وصار الأمر لعبد الملك بن مروان سنة ٦٥ه بعد أن حكم أبوه مروان ابن الحكم فترة قصيرة . فبعث مددا إلى زهير بن قيس وأمره بأن يستعيد القيروان وينتقم لمقتل عقبة . وكان كسيله قد استبد بالأمر في افريقية ، وثبتوا أقدامهم على السواحل التونسية . وتقدم زهير في حملته التأديبية إلى القيروان سنة ٦٩هـ. ولما علم كسيله بمقدم زهير ، انسحب من القيروان إلى مكان حصين جنوبها الغربي يسمى ممس وهناك في هذا المكان دارت معركة عنيفة بين الفريقين انتهت بهزيمة كسيله وقتله وزوده بأسطول بحري ، وأغلب الظن انها كانت في سنة ٧٣ أو سنة ٧٤ (٦٩٢ - ٦٩٣م) ووصل حسان إلى القيروان واتخذها مركزا لعملياته العسكرية . ثم رأى أن يتبع خطة عسكرية جديدة تقوم على لقاء أعدائه من الروم والبربر منفردين حتى يسهل عليه القضاء عليهم واحدا بعد الآخر قبل أن يتكتلوا ضده . وبدأ حسان بقتال الروم ، بفضل اسطوله ، على المدن الساحلية وطرد الروم منها . بعد ذلك توجه حسان بكل قواه نحو البربر البتر في جبال أوراس ، والتقى حسان بالكاهنة سنة ٧٥ه وكان قتالا مريرا انتهى بهزيمة حسان وانسحابه إلى اقليم برقة وهنا تروي المصادر الاسلامية أن الكاهنة رأت أن العرب لا بد وأن يعودوا ثانية إلى افريقية ، وتصورت أنهم لا يريدون منها سوى مدنها العامرة وما فيها من نفائس وخيرات وتنفيذا لهذه السياسة اندفعت الكاهنة وقومها نحو المدن والأراضي الشمالية يحرقون أشجار الزيتون والكروم مصدر ثروتها ، ويخربون المدن والحصون حتى صارت افريقية أرضا خرابا ولا شك أن هذا العمل أثار موجة من الذعر بين سكان تلك البلاد سواء أكانوا من الروم المعمرين أو من البربر البرانس المستقرين هناك وكان حسان يرقب عن كتب هذا الصراع القائم بين البرانس والبتر ، وسره بطبيعة الحال أن تضرب قبائل البربر بعضها بعضا ففي ذلك اضعاف للفريقين وانتهز حسان هذه الفرصة المواتية ، ولا شك أن ضخامة هذا الجيش ترجع إلى انضمام عدد كبير من البربر إلى صفوفه لمحاربة الكاهنة. وتقول الرواية إن الكاهنة تنبأت مقدما بنتيجة هذه المعركة ، وأمرت ولديها بالتوجه إلى معسكر القائد العربي والانضمام إليه ، أما هي فقد قررت أن تحارب حتى الموت . والتقى حسان بجيوش الكاهنة عند مدينة قابس ، فهزمها وأخذ يطاردها إلى أن قضى على جيشها وقتلها سنة ٨٢ه في مكان يعرف ببئر الكاهنة في جبل أوراس. فاتجه حسان إليها وشن عليها هجوما عنيفا مما اضطر البيزنطيون إلى الفرار في مراكبهم . واسترد حسان المدينة ولكنه أمر بتخريبها كي لا يعاود الروم النزول فيها مرة أخرى وفي أوائل خلافة الوليد بن عبد الملك (٥٨٦) عزل حسان بن النعمان وولى التابعي المشهور موسى بن نصير . فعمل على اصطناع البربر ، وأشركهم في جيوشه على نطاق واسع ، بفتح وبعد أن وطد موسى نفوذه في المغربين الأدنى والأوسط ، قام بنو المغرب الأقصى حتى شواطئ المحيط الأطلسي . ولم تستعص عليه سوى مدينة سبتة لمناعتها ، وكان يحكمها أمير نصراني من قبل القوط أو البيزنطيين يدعى يايان . واكتفى بأن عين مولاه طارق ابن زياد على ثغر طنجة المجاور لها ، وكلفه بمراقبة سبتة وتشديد الحصار حولها . ولم يقتصر موسى على هذه الفتوحات البرية ، بل عمل على تقوية اسطوله لضرب القواعد البحرية البيزنطية في حوض البحر المتوسط ، وساعده على ذلك توفر الاخشاب الصالحة لبناء السفن في المغرب. حسب الاتفاق المبرم بينهم وبين العرب ، تقطيع الأشجار ونقلها إلى دور الصناعة بالسواحل المغربية . وتجنب الخطأ الذي وقع فيه عقبة منذ عشرين سنة لعدم حصوله على اسطول مماثل يحمي ظهره وجناحه مما أدى إلى مصرعه . يضاف إلى ذلك أن موسى استطاع بفضل قوة بحريته أن يقدم بكل اطمئنان على فتح اسبانيا بعد أن ضمن سلامة خطوط مواصلاته الطويلة من خطر البيزنطيين أولا - الحالة في اسبانيا قبل الفتح العربي : كانت اسبانيا في الفترة الاخيرة من الحكم القوطي ، تعاني ضعفا سياسيا واجتماعيا يجعلها فريسة سهلة لأي فاتح يقبل عليها من الشمال أو الجنوب . فهناك : اولا : الطبقة العليا المكونة من الملك والنبلاء : وكان الملك القوطي يعين بالانتخاب لا بالوراثة من أسرة الفاتح القوطي الأول ، وعلى الرغم من محاسن هذا النظام الذي يجعل الحكم للأصلح ، إلا أنه أدى في النهاية إلى وجود تنافس مستمر بين النبلام للوصول إلى العرش ، لأن الدين في العصور الوسطى كان مسيطرا على كل شيء تقريبا لدرجة أن بعض الناس كان يعتقد أن رجل الدين في استطاعته أن يدخله الجنة أو النار . كذلك كان لرجال الدين نفوذ سياسي إلى جانب نفوذهم الروحي ، إذ كان عليهم أن يباركوا الملك الجديد بعد انتخابه ثالثا : الطبقة الوسطى : هذه الطبقة عادة هي الطبقة العصامية الحرة المستنيرة ، وقلتها تدل على اختلاله، رابعا : الطبقة الدنيا : هذه الطبقة كانت أكثر عددا من الطبقات السابقة ، ومعظم أفراد هذه الطبقة كانوا يشتغلون في مزارع النبلاء ورجال الدين ، وكانوا يقومون بالأعمال المالية والحسابية في دواوين الحكومة ، ولكنهم كانوا مكروهين بسبب اختلاف عقيدتهم، ولذا تعرضوا للكثير من الاضطرابات وعلى علم بأخبار الحرية الدينية التي كانوا يتمتعون بها في ظل الحكم الاسلامي ، وقد دفعهم هذا إلى محاولة اسقاط الدولة القوطية والاستعانة بالعرب