إن عالم الاتصال ينفجر تحت ضغط تعددية العقلانية المحلية، 1- عن هذه الترجمة : الهدف من هذا العمل في المقام الأول هو تقديم الكتاب المعنون ب"تاريخ نظريات الاتصال" وهو كتاب من تأليف كل من أرمان وميشال ماتلار الأستاذان بجامعة باريس الثامنة، غير أن تقديمنا سيخرج عن التقليد السائد في عرض الكتب، تؤرق الباحثين الشباب. وفي هذا السياق فإن ما قامت به المنظمة العربية للترجمة والتي يشرف عليها أكاديمي وعالم إجتماع محدث في حقله وهو الباحث التونسي الطاهر لبيب، وجدنا النص الأصلي-الفرنسي-للكتاب منغلقا على التاريخ الأوروبي، جاءت النسخة العربية من نفس هذا الكتاب لتغير فتضيف الجديد لقراءتنا الفرنسية للأثر ولنسق الكتابة التاريخية الخطية للمؤلفين. قرأنا الكتاب المنقول وقد خرج من أسر اللغة الفرنسية فبدت لنا كل تلك النظريات والأفكار وهي معربة قريبة منا كباحث عربي يهتم بعلوم الإعلام والإتصال. إذا ما أراد أي باحث أن يستفيد من كل ذلك الكم الهائل من المعلومات والنظريات التي يطفح بها كتاب أرمون وميشال ماتلار. ولعل هذا هو دور الترجمة وهو إخراج النص المنغلق على لغته وتحويله إلى لغة أخرى لتحيا به من جديد وهو ما يعنى نقله إلى ثقافة أخرى وخاصة عندما يتعلق الأمر بتخصص متعدد الإنشغالات الفكرية، وهنا علينا أن نرد لأصحاب الترجمة حقهم العلمي والأكاديمي، وهو أن ترجمة هذا الكتاب إن كان لها أن ترى النور فالأولى بها هما الأستاذان نصر الدين لعياضي والصادق رابح أستاذا الاتصال بكل من جامعتي الجزائر والإمارات العربية المتحدة. ففي كل ما تقذف به المكتبة العربية من أدبيات لها صلة بعلوم الإعلام والاتصال-على قلتها-تتربع إنتاجات الأكاديميين الجزائرين على سلم الإسهامات النوعية ذات الخلفية المعرفية. وتتميز جهودهم برغبة جامحة وأصيلة في تبيئة علوم الإعلام والإتصال قل نظيرها في المنطقة العربية رغم الحضور الكمي التواضع لها. ويستهدف هؤلاء الجامعيين من أهل الجزائر ضربين من الفعل الأكاديمي : الأول يتمثل في الترجمة ونقل أهم إتجاهات البحوث والدراسات الإعلامية في الغرب بشقيه الإنجلوسكسوني والأوروبي، والثاني يظهر لنا في محاولات لقراءة تراثية لعلوم الإعلام والإتصال في الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان نصر الدين لعياضي من بين المبشرين بترجمة عدد من الدراسات الفرنسية الناشئة في علوم الإعلام والإتصال مثل أرمان ماتلار ودانيال بونيو وبيار بورديو، في كتابه "وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع" . من جهة أخرى كان لعبد الرحمان عزي وهو خريج الجامعات الأمريكية الفضل في إستهداف الموروث الإتصالي العربي الإسلامي من خلال قراءات سوسولوجية لعبد الرحمان ابن خلدون ومالك بن النبي ، هذا بالإضافة إلى كتاب عمر مهيبيل "إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة". وإذا ما أردنا فسح مجال أكثر لفرضيتنا لقلنا أنه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إمتدت تيارات