لقد أسهم التخطيط في نشأة التنمية الاجتماعية، حيث يمثل فكرة التدخل المحورية فيها. واستناداً إلى الأفكار الطوباوية والنظريات الاجتماعية للتغيير الموجه، يؤكد المدافعون عن التخطيط على إمكانية توجيه العمليات الاجتماعية والاقتصادية بتدخل عقلاني لتحسين المجتمع. وقد اعتُمد التخطيط بشكل واسع عقب الحرب العالمية الثانية في الدول النامية حديثة الاستقلال، حيث شجعت الحكومات والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة مساعي تعزيز النمو الاقتصادي السريع والتحديث. ويدعو أنصار نظرية التحديث إلى تخصيص كافة الموارد المتاحة للاستثمار في الصناعة والمؤسسات الحديثة وتأجيل الاستهلاك، مجادلين بأهمية تقليص النفقات الاجتماعية ومنح الأولوية لبناء اقتصاد حيوي. عكست دعوة الأمم المتحدة للتخطيط في الخمسينيات من القرن الماضي هذا التوجه. فبينما حثت المنظمة على التخطيط الاقتصادي لتحقيق نمو سريع، روجت كذلك لـ "المدخل العلاجي" للرعاية الاجتماعية، والذي يقدم حداً أدنى من الخدمات الحكومية للفئات السكانية الأشد فقراً. هذا النهج لم يحد فقط من مسؤولية الحكومات تجاه التنمية الاجتماعية، بل عزز أيضاً فصل السياسة الاجتماعية عن التنمية الاقتصادية. مع ذلك، لم يلقَ المدخل العلاجي قبولاً واسعاً؛ إذ سعت الحكومات الوطنية في غالبية الدول النامية لتوسيع الخدمات الاجتماعية، معتبرة البرامج الاجتماعية جزءاً أساسياً من التحول نحو مجتمع حديث. وخصصت الكثير منها موارد معتبرة للتعليم والصحة، وقدمت أيضاً خدمات للضمان الاجتماعي والإسكان والخدمات الاجتماعية، وإن كان ذلك بنطاق أضيق. كما واجه المدخل العلاجي انتقادات لقصوره عن المساهمة في تلبية احتياجات التنمية الملحة. ففي العصر الاستعماري، كان مسؤولو الرعاية الاجتماعية يسعون لتحديد تدخلات اجتماعية تدعم مبادرات التنمية الاقتصادية، مما يتناقض مع المدخل العلاجي الذي ينظر إلى الرعاية الاجتماعية كاستنزاف للموارد بدلاً من كونها محركاً للتقدم. وبحلول الستينيات، ومع تصاعد الانتقادات، بدأت الأمم المتحدة بإعادة تقييم نهجها الأولي. وفي إطار تقييم الأمم المتحدة لموقفها الرسمي حول التنمية، تبين أن خبراء كـ جونار ميردال، وهانس سينغر، وبنجامين هيجينز قد حثوا المنظمة على اعتماد نهج جديد يتخطى التركيز المحدود على النمو الاقتصادي، ويهدف لدمج التخطيطين الاقتصادي والاجتماعي. عُرف هذا النهج بـ "التخطيط الموحد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية". وقد أقرت الأمم المتحدة عام 1971 عدة قرارات بهذا الشأن، ما يسّر انتشار التخطيط الاجتماعي بين الدول الأعضاء، وشجع على إجراء بحوث إضافية في القضايا الاجتماعية، ودعم تطوير مقاربات جديدة للرعاية الاجتماعية ضمن سياق التنمية، وأدى إلى وضع المؤشرات الاجتماعية. وكما بين مارشال وولف (1980)، شرع خبراء الأمم المتحدة أيضاً في التشكيك بنماذج التخطيط الاقتصادي المعتمدة في الخمسينيات، حيث كانت معظم خطط التنمية آنذاك تركز حصرياً على العوامل الاقتصادية كـ الاستثمار والتجارة وتنمية القطاعات الاقتصادية. وقلما تطرقت تلك الخطط للظروف أو القطاعات الاجتماعية الناشئة. وكانت مؤسسات التخطيط المركزية تُدار من قِبل اقتصاديين فقط، معتقدين أن الرعاية الاجتماعية ستتحسن تلقائياً بفضل خلق فرص العمل. إلا أن هذه الافتراضات تعرضت لانتقاد متزايد في ستينيات القرن العشرين. نتيجة لهذه التطورات، بدأت دول العالم الثالث في السبعينيات بتوسيع نطاق مؤسسات التخطيط المركزية لديها لتشمل التخطيط الاجتماعي. وأُنشئت أقسام جديدة للتخطيط القطاعي الاجتماعي، وعُين أعداد أكبر من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وغيرهم من العلماء للعمل عن كثب مع المخططين الاقتصاديين. وجرى سعي جديد لتعريف التنمية من منظور اجتماعي أوسع بدلاً من الاقتصادي الضيق. كما عُقدت دورات تدريبية للمخططين الاجتماعيين في الدول النامية ومؤسسات التعليم العالي بالدول الصناعية، مثل مدرسة لندن للاقتصاد. وتدريجياً، برزت مجموعة جديدة من الأدبيات لتحديد أدوار المخططين الاجتماعيين