لقد شهد جبران خليل جبران تحولاً في أعوامه العشرة الأخيرة، من روح شعرية حالِمة إلى شخصية أقوى تتجاوز الخيال المحض نحو تعانق الحقيقة المجردة. لم يعد جبران اليوم هو جبران الأمس، فكاتب "دمعة وابتسامة" الرقيق قد تبدل إلى رجل متين، وهذا التحول واضح في أعماله اللاحقة. لكن "دمعة وابتسامة" حملت أهمية خاصة كونها أول نغمة من نوعها في الأدب العربي، خالفت ما سبقها، وأحدثت حركة تجديد شعر بها الجميع، وقد غيرت نظرة الناس للشعر والكاتب الحقيقي، وبدأ كثيرون بتقليدها. عندما طُلب من جبران جمع "دمعة وابتسامة" لنشرها، أجاب بأنها تمثل "عهداً من حياتي قد مضى". لكنه أقرّ بأن روح الشاب الذي كتبها "ترنم بأغنية علوية قبل أن يموت"، وأن هذه الروح قد تقمصت رجلاً يوازن بين حبه للقوة والعزم وحبه للظرف والجمال، يميل للهدم كالبناء، فهو صديق الناس وعدوهم. يعبر المؤلف في "دمعة وابتسامة" (المقال) عن رغبته في حياة تمزج بين "الدمعة" لتطهير قلبه وفهم أسرار الحياة، و"الابتسامة" لتقربه من الناس وتمجيد الآلهة. يتوق إلى مجاعة للحب والجمال، مقارناً حياته ودورة النفس في الوجود بدورة الأزهار والغيوم، حيث الشوق والوصال، والفراق واللقاء، والعودة إلى الله (بحر المحبة والجمال). يتناول الفصول الأربعة رمزياً؛ فالربيع يمثل بعث الحياة وتجدد الحب، والصيف يرمز للحصاد وجمع ثمار السعادة، والخريف للوداع والتأمل في حكمة الأجيال، والشتاء للعزلة والدفء والمواجهة الصامتة للظلمة، حيث تتجسد الوحدة والترقب في عناق الأحبة قبل سبات النوم العميق. في "حكاية" (قصة) يتأمل ابن زراع فقير في حبه لابنة الأمير. تتجسد فيها مأساة الطبقات، حيث يشعر الفتى أن الحب قد هزأ به، ولعنته الآمال المستحيلة. يشكو قسوة الحب وظلمه، ويتمنى الموت لإنقاذه من هذه الأرض. تظهر ابنة الأمير سراً، معترفة بحبها له، وتتخلى عن مجد والدها لتتبعه إلى البرية البعيدة. يمشي الحبيبان متخفيين في الليل، وتُكتشف جثتيهما لاحقاً مع قلادة ونقش يقول: "قد جمعنا الحب فمن يفرقنا، وأخذنا الموت فمن يرجعنا؟". في "مدينة الأموات"، يقارن الراوي بين صخب مدينة الأحياء المادي وصراعها الدائم، وبين سكينة وسلام مدينة الأموات حيث المساواة. يرى جنازة غني قوية تبعها خطباء وشعراء، ثم جنازة فقير بائس تتبعها زوجته وطفلها وكلبه، مما يدفعه للتساؤل عن موطن الفقير الضعيف في النهاية، فيأتيه صوت داخلي مجيباً: "هناك". أما في "موت الشاعر حياته"، فيصور جبران شاعراً يحتضر جوعاً في كوخ متداعٍ وسط مدينة غنية لاهية، ويحتضن الموت كمنقذ وحبيبة. يتخلى عنه الإنسان لأنه لم يطمع بالمال، فيدعوه الموت الجميل ليحل قيوده المادية ويضمه إلى صدره. يظهر طيف امرأة جميلة تمثل الموت، تعانقه وتمنحه قبلة اكتفاء، تاركة ابتسامة على شفتيه، ويصبح البيت خالياً. لاحقاً، وبعد أن يستفيق البشر من سباتهم، يجدون الشاعر الحقيقي فيقيمون له تمثالاً، في دلالة على جهل الإنسان وتأخره. في "بنات البحر"، تكتشف حوريات البحر جثة شاب في الأعماق. يتساءلن عن الحرب وقسوة الإنسان الذي طمع في السيادة على البحر، مما أغضب إله البحار. يجدن رسالة من حبيبته، تعبر عن ألمها وتشكو من الواجب والوطنية الزائفة التي تفرق المحبين وتدمر الأوطان، متمنية أن يجمعها به الحب في الحياة الآخرة. تستنتج بنات البحر أن قلب الإنسان أقسى من قلب نبتون. في "النفس"، يصف جبران خلق الإله للنفس بجمال ورقة ومحبة وعلم وبصيرة وشوق، ثم خلق الإنسان من عناصر الغضب والجهل والأنانية، منحه قوة عمياء وحياة (خيال الموت)، ثم جمعه بالنفس في محبة لا حدود لها. في "ابتسامة ودمعة" (قصة أخرى)، يراقب الراوي زوجين. الأول غني، يعد حبيبته بحياة مترفة ومادية، لا يبالي بالأزهار التي تدوسها أقدامهما. الثاني فقير، يعزي حبيبته الصابرة، مؤكداً أن حبهما العميق، الذي هو الله، سيمكنهما من تحمل الفقر والفراق. يفترقان مع وعد باللقاء مستقبلاً، أو في الحياة الآتية. يستنتج الراوي أن الحب هو القوة الأبدية التي تتجلد وتثمر في كل الفصول، ولا يمكن شراؤها بالمال. وتختتم المجموعة بـ "رؤيا" حيث يرى الراوي قفصاً فيه عصفور ميت عطشاً وجوعاً رغم قربه من الماء والحقول. يتحول القفص إلى هيكل إنسان شفاف والعصفور إلى قلب بشري ينزف، يتحدث عن سجنه بقيود قوانين الإنسان وشرائعه التي تعتبر رغباته الطبيعية عاراً، وكيف مات مهملاً بينما الإنسانية تبتسم. تتلاشى الرؤيا، ويعود الراوي إلى الواقع.