في الأدب العربي اليوم فكرتان تتصارعان: فكرة تحصر غاية الأدب في اللغة، وفكرة تحصر غاية اللغة في القصد منه. فذوو الفكرة الأولي لا يرون للأدب من قصد إلا أن يكون معرضا لغويا يعرضون فيه على القارئ كل ما وعوه من صرف اللغة ونحوها، وبيانها وعروضها، وقواعدهاr وجوزاتها، ومتناقضاتها ومترادفاتها، وحكمها وأمثالها. فشاعرهم من إذا نظم لم يخل بتفعيل و لم يتعد الروي الواحد، ولم يختر من المفردات غير ما يشكل فهمه إلا على الذين قضوا حياتهم في درس اللغة دون سواها. وإذا أبدى عناية خاصة بصقل أبياته وتنسيق قوافيه، وأكثر من الاستعارات البالية والمجازات المألوفة، والتشابيه العوجاء، والتوريات الخرقاء، فهو أمير الشعر بلا مراء. (. أصحاب الفكرة الأولى ينظرون دائما أبدا لا إلى ما قيل بل إلى كيف قيل. هو : هل هو صحيح اللغة ومتينها (؟) فإذا كان كذلك فهو بنظرهم أدب . أما إذا عثروا فيه على تاء طويلة بدل القصيرة. وألف ممدودة بدل المقصورة وهمزة كرسيها الياء بدلا من الألف. وفعل متعد بـ «إلى» بدلا من «على». فهو ليس من الأدب بشيء. (.. ) أما أنصار الفكرة الثانية الذين يحصرون غاية اللغة في الأدب فهم ينظرون قبل كل شيء إلى ما قيل ومن ثم إلى كيف قيل. لأنهم يرون في الأدب معرض أفكار وعواطف، معرض نفوس حساسة تسطر ما ينتابها من عوامل الوجود، وقلوب حية تنثر أو تنظم نبضات الحياة فيها، لا معرض قواعد صرفية نحوية وكشاكيل عروضية بيانية. فالفكر، في دينهم، أهم من لغة المفكر لأنه صادر من بحر الوجود الذي ليست الأرض وكل من عليها من الشعوب سوى قطرة منه. أما اللغة مهما اتسع نطاقها وامتد نفوذها فلا تتعدى قسما صغيرا من البشرية. بل مهما عز مقامها لا تتجاوز كونها لباسا للفكر. وأكثر ما يرتجى منها أن تكون لباسا جميلا.