وأرى الأب متعلقاً بذراعي كالغريق والطفلة الصغيرة راقدة على حصير من خرجت مسرعاً لأجدني في غرفة صغيرة، موزعاً بين اليأس والسخط الطفلة ذات السنوات العشر تتألم ألماً مبرحاً وليس من طبيب لا هنا في العين، أمضى وقتاً طويلاً للوصول نظراً إلى عدم وجود طرق للمركبات. لا توجد لدي آية معرفة طبية بحالة الفتاة لكني أيقنت أنها معرضة للموت إن لم تتلق العلاج على وجه السرعة. كانت حزمة الضوء المرتعشة الصادرة عن مصابيح السيارة تكتسح الكثبان وتضفي على الليل إحساساً بالوحدة هائلاً. على نحو متقطع كنت ألقي نظرة على مرآة الخلفيات التي تعكس لي وجه الفتاة وقسماتها التي شوهها الألم أسمع أنينها فأطمئن. ألا يدل الأنين على أن جسدها الصغير ما زال يقاوم الموت؟ لا أدري لماذا كان تفكيري يتجه نحو هزاع. من خلال الكوة الزجاجية في إحدى غرف المستشفى رحت أتأمل مياه نهر هادسن المنسابة ببطء تحت سماء كتيبة. عندما علمت بالخبر من الطبيب برسكوت خارت ركبتاي: «سرطان منفش. ما زلت أرى أمائر الدهشة التي اعترت أخي عندما أحطته علماً بقراري تابعت: «ما فائدة المال من دون الصحة؟» ورويت له بأدق التفاصيل مأساة الصغيرة أمينة. وشخبوط نفسه ألم ينتهز فرصة وجودنا في إنجلترا لاستشارة طبيب عيون؟ لا بد أنني كنت عاقد العزم على نحو رهيب حتى وافق في الحال في غضون الأشهر السنة التالية فتح مركز طبي أبوابه في العين. هل يجب التذكير بأن عاصمتنا كناية عن جزيرة؟ يتعين على من يريد القدوم إليها أن ينتظر حصول أقصى الجزر ليجتاز الرصيف الرملي، الجدير بالذكر أنني كنت العضو الوحيد في العائلة الذي يُسمح له بالإقامة في القصر سواء في حضور أخي أو في غيابه في ذلك اليوم استدعيت إلى البرزة أهم مالكي الأسواق، ونقلنا أطناناً من الرمال بلا معدات ولا رقاشات ولا ملاط وكرست أغلب أوقاتي لمتابعة تقدم الأشغال وحث الرجال ما وسعني الأمر. كانت المدرسة عبارة عن مبنى من خشب قادر على استيعاب أربعين تلميذاً من الصبيان - وضع سوف يتغير في ما بعد - وقد لبى مدرس أردني طلبي وجاء للإقامة في العين. وكان علي أن أقاتل حتى مع صديقي فارس - هل تعلم القراءة والكتابة يجعلنا أذكى أو أفضل؟ ما فائدة التربية التعليم؟ انظر إلى نفسك! أتظن أنك لو كنت تلقيت تعليما عالياً لكنت رجلاً أكثر تألقاً مما أنت عليه؟ إن ما لديك من قوة وطاقة ما كان لأي مدرسة أن تغرسهما فيك.