يتناول هذا الشرح لمعتقد أهل السنة والجماعة، كما جاء في اللامية المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مبحث رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى في الآخرة، استنادًا لقوله: "والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزلون". يُعد إثبات هذه الرؤية من أهم مسائل العقيدة التي يُميز بها أهل السنة والجماعة أنفسهم عن أهل البدع والفرق المخالفة. يؤكد أهل السنة والجماعة إثبات رؤية الرب عز وجل في الآخرة، حيث يراه المؤمنون حقيقةً، بينما يُحجب الكافرون والمنافقون عنه فلا يرونه، لأن الله عز وجل حجبهم. هذه الرؤية هي من أجلّ نعم الجنة وأعظمها. وتثبت للمؤمنين في موضعين رئيسيين: الأول في عرصات القيامة، والثاني في الجنة، وذلك قولاً واحداً لا خلاف فيه عند أهل السنة. والرؤية هنا رؤية إكرام وتنعيم، لا تضاهيها نعمة أخرى، وتكون حقيقية بالبصر أي بعيني الرأس، رداً على من يقول بأنها رؤية قلبية مجازية. تتعدد الأدلة الشرعية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة: * **من القرآن الكريم:** * قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (القيامة 22-23). فـ "ناضرة" الأولى تعني حسنة بهية مشرقة، و"ناظرة" الثانية تعني ترى بعين البصر حقيقة، كما فسرها كثير من السلف كابن كثير والحسن البصري. وقد أكد الحسن البصري: "حق لها أن تنظر وهي تنظر إلى الخالق سبحانه وتعالى". * استنباط الإمام الشافعي من قوله تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (المطففين 15)، أن حجب الكفار عن الرؤية يدل على أن المؤمنين يرونه؛ فلولا أن الأبرار يرون ربهم لما خص الكفار بالحجب. * تفسير السلف لقوله تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" (يونس 26)، حيث فسرت "الزيادة" بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا من أعلى النعيم. * **من السنة النبوية المطهرة:** * أحاديث صحيحة متواترة، منها حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما المتفق عليه في الصحيحين، حيث سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، أنرى ربنا يوم القيامة؟" فقال: "هل تضامّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟" قالوا: "لا". قال: "فإنكم ترون ربكم كذلك". يُفهم من "تضامون" عدم التزاحم أو الشك أو الضيم في الرؤية، بل رؤية واضحة ويقينية. * حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامّون في رؤيته. فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا". هذا الحديث يربط تحصيل هذا الفضل العظيم بالحفاظ على صلاتي الفجر والعصر (الصبح والعشاء). * حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". وهذا يدل على تفاوت درجات أهل الجنة في النعيم. ويُؤكد أهل السنة والجماعة أن التشبيه في هذه الأحاديث كقوله "كما ترون هذا القمر" أو "كرؤيتكم الشمس والقمر" هو تشبيه للرؤية بالرؤية في الوضوح واليقين ووقوعها الحقيقي الذي لا شك فيه، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي (أي تشبيهاً للرب سبحانه وتعالى بخلقه)، لأن الله عز وجل "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". ومثل ذلك إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أذنيه وعينيه عند تأكيد صفتي السمع والبصر لله، فليست للتمثيل، بل لتأكيد حقيقتهما وكمالهما. تُعد هذه الرؤية من أعظم نعيم الجنة على الإطلاق، بل هي أعلى من كل نعيم الجنة المادي، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث الصحيح: "فيكشف رب العزة الحجاب عن وجهه، فما أوتي أهل الجنة نعيماً أعظم من النظر إلى وجه الله عز وجل". هذا بالإضافة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى الذي يحل عليهم فلا يسخط عليهم بعده أبداً، وهما أعظم النعيمين.