وَابْتَعَدْتُ عَنِ الْوَطَنِ طَوِيلاً، وَعُدْتُ إِلَى الْوَطَنِ وَعَوَامِلُ الرَّهْبَةِ وَالْإِشْفَاقِ تَتَغلَّبُ عِنْدِي عَلَى عَوَامِلَ الْبَهْجَةِ وَالْفَرْحَةِ، ذَلِكَ لِأَنَّنِي لَا أُحِبُّ بِلَادِي حُبًّا عَاطِفِيًّا فَحَسْبُ، وَلَكِنِّي أَيْضًا أَحِبُّهَا حُبًّا مَاديًا إِنْ صَحْ هَذَا التَّعْبِيرِ. فَحِينَمَا أَتَمَلَّى مِنْ أَشْجَارِهَا الْبَاسِقَاتِ فِي غَابَاتِهَا الْكَثِيفَةِ، وَأَسْبَحُ بِنَظَرَانِي فِي خَلَالَاتِهَا الْفِضَّيَّةِ الْهَادِرَةِ، وَأَعِيشُ بَيْنَ نُجُومِهَا الْمُتَلَالِةِ النَّيْرَةِ، وَأَسْهَرُ مَعَ قَمَرِهَا الْفَضْيِّ السَّاحِرِ، وَأَتَمَلَّى مِنْ نِسَيمِهَا الْعَطِرِ فِي صَيْفِهَا الدَّافِي، وَأَجُوسُ بَيْنَ قُلُوجِهَا الْبَيْضَاءِ المنقوشة في شَتَائِهَا الْمُعْتَدِل، أَشْعُرُ بِأَنَّنِي قِطْعَةٌ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. إِنْ حُبِّي لِبَلَادِي يَرْتَبِطُ بِالْحَجَرَةِ وَالشَّجَرَةِ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي يَصْنَعُ الْمُعْجِزَةَ عَلَى سَطْحِهَذِهِ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، فَلَا غَرَابَةَ إِذَا تَحَوَّلَ هَذَا الْحُبُّ إِلَى تَعَلَّقِ الْوَالِهِ الْمُتَيْمِ، وَلَا غَرَابَةَ إِذَا شَعَرْتُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْحَنِين كُلَّمَا اضْطَرْننِي الظُّرُوفُ إِلَى أَنْ أَغَادِرَ أَرْضَ الْوَطَنِ، وَلَوْ لِزِيَارَةِ بِلَادٍ مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَمِنْ أَكْثَرِهَا أَثَرًا فِي :نَفْسِي وَإِحْسَاسِي وَفِكْرِي. فَإِلَامَ يَعُودُ هَذَا الشُّعُورُ الَّذِي يَنْتَائِنِي كُلَّمَا هَمَمْتُ بِسَفَرٍ ؟ إِنَّهُ يَعُودُ فِيمَا أَعْتَقِدُ إِلَى ارْتِبَاطِي الْعَمِيقِ بِهَذَا الْوَطَنِالَّذِي بَعُدْتُ عَنْهُ طَوِيلاً حَتَّى إِنَّ مَشَاعِرِي الْبَاطِيَّةَ لَمْ تَعُدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَحَمِّلَ الْبُعْدَ عَنْهُ. وَتُحَبِّبُ الْحَيَاةَ يُد إِلَى النَّفْسِ وَتَجْعَلُ الْإِنْسَانَ فَخُورًا بِأَنَّهُ يَعِيشُ فِيهَا.وَقَدْ يُنَاقِشُنِي كَثِيرُونَ فِي هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ يُنْكِرُهَا عَلَيَّ الْكَثِيرُ، وَلَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنْ نَظْرَتَهُمْ إِلَى الْجَمَالِ إِنَّهُمْ قَدْ يَتَأَثَرُونَ بِمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ طَبِيعَةِ الْبِلادِ مِنْ مَظَاهر - - الْحَضَارَةِ، وَلَوْ عَادُوا إِلَى الْمَقَابِيسِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تُحَدِّدُ مَعْنَى الْجَمَالِ وَتَرْسُ -أَشْكَالَهُ لَكَانُوا جَمِيعًا مَعِي فِي أَنَّ الْمَغْرِبَ مِنْ أَجْمَل بِلَادِ الدُّنْيَا.