وتوفير قاعدة مفاهيمية لعملهم. خلال السبعينيات، بدأت الخطط الوطنية في تعريف التنمية من منظور الحد من الفقر ورفع مستويات المعيشة، وتزايد استخدام المؤشرات الاجتماعية مكملةً للمؤشرات الاقتصادية. كما شملت الخطط فصولاً تتناول مجالات قطاعية مثل التعليم والصحة والتنمية الريفية والإسكان وخدمات الرعاية الاجتماعية في بعض الدول. وسعى المخططون الاجتماعيون لتحديد العوائق التي تعترض تحسين رفاهية الأفراد. وبينما انشغل البعض بالعوائق الاجتماعية للتحديث الاقتصادي كـ التقاليد والنمو السكاني، ركز آخرون على دور الاستغلال وتركيز الثروة والقمع في إعاقة التغيير الاجتماعي التدريجي. والتزم العديد بتعبئة الاستثمارات لتكوين رأس المال البشري. وبناءً على أفكار عدد من المفكرين، بدأ العديد من الاقتصاديين يتقبلون أن الاستثمارات الحكومية في التعليم والصحة والبرامج الاجتماعية الأخرى تحفز النمو الاقتصادي، واستُخدمت هذه الأفكار على نطاق واسع كمبرر للتخطيط القطاعي الاجتماعي. وبحلول الثمانينيات، أحرز تقدم كبير في ربط التخطيط الاجتماعي والاقتصادي وتشجيع تبني نهج موحد للتنمية. لكن خلال أواخر السبعينيات والثمانينيات، وبسبب صدمتي النفط وارتفاع أسعار الفائدة العالمية الهائل، اضطرت العديد من الدول النامية للاستدانة. كما اضطرت حكومات كثيرة لطلب مساعدات إضافية للوفاء بالتزاماتها الائتمانية، مما أسفر عن فرض منظمات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي "شروط" سياسات التكيف الهيكلي. وقد قلصت هذه السياسات بشكل كبير تدخل الحكومة في الاقتصاد، وخفضت النفقات الاجتماعية، وحدت من التخطيط الاجتماعي. وبالتالي، واجهت مبادرات التخطيط الاجتماعي التي اعتمدت في السبعينيات عقبات كبرى، وتوقفت في بعض الحالات. لكن بعض الدول النامية تمكنت من الإبقاء على التزامها بالتخطيط الاجتماعي والاقتصادي الموحد. ولم يتخلَ عن التخطيط المركزي عالمياً، بل شهدت دول كثيرة تجدداً في الالتزام بالتدخل الاجتماعي. وإدراكاً لتكاليف التكيف الهيكلي، تبنت بعض مؤسسات الإقراض نهجاً أكثر مرونة، سمح بتبني برامج تهدف للحد من أسوأ تداعيات الشروط. وفي عام 1990، أدهش البنك الدولي العديد من خبراء التنمية الاجتماعية بنشره تقريراً شاملاً عن الفقر العالمي. ورغم اختلاف النهج الأيديولوجي في هذا التقرير عن ذاك المستخدم في السبعينيات، فإن التزام البنك بالحد من الفقر يشير إلى تجدد الاهتمام بالقضايا الاجتماعية، مما يوحي بإمكانية إعادة قبول التخطيط الاجتماعي كنهج فعال لتعزيز التنمية الاجتماعية. يتطلب النهج الموحد لتخطيط التنمية تنسيقاً دقيقاً بين الخطط الحكومية الاقتصادية والاجتماعية. ويركز هذا النهج بالتساوي على النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، ويستلزم مشاركة المخططين الاقتصاديين والاجتماعيين في التزام مشترك بتحسين رفاهية السكان. كما يتطلب تدريباً ملائماً للمخططين واكتساب الخبرة الفنية اللازمة لصياغة وتنفيذ سياسات اجتماعية واقتصادية فعالة. ويستدعي أيضاً التزام الحكومات بدعم النمو الاقتصادي وتعزيز الرعاية الاجتماعية، معتمداً على تدخل الدولة، الخبرة التقنية، والإرادة السياسية. ورغم أن التخطيط الاجتماعي والاقتصادي الموحد قد يُنتقد لكونه هرمياً وتقنوقراطياً، فقد أثبتت الظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة أنها مواتية لإحياء هذا المدخل وتبنيه. ورغم صياغة التخطيط الاجتماعي والاقتصادي الموحد خصيصاً للدول النامية، فإنه يحمل أهمية للدول الصناعية كذلك. ففي معظم الدول الصناعية، ترتكز السياسات الاجتماعية على نهج الإدارة الاجتماعية، حيث تكون البرامج الاجتماعية منفصلة تماماً عن مساعي التنمية الاقتصادية. وغالباً ما تُصاغ السياسات الاجتماعية دون الرجوع للسياسات الاقتصادية، بالرغم من اعتمادها على الاقتصاد للتمويل. وجزء من المشكلة يكمن في قلة الدول الصناعية التي تمتلك مؤسسات تخطيط مركزية مسؤولة عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي معاً. لهذا السبب، يمتلك المدخل الموحد صلة واضحة بالدول الصناعية.