حيث تركت الشريعة للايمام، بعد جرائم الحدود والقصاص، وفوضته بان يحدد ما يراه من الافعال جرائم ويعين لها ما يراه من عقوبات مراعيا المصلحة العامة، وسميت هذه الجرائم وعقوباتها ((بالتعازير)) وبقيت الشريعة الاسلامية هي قانون العقوبات للبلاد حتى عام 1858 ميلاديه حيث صدر قانون الجزاء العثماني وطبق في جميع ارجاء الامبراطورية العثمانية ومنها العراق. وقد بقي هذا القانون يحكم العراق من الناحية الجنائية حتى الحرب العالمية الاولى حيث دخل الانجليز العراق محتلين، وعندها اصدر القائد العام لقوات الاحتلال في 21 تشرين الثاني 1918 قانون عقوبات جديد سماه ((قانون العقوبات البغدادية)) وامر بتطبيقه في جميع انحاء العراق في اول كانون الثاني 1919. ان قانون العقوبات البغدادي، كان قد وضع على عجل كقانون وقتي للعمل به في المحاكم التي انشاتها السلطات العسكرية البريطانية المحتلة. لذلك جاء غير دقيق في مصطلحاته ولغته ناقص في احكامه عتيق في مبادئه بالاضافة الى الاختلاف بين في مواد عديدة في القانون يبين الاصل الانجليزي له، حيث وضع اولا باللغه الانجليزية، وبين الترجمة العربية التي وضعت بعد ذلك الامر الذي كان يتطلب تغیيره بعد وقت قصير من صدوره، وقد اعلن ذلك حتى واضعه في المذكرة الايضاحية لهذا القانون. وقد جرت عدة محاولات لذلك ووضعت عدة مشروعات قوانين لتحل محله غير ان الحظ لم يكن حليف اي منها حتى عام 1969 حيث تم انجاز قانون العقوبات الحالي ونشره في الجريدة الرسمية تحت رقم 111 لعام 1969 في 15 ايلول 1969 على ان ينفذ بعد مرور ثلاثة اشهر من تاريخ نشره في الجريده الرسمية. وفي 6 اذار 1977 صدر قانون اصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنه 1977 ضمنته وزارة العدل خطتها لاصلاح النظام القانوني في العراق بالشكل الذي يجعله اهلا لان يواكب الثورة في مسيراتها الظافرة، بان يتلائم مع التحولات الاشتراكية ويساعد على ارساء اسس ومقومات الديمقراطية الشعبية ويخدم متطلبات عملية التنمية القومية، وقد شكلت في وزارة العدل عدة لجان لهذا الغرض ومنها لجنه لقانون العقوبات بدات عملها لوضع مشروع قانون عقوبات جديده مهتدية بما تضمنه قانون اصلاح النظام القانوني من مبادئ واسس ومنطلقات واهداف ومستعينة باحدث قوانين العقوبات العربية والاجنبية واحدث ما توصل اليه الفقه والقضاء بهذا الصدد.