بعد تجربتي إحياء النموذج وسؤال الذات وجد الشاعر العربي أن ما قام به الشعراء في تلك المرحلة لم يكن ليفيد المجتمع العربي، ذلك أن الواقع الذي تعيشه الأمة مليء بالهموم من استعمار وتخلف وانحطاط، فكيف للشعر أن يبقى بعيدا عن التعبير عن هذا الواقع ويكتفي بالتعبير عن الذات أو التقليد والمحاكاة، إن واقع الأمة العربية في القرن العشرين قد أكسب الشاعر العربي المعاصر وعيا بقضايا أمته، وتطور هذا الوعي ليصبح رؤيا شعرية رام من خلالها البحث عن حلول مناسبة لهذا الواقع، غير أن الشاعر وهو يحاول التعبير عن هذه الرؤيا الشعرية اصطدم بالأشكال الشعرية التقليدية التي لم تسعفه في ذلك، فقرر أن يكسر هذه البنية ويعوضها ببنية شعرية أخرى قادرة على نقل أفكاره ومشاعره وهكذا انتقل من نظام الشطرين إلى نظام السطر الشعري، ومن الصور التقليدية إلى صور شعرية مستحدثة تعتمد التأويل والإيحاء إضافة إلى تطويع اللغة وجعلها أداة وليست غاية، ومن الرواد الأوائل الذين اضطلعوا بهذه المهمة نجد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وقد اهتم النقاد بهذه التجربة الشعريةمن الناحية النظرية حيث كتبوا عنها عددا كبيرا من النصوص النقدية النظرية فعرفوا بها وبخصائصها، ومن هؤلاء النقاد نجد محمد زكي العشماوي الذي كتب عددا من النصوص التي تعرف بهذه التجربة الشعرية منها هذا النص الموجود بين أيدينا والمأخوذ من كتاب "دراسات في النقد الأدبي المعاصر"، ومن خلال ملاحظة بداية النص ونهايته، نفترض بأنه نص نظري يعالج قضية تكسير البنية، فما القضية التي يطرحها النص والعناصر المرتبطة بها؟ وما مظاهر تطور حركة الشعر الحر كما وردت في النص ؟ وما الطريقة المعتمدة في بناء النص وكذا الأساليب الموظفة في عرض القضية ؟ وما مدى صحة موقف الناقد من حركة الشعر الحر ؟مرحلة التحليل:يتمحور هذا النص حول فكرة أساسية وهي أن شكل القصيدة القديمة لا يصلح أن يعبر عن التجربة الشعرية الحديثة، وفي الوقت نفسه فإن الشعر الجديد ليس اعتداء على القصيدة الموروثة، من هذه الفكرة المحورية تتفرع ثلاث أفكار أساسية ففي الفكرة الأولى يتحدث الناقد عن البنية الإيقاعية لهذا الشعر والتي قد تبدو للناظر أنها مجرد كلام منثور، والحقيقة أن الشاعر الحديث يعتمد إيقاعا شعريا مرتبطا بالبحور الخليلية الصافية، واختيار الشاعر لهذا النظام الإيقاعي الذي تتحكم فيه التفعيلة، ويطول فيها السطر الشعري ويقصر بحسب ما يحتاجه انفعال الشاعر وصدق تعبيره ورغم هذا التغيير فإن الشعر الحديث - بهذه البنية الإيقاعية - يحقق الإيقاع المنشود في الفكرة الثانية يبين الناقد طبيعة الصورة الشعرية في الشعر الجديد وهي صورة لها علاقة بعقلية الإنسان الحديث، بل على العكس من ذلك، هي لغة قادرة على بث الحرارة والحياة والإثارة في المألوف من كلمات الحياة التي تعيش في نفوسنا.من مظاهر التطور في حركة الشعر الحر كما حددها الناقد نجد في مستوى البنية الإيقاعية أن قصيدة الشعر الحر قد استفادت من نظام البحور الصافية كالرمل والهزج والكامل نظرا لملاءمتها لطبيعة هذا الشعر، كما أنها اعتمدت نظام التفعيلة الذي استخدمه الشاعر بشكل يستجيب لانفعالاته، كما أن القافية لم تعد تستخدم بالطريقة التقليدية في البيت الشعري، أما الصورة الشعرية فقد أصبحت تعتمد عقلية الإنسان الحديث المتعلم والمتفوق، أما لغة الشعر الحديث، فقد تميزت بأنها ليست لغة ضعيفة ومُسفّة وفاترة كما يظن رواد المدرسة التقليدية، بل إنها لغة مألوفة فيها كثير من الإثارة والحياة.اعتمد الناقد في هذا النص النظري طريقة استنباطية حيث بمقدمة افترض فيها الحكم وهو أن شكل القصيدة الحديثة ليس اعتداء على القصيدة الموروثة، ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة العرض التي ذكر فيها ما يتميز به الشعر الحر من خصائص على مستوى اللغة والصور والبنية الإيقاعية ليصل في الخاتمة إلى التأكيد بأن هذه التجربة الشعرية لم تكتمل بعد، ورغم يجب الافتخار بها.من أجل إقناعنا بأفكاره وظف الناقد عددا من الأساليب الحجاجية منها أسلوب اللغة التقريرية المباشرة والتي ساعدت على التواصل الصحيح مع القارئ، كما اعتمد أسلوب التوكيد كما في قوله "لاشك أن شكل القصيدة القديمة لا يصلح للتعبير عن التجربة الجديدة"، إضافة إلى أسلوب المقارنة حيث وجدناه في كثير من الأحيان يقارن بين خصائص المدرسة التقليدية وخصائص الشعر الحديث، كما اعتمد أسلوب القياس باعتماده الطريقة الاستنباطية في التحليل، وأسلوب التقسيم عندما قسم الخصائص الفنية إلى ثلاثة أقسام وهي اللغة والصور الشعرية والبنية الإيقاعية، وأسلوب الشرح والتفسير عندما شرح لنا خصائص التجربتين الشعريتين التقليدية والحديثة، واستعان أخيرا بأسلوب التعريف حيث انصب النص كله على التعريف بخصائص الشعر الحر.مرحلة التركيب:بعد أن انتهينا من تحليل هذا النص النظري، تبين لنا أن الناقد قد ركز يه على خصائص الشعر الحر في مقارنة صريحة بخصائص المدرسة التقليدية، كما عبر فيها عن موقفه من هذا الشعر، وهو موقف المنتصر له، فالناقد يؤيد هذا الشعر ويؤكد أنها تجربة فريدة من نوعها تستحق أن تحترم، ورغم أن هذه التجربة لم تنضج بعد، فإن الناقد أبدى اعتزازه و فخره بها، كما أكد أنه سيصارع هو ومن ينتصر لهذه التجربة حتى تصبح في مصاف التجارب الشعرية العالمية الرائدة، وأنا أتفق مع الناقد في كثير من الأفكار التي طرحها لأن هذه التجربة الشعرية، ورغم أنها تظهر بأنها تعتدي على القصيدة الموروثة،