الثلج مرتبطٌ دومًا بالمرح وضحكات الصغار وتسبيح الشيوخ والكبار، فهو موسمٌ لإعلان اللون الأبيض سيدًا وحاضرًا في كلّ مكان، وما إن تبدأ حبات الثلج بالهطول حتى تبدأ الضحكات بالتعالي، وترتسم في القلوب فرحة لا مثيل لها، فالناس يستقبلون الثلج كما أنه يوم عيدٍ قادم إليهم، ويعدّون انتظارهم له بمثابة انتظار للفرح والخير. إنّ أجمل ما في الثلج هو المنظر الذي تتساقط فيه حباته رويدًا رويدًا فتتجمع لتكوّن معًا لونًا أبيض ناصعًا يغمره اللمعان وتملؤه الدهشة، حتى أنّ الناس يتهيأون لقدوم الثلج بالعديد من المشاريع التي يخططون لها في رؤوسهم، فالبعض يجهز له الملابس المناسبة حتى يلعب بحبات الثلج أثناء سقوطها وبعد تراكمها، والبعض يظلّ متسمرًا عند النوافذ وهو يراقب تراكمه ويتمنى كما لو أنه يستمر بهذا التراكم أكثر ما يمكن. رغم البرد القارس الذي يأتي مع قدوم الثلج، إلا أنه بردٌ لذيذ يمنح الدفء للقوب والأرواح دون أن يدرك أحدٌ سرّ هذا التناقض العجيب الذي يجعل هطول الثلج مقترنًا بالسعادة، والأجمل من هذا أنّ الناس لا يكتفون بمراقبة هطول بلورات الثلج، وإنما ينتظرون توقف هذا الهطول وتراكمه ليلعبوا به ويُمارسوا طفولتهم كما يحبون، ويصنعون رجلًا ثلجيًا يلتقطون معه الصور الجميلة التي تنحفر في وجدانهم وذاكرتهم، فالثلج رغم أنه يغلق الطرقات وقد يقسو أحيانًا على أغصان الأشجار والأزهار فيكسرها، إلا أنه يحمل مفتاحًا لجميع القلوب المغلقة، فتنفتح له وتصبح أكثر فرحًا وحبًا وإقبالًا على الحياة بما تحمله من معانٍ راقية وجميلة. الثلج هو ملح الأرض والسر الكامن في جمالها، فالأرض التي يهطل عليها الثلج ويتراكم فوقها تشعر بالرضا الكبير، فيأتيها الربيع على شكل ثورة هائلة تتفتح فيه الورود كما لم يحدث من قبل، وتندفع فيه البراعم والأغصان بكامل قوتها وكأنّها تُعبّر عن امتنانها لوجود الثلج، والأجمل من كلّ هذا هو أن الثلج يجعل الأرض ترتدي حلة بيضاء تليق بها، فتبدو وكأنها عروسٌ جميلة في ليلة فرحها. لا عجب أن يفرح الجميع بقدوم الثلج، ولا عجب أن يكون الاحتفال به كاحتفال الأطفال بقدوم العيد، فالثلج يأتي محملًا بأسرار السحاب ليبوح بهذه الأسباب للأرض والأشجار والأزهار، ويخبرها بأنّ الطبيعة قادرةٌ على أن تُجدّد الأمل وروح التفاؤل في النفوس مهما كانت الظروف، فمرحى للثلج ومرحى لمواسم الخير التي يجود بها الشتاء في كل مرة يأتي بها إلينا.