تَفصِلُني عنْ سوادِ اللَّيلِ المتربِّعِ على عَتباتِ الأفُقِ. وأَدْخُلُ بين الكهوفِ، وأُعْلِنُ عَجْزي عن استيقافِ تلكَ اللّيلـةِ الذّاهبـةِ كَخَشْخَشَـةِ ريحٍ. نومٍ مكتَنِزٍ بالأحلامِ؛ فأغْفو على أبخرةِ الزَّعترِ، وصوتُ سلامـةَ بنتِ فرجٍ يُهَدْهِدُني: وأُحِسُّ بأنَّ خَلفي مجرّاتٍ مُهَشَّمَةً تدفَعُني إلى مياهٍ مضطربةٍ؛ حينَها أدركتُ بأنَّ للميزانِ كفّـةً ثالثـةً، الذّاكرةِ الّتي بدأتْ تَتَهَدَّجُ رُوَيدًا رُوَيدًا، وعصرٍ مغيَّبٍ وراءَ الأضواءِ المشتعلـةِ الضّارِبـةِ على وجوهِ المارَّةِ والمرتَكِزَةِ على ثُغورِ النِّساءِ المنبَهراتِ بما تَعْرِضُـهُ المتاجرُ من أمتعـةٍ. على مَقرُبَــةٍ منَ المشهدِ جَلَسَ رجلٌ كَهلٌ شاخِصًا ببصرِهِ ناحيـةَ المجهولِ، تتقاطرُ الحبّاتُ المرجانيّـةُ بين أصابِعِـهِ متناغمـةً معَ تمتَمَـةٍ غيرِ مسموعـةٍ يلهجُ بها وهُو زائغُ البَصَرِ. التفَتَتْ إليهِ متعمّدةً: "مسّاكَ اللّـهُ بالخيرِ يا أبا حمدانَ". ابتسمَ وتلَجْلَجَتْ عَيناهُ بالدّموعِ منَ الفرَحِ لسماعِ صَوْتِها أوْ بفِعْلِ السِّنِّ رُبّما. تخلَّلَ صَوتُهُ الدّافِئُ مسامَ سلامةَ بنتِ فرجٍ، وبسرعـةٍ أعادَتْـهُ إلى وَضعِـهِ، لم تَلْحَظْ سلامـةُ ذلكَ التّوَتُّرَ البادِيَ على مُحيّا النّوخَذا، وإنَّما اكتَفَتْ بِصَوتِـه الّذي أَخَذَ يَسْتَعيدُ طَراوَتَـهُ بعدما أَيقَنَ بأنَّـهُ ليسَ وحدَهُ في شارعِ سكَّـةِ الخيلِ. مَدَّتْ يَدَها ناِحيَـةَ الكيسِ بسرعـةٍ، وأَخْرجَتْ حَبّاتٍ كَهْرمانِيَّـةً، ونَثَرتْها على رُقعـةٍ منِ القِرطاسِ: تقولُ ذلِكَ وعيناها تَرقُبانِ خَلَجاتِ النّوخَذا الّذي أَخَذَ يَسْتَرِقُ النَّظَرَ إلى نَحْرِها. لُؤلؤةٌ حَصباءُ بَرَقَتْ فَجْأَةً مِن وَراءِ الأَرْهافِ الَّتي تُرَفَّفُ على صَدرِ سلامَـةَ. كان راشدُ ابن ناصرٍ قدْ أَهداها لَها، أوْ كانَتْ ضِمْنَ (زِهْبَتِها) عند زَواجِها من سعيدِ بنِ مردفٍ الّذي فُقِدَ في البحرِ في أثناءِ مواسِمِ السَّفَرِ. وهَكذا بقِيَتْ وحيدةً تُناظِرُ النّوخذا راشدًا من خَلفِ البُرقُعِ لأكثرَ منْ أربعينَ عامًا. كانَ يومًا حارًا قائِظًا من صَيْفِ تمّوزَ عامَ 2002 عِندما زُرْتُ شارعَ سِكَّـةِ الخيْلِ، وأُغادِرُ السّوقَ محمَّلَـةً بالدَّعَواتِ وبِأكياسِ الأعشابِ والأدويـةِ، أُكَدِّسُها سَنَـةً بَعدَ أُخَرى، في ذَلك النَّهارِ من سِبتَمْبَرَ عامَ 2004، فَقَطْ لأَنّني أَردْتُ أن أُخْبِرَها بأنَّني عُدْتُ "عندما تَعودينَ إلى البلادِ لازم أعرف علشان أفرح بنجاحك". في ذلكَ النَّهارِ لم يَكُنْ راشدُ بنُ ناصرٍ قابِعًا على دِكَّتِـهِ كالمعْتادِ، ولمْ تَجْلِسْ سلامـةُ بنتُ فرجٍ في الرُّكْنِ المقابِلِ لَهُ، فراغٌ دامِسٌ يَلُفُّ شارعَ سِكَّـةِ الخيلِ، في ذَلِك النَّهارِ الغامقِ لم تَكْتَحِلْ عيني بِرُؤيَتِهِما، قَبلَ أَنْ تَخْطُرَ (ناتالْيا) في الشّارعِ الممتَدِّ مِنَ المكتبـةِ العامَّةِ شمالًا حتّى العبرةِ جَنوبًا.