ولكنَّ الطَّير كان قد مضى إلى حاله. كيفَ تركتُ السَّمكة تسبب لي جُرحًا بتلك السَّحبة السّريعة التي قامتْ بها؟ لابُدَّ أنني أصبحتُ غبيًّا جدًّا، أو ربما كنتُ أنظر إلى الطَّير الصَّغير، سأنتبه إلى عملي ثمّ يجب عَليَّ أن آكل سمكة التونة لِئلّا تخور قواي. وقال بصوتٍ مرتفع: «أتمنّى لو كان الصَّبيُّ هنا، وكان لديّ بعض الملح» ليغسل يده في مياه المحيط، ويبقيها مغمورةً هناك أكثر من دقيقة، وهو يشاهدُ الدَّمَ ينساب بعيدًا، فيما كان القارب يواصل سيره. قال: «لقد تباطأَ سيرُ السَّمكة كثيرًا. كان الشّيخ يُفضِّل أن يبقي يده في الماء المالح مدّةً أطول ، كان مجرَّد احتزاز الخيط في يده هو اّلذي جرح لحمها، ولكنَّ الجرح كان في الجزء الفاعل من يده، وقال، وآكلها هنا وأنا مرتاح. وسحبها بالخطّاف نحوه، مُبعِدًا إيّاها عن الخيوط المُلتفَّة، وأَسْندَ الخيط إلى كتفه اليُسْرى مرّةً أخرى، وأخذ سمكة التَّونة من رأس الخطّاف، وأعاد الخطّاف إلى مكانه. وقطع منها شرائح من اللَّحم الأحمر الدّاكن بصورةٍ طولية من مؤخَّر الرَّأس إلى ذيل السَّمكة، قطعها من منطقة قريبة من عظم الظَّهر نزولًا إلى حافة البطن، وعندما أتمَّ قطع ستّ شرائح، نشرها على خشب مُقدَّم القارب، ورفع بقايا السَّمكة من الذيل، ورماها في البحر . اجعلي من نفسكِ مخلبًا، وستقوّي يدَكَ، إنَّها ليست غلطة اليد، أو الليمون، أيتها اليد؟ سآكل المزيد من أجلكِ». وتناولَ شريحةً كاملةً أُخرى، وقال في نفسه: «إنها سَمكةٌ قويّةٌ مليئةٌ بالدّم، وأنا محظوظ لوقوعي عليها، وليس على سمكة دولفين؛ أمّا هذه السمكة فحلاوتها خفيفة، وفكَّرَ: «ومع ذلك لا معنى في أن يكون المرء غير واقعيّ، تمنيتُ لو كان لديّ بعض الملح، فأنا لا أعرف ما إذا كانت الشَّمس ستفسِد ما تبقّى من السَّمكة أم ستجفِّفه، والسَّمكة ما زالت هادئةً وثابتة، سآكل ُكُلَّ ما تبقّى ، وحينئذٍ سأكون على استعداد. وقال في نفسه: «تمنَّيتُ لو كنتُ أستطيع إطعام السَّمكة ، فهي أختي، ولكن يجب أن أقتلها، ثمّ أكلَ -ببطءٍ ووعي- جميعَ شرائح السَّمكة الإسفينية الشَّكل. قال: الآن، وتتابع خطّتها ، »وفكّرَ مُتسائلًا: «ولكنْ ما خطَّتها؟ وما خطَّتي؟ خطَّتي يجب أن أُعَدِّلها حسب خطَّتها، فإذا قفزَتْ أستطيع أن أقتلها، وحاولَ تليينَ الأصابعِ، فسأفكُّها من تشنجها، مهما كلفَ ذلك، وبعد ذلك كله فأنا الذي بالغْتُ في استخدامها في أثناء اللَّيل عندما كان من الضَّروريّ حَلُّ مختلفِ الخيوط وربطها ببعضها . ألقى نظرةً عبر البحر فأدركَ كم هو وحيدٌ الآن، والخيطَ المُمتدّ طويلًا، ثمّ يظهر مَرَّةً أخرى، لاسيّما في الشّهور ذات المناخ السَّيئ المُتقلب، ولكنهم الآن في أشهر الأعاصير، يكون الجوُّ في هذه الأشهر الأفضل في العامِّ كلِّه. لأنهم لا يعرفون ما الذي ينبغي أن يتطلَّعوا إليه، فاليابسة لا بدّ أن تسبب فرقا في شكل الغيوم كذلك ، قال: «نسيمٌ عليل، أو من جرّاء التَّقيؤ الناتج عنه، أما التَّشنج، خصوصًا عندما يكون بمفرده . وقال في نفسه: «لو كان الصَّبيُّ هنا لاستطاع تدليكها لي، وتليينها ابتداءً من الذِّراع فنازلًا، ولكنها ستحلُّ عقدتها بنفسها . وفجأَةً أحسَّ -من خلال يده اليمنى- بِفَرقٍ في سحبِ الخيط حتّى قبل أن يُلاحِظ التَّغير في ميلانه في الماء، فانحنى على الخيط، أرجوكِ، ارتفعَ الخيطُ ببطءٍ وباطِّراد، والماء يقطر من جانبيها، ثمّ غطستْ فيه بنعومة مثل غطّاسٍ ماهر، وكان الخيط ينفد بسرعةٍ، ولكن باطِّراد، فراح الشّيخ يحاول بكلتا يديه الحيلولةَ دون انقطاع الخيط، فقد أدركَ أنه ما لم يتمكَّن من إبطاء السَّمكة بالضغط المستمرِّ فإنَّها قد تستنفد الخيط كله، وفكّرَ: «إنها سمكةٌ ضخمةٌ، ويجب عَليَّ ترويضها، شُكرًا لله؛ نحن الذين نقضي عليها، على الرّغم من أنها أكثرُ نُبلًا، ولكنه لم يكُن بمفرده بتاتًا، أما الآن فهو وحدَه، وبعيدًا عن مشهد اليابسة، ويده اليسرى مازالت مُتصلبة مثل مخالبِ النسرِ الناشبةِ في فريسة. قال في نفسه: «ومع ذلك، من المؤَّكَّد أنها ستتخلص من تشنجها لتساعد يدي اليمنى ، إذْ لا يليق بها أن تكون مُتشنِّجة ، وأبطأَتِ السَّمكةُ مرّةً أخرى، وفكَّرَ الشّيخ مُتسائلًا: «لماذا قفزَتْ؟ لقد قفزَتْ كما لو كانت تُريني كم هي كبيرة!»، وقال في نفسه: «وعلى أيّة حال، ولكنها حينئذٍ سترى يدي المُتشنجة، وسأكون كذلك . وقال في نفسه: «تمنّيتُ لو كنتُ أنا السَّمكة، مُقابل ما لَديّ من إرادةٍ وذكاءٍ فقط. وَتقبلَ أَلمَه كما هو ، وراحَتِ السَّمكةُ تسبح سباحةً ثابتة، والقارب يتحرَّك ببطءٍ في المياه الدّاكنة اللون. أيتها السَّمكة. كان مرتاحًا، على الرَّغم من أنه لم يعترف بأَلَمه مطلقًا. قال: «من الأفضل أن أُجدِّد طُعْم الصِّنارة الصَّغيرة الموجودة في مؤخَّر القارب، وقد نقصَ الماءُ في القنّينة، لا أَظنُّ أنني أستطيع أن أصطاد غيرَ سمكة دولفين صغيرة هنا، ولكنْ إذا أكلتها وهي طازجة فإني سأستسيغ طعمها، أتمنى أن تحطَّ سمكةٌ طائرة في القارب هذه اللّيلة، يا إلهي، وقال: «ومع ذلك فإني سأقتلها، ولكني سأريها ماذا يستطيع الرَّجل أن يفعل، وقال: «أخبرتُ الصَّبيَّ أنني شيخٌ غريبُ الأطوار، وفكّرَ: «ليتَ السَّمكة تنام، وأحلُم بالأسود، وقال مُخاطِبا نفسه: «لا تُفكِّرْ، كان النهار يقترب من العصر، فأبحرَ الشّيخ بلطفٍ مع الأمواج، وصار أَلمُ الحبل على ظهره أيسرَ وأخفّ. وعند حلول العصر، الآن وقد رأى السَّمكة