التأصيل الفكري والتاريخي النظري في أدبيات الإتصال والإعلام في المنطقة العربية، ويمكن –والمجال لا يسمح-التوقف عند كل من تجربة صالح أبو أصبع وعصام سليمان موسي وكلاهما من الأردن : الأول كتب عن إبن خلدون أيضا والثاني خصنا بكتاب عن "العرب وثورة الاتصال" الأولى أي الكتابة، واجتهادات راسم الجمال من مصر عن الإعلام والاتصال في العالم العربي. نعود إلى الجزائر وبشكل مقتضب وبالتحديد إلى جامعة الجزائز التي إشتغل بها المترجمان والتي تكاد تكون الجامعة الوحيدة في الوطن العربي التي لا يوجد بها قسم أو كلية للإعلام والإتصال بشكل منفرد. في جامعة الجزائر تعتبر علوم الإعلام والإتصال ملحقة بكلية العلوم السياسية ولازال قسم الإعلام يترعرع في ظل تخصصات وعلوم ضاربة في القدم وفي الصرامة الأكاديمية، في بقية الدول العربية ومنذ بداية التسعينات إتجهت كل أقسام الإعلام والاتصال إلى الاستقلالية الأكاديمية وهو إعلان على ميلاد قطيعة إبستمولوجية بين نظريات الإتصال والنظريات السياسية والإجتماعية وغدت تلك الكليات والأقسام عبارة عن مجموعة معلقة من المختبرات في فنون الملتميديا والإخراج والتصوير، فركنت الخلفية الأكاديمية بعيدا لصالح مرجعية تسييرية براغماتية تتستر وراء ثورة المعلومات والإتصال والعولمة وإحتياجات السوق وغيرها من الشعارات التي لا يستقيم لها حال عندما نغوص في ماهية العملية الإتصالية وصلاتها بالمجتمع والسياسة والاقتصاد وخاصة في الحالة العربية. وهو ما لم يقطع صلة هؤلاء بالتقاطعات الكبرى لعلوم الإعلام والإتصال من علوم إجتماعية وسياسية ونفسية وإقتصادية . في بقية الأقطار العربية تحيل القطيعة بين حقول المعرفة الكبرى وعلوم الإعلام والإتصال إلى قطيعة معرفية ونسف لمجمل المرجعيات التي على أساسها ظهرت ولازالت علوم الإعلام والإتصال والتي تعتبر وبشهادة الجميع أنها تخصص متعدد ومتداخل لا يمكن عزله عن محيطه السوسيولوجي والسياسي. ينزع إلى التأصيل ويبحث عن اعتراف أكاديمي ومعرفي. 2- العمق التأليفي : نأتي إلى الكتاب والذي يمكن وصفه بالكتاب التأليفي فهو خلاصة لأهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية التي على هديها أخذت علوم الإعلام والإتصال في الغرب صورتها الحالية وهي إحدى ركائز قوة الكتاب. ونعرف في مجال البحث العلمي الأكاديمي قيمة وعناء المغامرة التأليفية ومزاياها. ميزة الكتاب الثانية هو أنه جاء عبارة عن ذهاب وإياب بين المدرسة الإنجلوسكسونية ذات الأصول الأوروبية والمدرسة الأوروبية الصرفة. فنحن نعرف أن الحرب العالمية الثانية دفعت بخيرة النخب والباحثين الألمان والمجاورين لألمانيا وخاصة منهم اليهود إلى الهجرة لأمريكا والتفاعل مع إتجاهات جديدة هناك ليتركوا بصمات النزعة الأوروبية التجريدية والذهنية في مواجهة نزعة براغماتية إجرائية أمريكية في معالجة البحوث الإجتماعية. وهو ما يدفعنا إلى ضرورة التأكيد على وجود حالة من التداخل والغليان الفكري بين أغلب الاتجاهات البحثية في هذا التخصص