فأمِلَ أنْ يُصادِفَ فيها ما يمكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بهِ على شخصيَّةٍ نظرَ أوَّلَ ما نظرَ إلى الإمضاءِ، ولكنَّهُ لم يزد عنْ (أخوك عبداللهِ)، ولكنَّ الرّسالة كانتْ موجّهةً إلى (أخي العزيزَ أدامَهُ اللّهُ) ولم يجد بُدا من قراءَتِها. اضْطرَّ إلى التَّوقَفِ رافعًا عينَيْهِ إلى تاريخ الرّسالةِ، وامتدً بصرُهُ فوقَ الأسطرِ إلى الوجْهِ الباهِتِ المَشوبِ بزُرْقَةٍ مُخيفةٍ ذلكَ الَّذي تحقَّقَ لَهُ أكبرُ أملِ في الحياةِ ، ليدلٌ على اعتيادِهِ أيَّ شيءٍ، وعادَ إلى القراءةِ متجنبًا النَّظرَ إلى عيني الطبيبِ: فقدِ انزاحتْ عنْ صدري أمينةٌ وبهيَّةً وزينبُ في بيوتِهِنَّ، وكلَّما ذكرتُ الماضي بمتاعِبِهِ وَكَدْحِهِ وقلقِهِ وشقائِهِ أحْمَدُ واسترقَ النَّظرَ مرَّةً أخرى إلى الإنسانِ الرّاحِلِ، وانعزالِهِ وارتدادِهِ العميقِ إلى المجهولِ، والقلقُ والشَّقاءُ والأملُ الكبيرُ والنَّصْرُ المبينُ! وبعدَ تفكيرٍ طويل قرَّ رأيي على فهيهاتَ أنْ تتَحسِّنَ صحّتي طالما بقيتُ في المدينةِ، الحِسْبَةَ، والمعاشِ، ولذلِك قرَّرتُ أن أطلبَ إحالتي على المَعاشِ، إنْ شاءَ الله، وطوى الضّابط الرّسالةَ وهوَ يقولُ: -إنَّهُ موظف كَما يُفْهَمُ منْ خطابِهِ،