مَرَّةً، وذيلها المنتصب الضَّخم يشقّ الظَّلام. والفرس التي لها عَينٌ أصغرُ بكثير تستطيع أن تبصر في الظَّلام، ولكن كما ترى القطَّة تقريبا. وحرَّكَ عضلات ظهره؛ فلابُدَّ أنَّكِ غريبةٌ جدًّا. وكان يعلم أنَّ الليل سيحلُّ عمّا قريب، فحاول أن يفكِّر في أشياءَ أخرى، وكان يعرف أن فريق يانكيّي نيويورك سيلعب ضدَّ فريق نمور ديترويت. وفكّرَ في نفسه: «هذا هو اليوم الثاني الذي لم أطَّلع فيه على نتائج الألعاب، ولكن يجب أن تكون لديّ الثقة بـِديماجيو العظيم الذي يفعل ُكُلَّ شيءٍ على الوجه الأكمل، حتى عند اشتدادِ ألمِ نتوءِ العَظْم في َكَعبه». أو أحتمل فقدانَ عَينٍ أو كلتا العَينَيْن ، إنَّ الإنسان ليس كثيرًا إذا ما قورن بالطُّيور العظيمة والوحوش الضّارية، وأضافَ بصوتٍ عالٍ: «ما لم تأتِ أسماكُ القرش، فإذا جاءتْ أسماك القرش ، ما دام أنًّه شابٌّ وقويّ، ولكن هل سيؤلمه نتوءُ العَظْم بصورةٍ لا تُحتمَل؟ وعندما آلتِ الشَّمس إلى الغروب، تذَّكَّرَ كيف أنه -ذات مرّة- لعبَ في أحد مقاهي الدّار البيضاء لعبة قوّة اليد مع زنجيٍّ عظيم من ثينفويغوس ، وكان ذلك الزّنجيُّ أقوى الرّجال في المرفأ، أمضيا نهارًا وليلةً، وَمِرفقاهُما مرتكزان على خطٍّ رُسِمَ بالطَّباشير على المنضدة ، وكلُّ واحدٍ منهما يحاول إنزال يد الآخر إلى المنضدة، وراح النّاس يدخلون إلى الغرفة ، ويخرجون منها تحت أضواء فوانيس الكيروسين، لكي يتمكّن المحكّمون من النّوم. وكان كلُّ واحدٍ منهما يحملق في عيني الآخر ويده وساعِده، ويراقبون ، ويتحرّك على الجدار عندما يُحرِّك النسيمُ القناديلَ. وكانوا يسقون الزِّنجيَّ عصير قصب السُّكَّر، وبعد أن يشرب الزِّنجيّ العصير، يحاول أن يبذل جهدًا جَبّارًا، وقد استطاع مَرَّةً أن يزحزح يد الشّيخ الذي لم يكن شيخًا يوم ذاك وإنما سنتياغو البطل، ثلاثَ بوصات تقريبا عن الخطِّ، ولكنَّ الشّيخ رفع يده إلى الأعلى ليعود إلى التعادل التامّ مرَّةً أُخرى ، كان متأِّكِّدًا حينذاك أنه سيتغلب على الزِّنجيّ الذي كان رجلًا لطيفًا ورياضيًّا عظيمًا، وأجبر يد الزِّنجيِّ على الانثناء إلى الأسفل. فالأسفل. حتى استقرَّتْ على الخشب. وانتهت صباح يوم الإثنين، وكان عددٌ من المتراهنين قد طالبوا بالتعادل، أو للعمل في شركة هافانا للفحم الحجريِّ، كان ُكُلُّ واحدٍ يدعوه بـالبطل، ثمّ كانت هناك مباراةُ الإياب في فصل الرَّبيع ، ولكنْ لم يراهنوا بكثيرٍ من المال، لأنه كان قد حَطّم ثقة ذلك الزِّنجيّ من ثينفويغوس في المُباراة الأولى، وبعد ذلك انخرط في مبارياتٍ قليلة ثمّ توقف بالمَرّة، ويجب ألّا تتشنج عليَّ مرَّةً أخرى، ما لم يشتدّ البرد في الليل ، وإنني أتساءل ما اّلذي ستجلبه هذه الليلةُ»؟ وهي في طريقها إلى ميامي ، وراقبَ ظلَّها الذي أفزع مجموعات الأسماك الطّائرة، وقال: «مع وجود هذه الكثرة من الأسماك الطّائرة هُنا، ولكنه لم يتمكَّن، وبقي الخيط على توتّره وارتعاشه، وتحرّك القاربُ إلى الأمام ببطءٍ، وأتساءل كيف يبدو البحر من ذلك الارتفاع؟ أحسب أَنَّهم يستطيعون رؤيةَ الأسماك بوضوحٍ ما لم يُحلقوا على علوٍّ شاهق، ففي قوارب صيد السَّلاحف كنتُ أقف على رأس السّارية، من هناك تبدو الدَّلافين أكثر اخضرارًا، وبإمكانك أن ترى خطوطها وبقعها القرمزية، وباستطاعتكَ أن ترى المجموعةَ كلها وهي تسبح، وعادةً خطوطًا أو بقعًا قرمزيّةَ اللون؟ طبعًا يبدو الدّولفين أخضر؛ لأنَّه في حقيقته ذهبيُّ اللون، ألا يمكن أن يعزى بروز هذه الخطوط إلى الغضب أو إلى السُّرعة الفائقة؟. وقُبيل حلول الظَّلام، وبينما كانا يمرّان بجزيرةٍ كبيرةٍ من أعشاب السّراخس المرتفعة والمتمايلة في البحر الضَّحل بلعَتْ سمكةُ دولفين صغيرة صنارته الصّغيرة. رأى سمكة الدّولفين تلك أوّل مرَّةٍ عندما قفزت في الهواء وبدا لونها ذهبيا خالصًا على ضوء الشَّمس الأخير، وكانت تتلوّى، وتخبط ذيلها بضراوةٍ في الهواء، وأمسك بالحبل الكبير بيده اليمنى وذراعه، ضاغطًا على ما يكسبه من الخيط في كلِّ مرّةٍ بقدمه اليسرى الحافية، وعندما صارت سمكة الدّولفين في مستوى مؤخَّر القارب، وتتخبَّط، انحنى الشّيخ ، وكان فكّاها يعملان بعصبية في عضّات سريعة على الشِّصّ، وأمطرَتْ قاع المركب بضرباتٍ من جسدها المُسطَّح الطَّويل ومن ذيلها ورأسها، حتى قام الشّيخ بضربها بهراوته على رأسها الذّهبيّ اللّامع إلى أن ارتعشَتْ، خلَّصَ الشّيخ السَّمكة من الشِّصّ، ثمّ رجعَ على مهل إلى مُقدَّم القارب، ثمّ حوّل الحبل الثقيل من يده اليمنى إلى يسراه، فيما كان يشاهد الشَّمس وهي تغطس في المحيط، «إنّها لم تتغيَّر على الإطلاق. ولكنه عند مشاهدة حركة الماء البطيئة على يده لاحظ أنَّها أبطأ بشكلٍ واضح، وقال: «سأثبِّتُ المجدافَين معًا في مؤخَّر القارب، إنها مُستعدّةٌ لليل، وأنا كذلك. وفكّرَ: «من الأفضل نَزْع أحشاء سمكة الدّولفين بعد وقت قصير؛ يُمكنني أن أفعل ذلك بعد قليل، ويحسنُ بي أن أدع السَّمكة الكبيرة هادئةً الآن، وألّا أُزعِجها كثيرًا عند مغيب الشَّمس، وترك نفسه يُجَرُّ إلى الأمام في اتّجاه خشب مُقدَّم القارب؛ وسمّاها السَّمكة الذّهبية، ربّما ينبغي أن أتناول شيئا منها عندما أنظِّفها، أَيَّتُها السَّمكة؟ فأنا أشعر بخير، ويدي اليسرى أحسن حالًا، ولديّ طعام لليلةٍ ونهار، اسحبي القارب، أَيتها السَّمكة. لم يكُنْ يشعر حقًّا بخير، فالألم من جرّاء الحبل على ظهره قد تعدّى حدَّ الألم تقريبا،