وأن حدود التبان تبدو ضئيلة في أكثر من موضوع. يحتوى الكتاب المترجم على سبعة فصول ومقدمة للمترجمين ومقدمة للمؤلفين وثبت للمصطلحات وترجمتها من اللغة العربية إلى الفرنسية هذا بالإضافة إلى قائمة ببليوغرافية غنية لكل باحث معنى بتاريخ وإمبستيمولوجيا نظريات الاتصال. وتميزها بالشمولية، ويبدو أن السبب المباشر من وراء هذه المغامرة في الترجمة يعود بالأساس إلى "إمكانية أن تشكل نظريات الإتصال المدخل الصحيح لمناقشة الثقافة العربية، لعل هذا هو أحد أسباب انشغالنا بعرض وتقديم مفردات هذا الكتاب كمساهمة في التعريف به، لأنه كتاب يتجاوز الاتصالي لنقد المعرفي الكامن فيه. إذ يعتبر علما/ملتقى للكثير من التخصصات العلمية Interdisciplinary)) . ويقدم المؤلفان الهدف من مشروع هذا الكتاب "فهو يسعى إلى تعريف القارئ بالتعددية والإنشطارات/التوزع التي يعرفها هذا الحقل المعرفي، بين البيولوجي والإجتماعي، بين الطبيعة والثقافة، بين الدراسات الشاملة والمحدودة، بين القرية والكرة الأرضية، بين الفاعل الإجتماعي والنسق الإجتماعي، بين الفرد والمجتمع، " 3- النظام الاجتماعي : الإتصالات الإذاعية، ، هذا بالإضافة إلى مفهوم التطور الذي أعتبر من المفاهيم المحورية المؤسسة لتحليل أنظمة الإتصالات. ومن بين مميزات هذا النظام تبلور فكرة "سيكلوجيا الحشود" أو بالتعبير التجاري الحديث "الجمهور" والتي تزامن ظهورها مع النقاشات الواسعة حول الطبيعة السياسية للرأي العام الذي تم تحريره من الإكراهات التي كانت مفروضة على حرياته، ولا سيما حرية التجمع. ارتبط الاتصال في الولايات المتحدة منذ العقد الأول من القرن العشرين بمشروع بناء علوم اجتماعية مؤسسة على قواعد إمبيريقية، حيث مثلت "مدرسة شيكاغو" نقطة الانطلاق الأولى لهذا المشروع والذي تعتمد في قراءتها على المدينة بوصفها "صورة طيفية للمجتمع". أما سنوات الأربعينات، اشتهر باسم "بحوث وسائل الاتصال"، وهو ينزع في قراءته للظواهر التي يدرسها إلى التحليل الوظيفي، معتمدا في مقاربته البحثية على الدراسات الكيفية التي رأى أنها أفضل الأدوات المنهجية في الاستجابة لما يطرحه القائمون على وسائل الإعلام. التي تهتم بدراسة التفاعلات الاجتماعية التي أسست لظهور سوسيولوجيا فرعية مهتمة بالتجليات الذاتية للفاعل الاجتماعي. ويمكن في هذا السياق التوقف عند أعمال عالم الرياضيات والمنطق تشرلز بيرس مؤسس البراغماتية والسيميائية كمنهجية استجلاء مفاهيمي في وضع أسس نظرية العلامات أو السيميائية. في مقاربة تاريخية يذهب الباحثان إلى أن ظهور المفاهيم الأولى لتيار بحوث وسائل الاتصال الجماهيري يعود إلى سنة 1927، وقد عرفت تقنيات الاتصال في هذه الفترة مثل التلفون والسينما والإذاعة قفزات كبرى لم تعرفها من قبل. فلقد توصل لاسوال سنة 1948 إلى تزويد السوسيولوجيا الوظيفية لوسائل الإعلام بإطار مفاهيمي، "تحليل وسائل الإعلام أو الحوامل"، 5- نظرية المعلومات منذ نهاية الأربعينات، على شرعيتها النهائية باعتبارها رمزا