الحداثة الأدبية بصورة عامة، والشعرية بصورة خاصة، تنادي أولاً وقبل كل شيء بإعادة النظر في الموروث الأدبي، وتدعو إلى انتهاك الأعراف الأدبية التقليدية وتجاوزها، أي الثورة عليها. فالحداثة هي الثورة والرفض من أجل التجديد والتطور؛ هي الجدة، ورؤية، ونمط، وتوجه في الحياة من أجل التغيير، برؤية فكرية تشمل الشكل والمضمون. جاء في "لسان العرب" لابن منظور أن الحديث نقيض القديم، والحدوث نقيضه القدمة، وأن "أحدثه" و"استحدثه" يعني جعله حديثاً، مما يؤكد أن الحداثة تعني الجدة. و"الحديث" هو الجديد من الأشياء. بالتالي، الملاحظ أن الحداثة لا تخرج عن إطار التمرد والثورة على القديم والدعوة إلى التجديد المستمر. أما في الثقافة الغربية، فيقع اللبس بين مصطلحي "مودرنتي" و"مودرنيزم" عند ترجمتهما كمقابل لمصطلح الحداثة العربية، الذي يختلف عن التحديث (Modernization). والحداثة هي مقاومة لثلاثة أطراف: الماضي، والحاضر، والذات. إنها رفض لكل ما هو قديم، ودعوة إلى التجديد وصولاً للإبداع على مستويي الشكل والمضمون. يشير البعض إلى أن "مودرنتي" مشتقة من "مود" (الصفة والشكل)، لكن الأهم ليس الشكل وحده، بل ما يثبت براهنيته وواقعيته. مفهوم الحداثة اصطلاحًا، عرفه الباحث المغربي علي وطفة بأنه "يأخذ مكانه اليوم في حقل المفاهيم الغامضة"، حيث يعاني من غموض كبير في الفكر الغربي الذي أنتجه، ويزداد هذا الغموض شدة في ثقافتنا العربية، مما يتطلب جهوداً علمية لتحديد مضامينه وتركيباته وجدواه، فهو من المفاهيم التي اكتنفها اللبس في بيئتيها (الغرب والعرب). ارتبط مفهوم الحداثة بكل ما هو جديد دون انحصار. ويؤكد جان بودريار أنها ليست مفهوماً سوسيولوجياً أو سياسياً أو تاريخياً ضيقاً، بل "صفة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد"، وتتضمن التطور التاريخي بأكمله والتبدل في الذهنية. وهذا يعني أنها ليست اتجاهاً في الأدب والنقد فحسب، بل هي نمط في الحياة والأفكار والآراء، ومنهج تغييري انقلابي غير قار وثابت، يتجدد باستمرار، يرفض الانصياع لكل قديم، ويدعو إلى التطور والتجديد وإعادة بناء الإنسان نحو أفق مفترض. أما المعاصرة، فبالعودة إلى القواميس اللغوية، نجدها مأخوذة من "العصر" وهو الدهر، كما جاء في قول ابن فارس وقوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر". المعاصرة، على وزن "مفاعلة"، تعني اجتماع شيئين في عصر واحد، فالشخص "معاصر" إذا أدرك أهل هذا العصر واجتمع بهم، والمقصود بـ"المعاصر" هو الكائن في العصر الحالي. في بعدها العام، تعني المعاصرة التواقت والتزامن بين مجموعة من الظواهر. وفي مجال الشعر، نفهم منها أن المشتغلين يعيشون ويتزامنون في ظروف حضارية واحدة، ويستلهمون أفكارها. الشعراء الذين يجتمعون تحت لواء المعاصرة يحركهم هدف واحد: الرغبة في الخروج بالشعر من مدائن القدم إلى ميدان التحديث مظهراً وروحاً. وفي الختام، الحداثة هي رؤية جديدة وموقف فكري أساسه الثورة والتمرد على ثلاثة مواقف: الحاضر، التراث، والذات.