في الناس كثيرًا من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة الأنبياء والحكماء من مدح الفضائل وذم الرذائل، ثم لا تجد فرقًا بينهم وبين العامة في ارتكاب المنكرات والنفور من الصالحات. فإذا سمعت ذكر العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ، وآية فهم المعلوم تأثر العالم به، وظهوره في حركاته وسكناته، فربما مرَّ بالمعلوم مُحَرَّفًا فأخذه على علاته. وأقبح ما عرفنا من أطواره أنه يجمع في حافظته بين النقيض ونقيضه، وجملة الأمر: أن الحافظ البحت لا رأي له في مبحث فيسأل عن مذهب، ولا ذوق له في الفهم فيعتمد على شرحه وتأويله. أما العلم المفهوم: فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو الهمة طار إلى المجد بجناحين، والعلم سلسلة طويلة طرفاها في يدي آدم أبي البشر وإسرافيل صاحب الصور، ولن يَسْلُس له ذلك إلا إذا كان علمه مفهومًا لا محفوظًا، ولا يكون مفهومًا إلا إذا أخلص المتعلم إليه، والمحترف لا يهمه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، كما لا يزور قلبًا مقسمًا بين تصفيف الطُّرَّة،