يمكن إخضاعه للتكميم (من كمية)، بالنسبة له تكمن في إعادة إنتاج رسالة ما بطريقة دقيقة أو تقريبية من نقطة ما مختارة إلى نقطة أخرى. ومفسر الشيفرة (Decoder) أو المتلقي، وأخيرا الوجهة (destination)، فإذا ما أردنا تخفيف التكلفة إلى حدودها الدنيا، في "المعلومة". وبالرغم من أنه دعا بكل قوة إلى تخليق هذا النموذج الأعلى لـ"مجتمع المعلومات"، إلا أنه حذر في نفس الوقت من مخاطر الانحرافات التي قد يحملها. كالنزوع للطبيعة على تدمير ما هو منظم وتسريع ظاهرة التخريب البيولوجي والفوضى الاجتماعية، حيث أن كل منهما يمثل الوجه السلبي للآخر". ورياضيات وسوسيولوجيا وعلم النفس، بدأ تاريخ هذه المجموعة والتي عرفت باسم "المجمع الخفي" أو مدرسة "بالو ألتو" نسبة إلى مدينة صغيرة في إحدى الضواحي الجنوبية لسان فرنسيسكو في سنة 1942 بمشاركة غوفمان Goffman وواتزلويك Watzlawick. لقد تركت الجماعة النموذج الخطي للاتصال لشانون، وتبنت النموذج الدائري الارتدادي الذي اقترحه وينر، الأيديولوجيا والسلطة درست السوسيولوجيا الوظيفية وسائل الإعلام بوصفها أدوات جديدة للديمقراطية الجديدة، وآلية مركزية في تنظيم المجتمع. وصاغت في هذا السياق نظرية تعطى الأولوية لمسألة إعادة إنتاج القيم المجتمعية للنظام، رافضة أن تأخذ بمسلمة أن التجديدات التقنية ستؤدى، حتما إلى تدعيم الديمقراطية. وبعد عشرين سنة ولدت الحركة البنيوية في فرنسا، استحدث أدورنو وهوركهايم، في منتصف الأربعينات مصطلح "الصناعات الثقافية" إذ قدما دراسة نقدية للإنتاج الصناعي للمواد الثقافية باعتبارها ظاهرة شاملة تهدف إلى تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلع. فالمنتجات الثقافية من مجلات وأفلام وبرامج إذاعية تحيل على نفس العقلانية التقنية، ونفس الصيغ التنظيمية والتخطيط الإداري المتبع في الإنتاج الصناعي للسيارات أو المشاريع الحضرية : "لقد تم الإعداد لكل شيء مسبقا، ليجد كل فرد ما يناسبه، بحيث لا يستطيع أحد الفكاك". فالصناعة الثقافية توصل بضائعها المتماثلة إلى أي مكان، بكل تأكيد بصمة الصناعة الثقافية : إنتاج غزير-تماثل معياري-تقسيم عمل. بل مردها إلى وظيفة التكنولوجيا في الاقتصاد الحالي ، "إن العقلانية التقنية، إن العقلانية التقنية هي "الخاصية القسرية" للمجتمع المغترب عن ذاته. إن الصناعة الثقافية هي علامة واضحة على إفلاس الثقافة أي سقوطها في السلعنة (التسليع). فالصناعة الثقافية هي العلامة الفاصلة على تراجع الدور الفلسفي/الوجودي للثقافة. إن العمل الذي بدأته "مدرسة فرنكفورت" على المستوى الفلسفي ثم السوسيولوجي، وإن كان أقل شأنا من المستوى الأول (نظرية الثقافة الجماهيرية والدراسات حول الشخصية التسلطية)، فقد أكمله هابرماس في مؤلفه "الفضاء العمومي"، وذلك بالتركز على استعادة وبناء الإطار التاريخي الذي شهد تراجع هذا الفضاء، يسمح بالمناقشات العامة المؤسسة على الاعتراف الجماعي بفضائل العقل وقوته وخصوبة التبادل القائم على الحجة بين الأفراد،