زيد بن حبيب بطل نادر الوجود، كسَب ذلك كلَّه من دينه الإسلامي الحنيف، لقد التقى مع عدد من كبار التابعين، فأخذ عنهم حبَّ الإسلام وشدة التمسُّك به، كما أخذ عنهم رواية سيرة الصحابة أنصار النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه الذين وقفوا معه صامدين في أشد الظروف وأحلك الساعات، فقدَّموا أنفسهم ودماءهم فداء للإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم فتأثَّر بهم، والزبير بن العوام، وأبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم - فكانوا قادة ميامين، عرَفوا النصر في ساحات القتال، جاهَدوا المشركين كما جاهدوا الفُرسَ والروم، وجاءت الفتوحات على أيديهم مؤيَّدين بنصر الله؛ أي: في بلاد الترك؛ وفي أقاليم أذربيجان وأرمينيا، فالتحق بجيش الجنيد بن عبدالرحمن الذي تولى إمارة خراسان وبلاد ما وراء النهر، كما كان يَنقُل الرسائل ما بين جيش وآخر، ليتمَّ التنسيق والتعاون بين الجيوش، فعرَفه سكان المدن والقرى الواقعة على الطرق من كثرة ترحاله وتردده بينها. وكم من أسد هائج حاول اختطافه من فوق فرسه فكان رمحه أسبق إلى نحر الأسد. وبينما كان في الطريق إلى عاصمة الإقليم (تفليس)، فنظر إلى مصدر الصوت فإذا فتاة تَصرُخ، وعلى يَمين الطريق صخرة فوقها نمر هائل يستعدُّ للوثوب عليها، فما كان من زيد إلا أن صوب رُمحه ولكز فرسه فانطلق طائرًا باتجاه النمر، وقبل أن يثب النمر فوق الفتاة، فاخترقه وخرَّ النمر مُيّتا من فوق الصخرة. نظرت الفتاة باتجاه الصوت، فوقعَت عيناها على فارس قويِّ الملامح، فوقفت فاقترب منها زيد وقال: الحمد لله على سلامتك، وتساءلت: من أين أتى هذا الفارس؟ لقد ساقه الله لإنقاذي من هذا النمر الكاسر، هكذا سمعت عن أخلاق المسلمين. ساعدَ زيد الفتاة إلى أن أوصلها إلى قريتِها، فأسرعت تُخبِر والدَيها بما حصل، كانت تلك القرية لا تزال تَدين بالنصرانية، وهي على حدود الدولة الإسلامية آنذاك، احتفى والد الفتاة بزيد فأكرمه وقدم له الزاد والشراب، مرت أكثر من سنة على زواج زيد من مريم، فكانت تتنقَّل معه من مكان إلى آخر، وبعد هذه المدة أنجبَت لزيد غلامًا سماه حبيبًا، فاتخذ زيد لزوجته مَسكنًا عند عشيرته؛ ليطمئن عليها وعلى ولدها حبيب، فكان مولعًا بالمُغامرات والصيد والقنص، كما استعمل منذ سنٍّ مُبكِّرة القوسَ والنُّشَّابَ، فكان يقفز على ظهورها قفزًا، ويقودها بلا ركاب أو لجام، فتطير سابحة به فوق رمال الصحراء، ثم يعود بها إلى الإسطبل. وكان إلى جانب هذا يداوم عند الشيخ أحمد مع عدد من أبناء الحي، فيتعلم عنده القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، لذلك جمع حبيب بين السيف والقلم، وكان والده معجبًا به أيما إعجاب، وعندما بلغ خمسة عشر عامًا، ظهرت عليه ملامح الفروسية والقوة، وأصبح كثير الشبه بوالده، وحُبِّب إليه الجهاد في سبيل الله، لكي يُتابع الفتوحات الإسلامية معه، فسُرَّ الوالد بذلك وقال: إنني أنتظر هذه الساعة المباركة. فقالت له: لا أستطيع منعك رغم حبي لك، وهناك كان الدرس عمليًّا في خوض غمار الحروب، المهمة الأخيرة لزيد: عن تمرُّد في "أذربيجان"، وأوقع بالمشركين "الخزر" هزائم متلاحقة، فقد كانوا طامعين في أذربيجان، لكنه كان في قِلة من أصحابه، بينما كان المدد يتدفَّق على الخزر، واختفت أسرتُه فلم يُعرَف مصيرها، وسقطت مدينة أردبيل بأيدي الخزر، ثم شرعوا في اقتحام المدن في أذربيجان والسيطرة على عدد منها. وندبَه لقتال الخزر. ومكث القائد سعيد مدة يُنظِّم جيشه لينطلق إلى قتال الخزر، لما يحمله من سلاح وتموين. ولهذا رأى القائد سعيد أن يبعث إلى زيد ليُكلِّفه بمهمة لا يقوى على أدائها غيره، فحضر زيد سريعًا، فقال له: عليك أن تَسبقني إلى أذربيجان، وطردِ الخزر وتأديبِهم، وقد اخترتك لهذه المُهمَّة لمعرفتك بتلك البلاد، ولأن ولاة المدن هناك يَعرفونك. فقال زيد: السمع والطاعة بما يأمر به القائد، ركب زيد حصانه القوي، فقطع البراري الشاسعة سريعًا، وتوغَّل داخل البلاد ليقوم بمهمته، فوجد الدمار قد حلَّ في أذربيجان، وقد نشروا جنودهم في كل مكان ليقطعوا الطريق على كل قادم، فقام بالتفاف حول الجبال الشاهقة، ثم استطاع الوصول إلى عدة مدن، فأخبَرَهم بالأمر وطلب منهم تَحصين مدنِهم، ثم تقدَّم من مكان الخطر أكثر، فهاله أن يجد أكبر مدن أذربيجان وهي "روثاب" تقع تحت وطأة الحصار الشديد، فلقد طوَّقها الخزر من كل الجهات، فاندسَّ بين بعض الجنود، وعلم أن المدينة تُريد التفاوض مع الخزر للاستِسلام، فقد طال الحِصار وضاق الأمر بالناس، وضعُفتْ عندهم روح المقاومة. وتحيا بلدة فيها آلاف المسلمين. كما تذكر ما سيحل بالرجال، سوف يَقتُلون كلَّ رجل قادر على حمل السلاح، ستقع كارثة إن لم أُسرع - بهذا حدَّثَ نفسَه - ثم ركب فرسه واقتحم خطوط الأعداء ليصلَ إلى أسوار المدينة، وقدموه إلى قائدهم فعرفه، قال: أنت حامل الرسائل؟ وأخيرًا سقطتَ في أيدينا، ماذا كنت تَحمِل لهذه المدينة؟ وأمرتُهم بالاستسلام لكم، هيا تقدم وأخبرهم بذلك، يا جند "روثاب" أطلوا واسمعوني. كل القادة يَضعون ثقتهم بك. قال: فإن جيش المسلمين قادم وهو قريب، وإياكم أن تستسلموا، هكذا يقول لكم القائد سعيد الحرشي. فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ودبَّت فيهم الحماسة. وما أن انتهى زيد من أداء الرسالة، حتى انهالت عليه سهام الخزر فخرَّ شهيدًا. فضحَّى بنفسه لإنقاذ البلد، ولما استطاع توصيل الرسالة إليهم. وعادت حماستهم للجهاد من جديد، وقويَت عزائمُهم.