تأملات في ردهات الوداع بقلم: عبدالله عبدالمحسن الجاسم(أبو محسن) ولا يزالُ القلبُ يرتجفُ تحت وطأةِ زلزالٍ لم يُبقِ ولم يذر؛ واختارَ أن يطرقَ بابَ الفقدِ مرتين في أسبوعٍ واحد، ليأخذَ مني شقيقَ الروحِ (كامل) وأختي العزيزة، في رحيلٍ لم يكن مجردَ غياب، يسكنُ في تلافيفِ الذاكرة، ويحضرُ في كل فكرة، ويصبغُ كلَّ علاقةٍ مستقبليةٍ بلونِ الفراق. بل هو شعورٌ بفقدانِ "الكلِّ" في "الجزء"، ونقصانٍ في كل لحظةٍ كانت تزدانُ بوجودهما. فتستيقظُ مع صورةٍ، أو صدى صوتٍ، أو عبيرِ رائحةٍ من عالمِ أخي الذي غاب، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه الكونُ أجمع. لقد وجدتُ نفسي عقبَ رحيلِ هذا القلبِ القريبِ غارقًا في لُجّةِ التأمل؛ وكيفَ أنها كخيطِ دخانٍ لا يمكنُ التنبؤُ بمصيره. هناك، تفيضُ المآقي، أستحضرُ فيها شريطَ الذكرياتِ الجميلة التي تمنحني القوةَ لأبقى، سيظلُ هذا الحزنُ وشمًا أبديًا على جدارِ القلب؛ فقد كانت رحلتي الأخيرة معه في ردهاتِ المستشفى فصلًا من فصولِ الفجيعة التي لا تُمحى. دخلنا لطلبِ العلاج، ولم نكن نعلمُ أن الأقدارَ تخبئُ لنا الوداعَ الأخير. ما بدأ كفحصٍ روتيني انتهى بنبأٍ صاعقٍ نزلَ كالصاعقةِ وأنا في قلبِ المستشفى، ليكونَ الخبرُ خاتمةً لرحلةٍ طويلةٍ ومؤثرة، مثقلًا بذكرياتٍ لا تفتأُ توجعني كلما لاحَ في الأفقِ طيفُ ذلك المكان. حيث الصراع الدائم لتشخيص الداء وملاحقة الرمق الأخير. وفي الممرات، كانت أصوات الأطباء تتصاعد بأوامر حازمة للممرضات اللواتي يذرعن المكان بخطىً متسارعة، هناك، حيث تلمع الأرضيات وتصمت الجدران البيضاء ناصعة البرود، حين دخلتُ ردهة العناية المركزة، فـ "كامل" الذي عرفته مفعمًا بالحياة، صار الآن نسخةً هزيلةً ذابلة، بشرته شاحبة كلفافةٍ رمادية بالكاد تستر هيكلًا أتعبته الأوجاع، وجسده الذي كان بالأمس سندًا غدا واهنًا بلا قوة، يحيط به طوقٌ من الأجهزة المتطورة التي ترصد خفقات قلبه، وتمده بالسوائل التي تحاول جاهدةً إبقاءه في مدار الحياة. بينما التف حوله الطاقم الطبي بوجوهٍ غمرها مزيجٌ غريب من المهنية الصارمة والحزن الدفين. كانوا يعدّلون الأجهزة بدقةٍ متناهية، في مشهدٍ يجسد هشاشة الكيان الإنساني أمام جبروت الأقدار. وسط ذلك المشهد، جلسنا في صمتٍ مهيب، نتبادل لمسات الأيدي الراجفة، وننظر في وجوه بعضنا بصمتٍ يفوق بلاغة الكلام. كان ذلك الصمت صلاةً جماعية، تهمس فيها القلوب بدعاءٍ خفي، كنا نرقب الساعة ونشعر كأن الثواني دهورٌ من الانتظار المرير، كانت الرؤوس تنحني لتواري دمعًا صامتًا يبلل القمصان، تسارع الطاقم الطبي، وفي تلك البرهة، ساد صمتٌ غريب، خفتت معه أصوات الأجهزة لتعلن رحيل الروح إلى بارئها. وانحنيتُ أمام جلال الموت، عقب رحيله، فقد استحال الجوُّ إلى غلالةٍ من الكآبةِ الممزوجةِ بالتأمل، وغرقت الوجوهُ -من طاقمٍ طبيٍّ وعائلة- في بحرٍ من الذهولِ والفراغ. مثقلين بركامٍ من مشاعرِ الذنبِ وفجيعةِ الفقد. لقد حُفرت تلك اللحظة في وجداني، لتغير نظرتي للموت، وتُعيد صياغة فهمي للروابط البشرية التي لا تنقطع برحيل الأجساد. لقد كانت رحلتي معه في ذلك اليوم تجسيدًا للصراع بين الأمل واليأس؛ إنَّ مرارة ذلك اليوم، علمتني أنَّ قيمة الحياة تكمن في اغتنامها قبل أن يدركها الوداع المفجع. لكنه استوطنَ في روحي مقامًا لا يزول. لم يعد بيننا، حضورُه لم يعد ماديًا، وأجدُ في ضحكته المطبوعة في ذاكرتي ملاذًا من وحشة الطريق. حيث يزورني ليمنحني طمأنينةً تخبرني أنَّ الحبَّ أقوى من الموت، شوقٌ يشتعل في المناسباتِ وفي تفاصيلِ الأيام العادية، وامتنانٌ لأنني حظيتُ بشقيقٍ مثله. لقد تعلمتُ من رحيله دروس الصمودِ والنزاهة، سيظل (كامل) حيًا في تفاصيل شخصيتي، وفي كل فعلِ خيرٍ أسلكه، فالغيابُ ليس إلا صورةً أخرى من صور الحضورِ الأبدي في القلوب. وفي لحظات العزلةِ التي أخلو فيها بنفسي، فأنا لا أفتأ أستحضر طيفه في مرآة التأمل، وأتخيل وقع خطاه وصدى ضحكته، وكأنني بتلك الرؤيةِ الروحية أجسرُ الهوة التي أحدثها الفراق الجسدي. والأثر العميق الذي نقشه في وجداني، والنمو العاطفي الذي استمددته من صبره، كلُّها شواهدُ حيةٌ على أن جوهره لا يزال جزءًا لا يتجزأ من كياني وهويتي. يطوف بين الناس بنسماتِ المحبة، لم تكن رابطته بمجتمعه في "المطيرفي" وغيرها مجرد مشاركةٍ عابرة، وها هي الأيام تمضي، يطوي بعضها بعضًا، حتى أشرفنا على مرور أربعين يومًا على رحيله المرّ. أربعون يومًا لم تزدنا إلا يقينًا بعظم الفقد، إننا إذ نودع أيامه بيننا، لا يموتُ أبدًا في ذاكرة الطيبين، تغيب عن الأعين لتبقى دافئةً في ثنايا الروح. مَا زِلْتَ فِي قَلْبِي مُقِيمًا .