وهو الجبل الذي دَفَنَ عنده النّبي ﷺ من خيرة أصحابه، كعمه حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر وغيرهما ﵃ جميعًا-. وهو الجبل الذي قال فيه النبي ﷺ: «أحدٌ جبل يحبنا ونحبه». وقلوبهم تغلي حقدًا وحنقًا وغيظًا على المسلمين والإِسلام، وخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل يقودها أبو سفيان بن حرب لتحقيق الأهداف التالية: أولًا: استعادة مكانتها عند العرب بعد أن فقدتها بهزيمتها في غزوة بدر. عباد الله! وصلت الأخبار إلى النبي ﷺ بقدوم هذا الجيش لغزو المدينة، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد . وكان من رأيه- ﷺ ورأي الشيوخ وكذلك عبد الله بن أُبي ابن سلول المكوث في المدينة، ومقاتلتهم إذا دخلوها من الأزقة ومن أسطح البيوت. ثم قال لأصحابه: «لو أنا أقمنا بالمدينة، فإذا دخلوا علينا فيها قاتلناهم فقالوا: يا رسول الله، ثم دخل ﷺ فلبس لأمتهُ -أي لباس القتال- فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله ﷺ رأيه، فجاءوا فقالوا: يا نبي الله شأنُكَ إذًا -أي الرأيُ رواه البخاري (رقم ٣٦٢٢)، عباد الله! خرج النبي ﷺ بعد صلاة العصر من يوم الجمعة؛ في ألف مقاتل من المدينة إلى جبل أحد، وفي الطريق وبالقرب من جبل أحد انسحب من الجيش عبد الله بن أُبي ابن سلول رأس النفاق بثلث الجيش -ثلاثمائة مقاتل- وأراد بذلك أن يحطم معنويات الجيش- مدعيًا أنهُ لن يقع قتال مع المشركين!! معترضًا على قرار الرسول ﷺ بالخروج لقوله: (أطاعهم وعصاني) فكذب الله ابنَ سلول وأنزل الله على رسوله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] وهي تمييز المنافقين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وصححه الألباني. وانشقاقهم عن الجيش. الرأي الثاني: لا يرى قتلهم، وقد بينَّ الله ﷿ في كتابه موقف الفريقين في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨]. وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين، ففكروا بالعودة إلى المدينة، وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى، فقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى: ومسلم (رقم ٢٧٧٦). ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١). عباد الله! ولما انسحب ابن سلول زعيم المنافقين، هو ومن على شاكلته بثلث الجيش تبعهم عبد الله بن حرام- والد جابر بن عبد الله- ينصحهم بالثبات ويؤنبهم على العودة، وبذكرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان بالله واليوم الآخر وثقة بالإِسلام ورسوله، ﴾ [آل عمران: ١٦٧] عباد الله! وقبل أن يصل النبي ﷺ إلى أُحد استعرض الجيش، وأجاز مَنْ أجاز وكان ممن ردهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. أين تربى هؤلاء؟! على عقيدة التوحيد وعلى سنة رسول الله ﷺ. رواه البخاري (رقم ٤٠٥١)، وجعل ظهر الجيش للجبل وعيَّن أميرًا على الميمنة، وأميرًا على الميسرة، وانتقى من مهرة الرماة خمسين رجلًا فعينهم للحراسة على الجبل، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير ﵁ وأصدر ﷺ أوامرهُ المشددة للرماة فقال: «احموا ظهورنا، وأن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشرُكونا» (١). فبسطوا أيديهم كلٌّ يقول: أنا، فقال ﷺ: «من يأخذهُ بحقه؟» فأحجم القوم. فقال أبو دجانة: «أنا آخذهُ بحقه يا رسول الله، قال ابن إسحاق: كان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ١) صحيح رواه الحاكم (٢/ ٢٩٦). ٣) رواه مسلم (رقم ٢٤٧٠). قُتِلَ ﵁ (١). عباد الله! وعند جبل أحد تعبَأت قريش للقتال، العنصر الثاني: يوم التقى الجمعان وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦] واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان،