كان سيزار غارقاً خلف شاشة حاسوبه، وقد انعكس ضوء الأكواد على عدسات نظارته التي عدلها ببرود. كانت ميلان تتحرك بخفة بين الرفوف، وضعت ورقة صغيرة على طاولته الخشبية ومضت في طريقها كأن شيئاً لم يكن. أدرك سيزار فوراً أن خلف هذه الورقة أمراً طارئاً لا يحتمل التأجيل. وتحديداً عند صخب الكافتيريا، وقف برناندو أمام منصة الطلبات. صاح فريد بلهجته المعتادة: "نعم أيها الشاب، ماذا تطلب؟" وبينما كان يرتشف منها، فالخطر لا ينتظر أحداً. دخل برناندو إلى المكتبة، واختار الجلوس أمام سيزار مباشرة على طاولة يحيط بها الطلاب. وضع حاسوبه الشخصي بينما تعمد سيزار تجاهله تماماً؛ فمنذ شجارهم العلني مع "مجموعة ستيرلينج" كان عليهم إقناع الجميع بأن الود مفقود بينهم، رغم أن الحقيقة كانت تُكتب الآن في نافذة دردشة سرية بين الجهازين. لمعت ابتسامة على طرف شفتي سيزار حين استلم إشعاراً من برناندو. وخلفها صديقتان تتهامسان بخجل. هل يمكنك مساعدتنا؟ أنا وصديقاتي لم نفهم هذا الجزء. ومدت دفترها نحوه. أجابها برناندو بابتسامة وبدأ في الشرح. بينما كان سيزار يراقب المشهد بسخرية. نقرت أصابع سيزار رسالة أخيرة قبل أن يغلق حاسوبه وينهض للمغادرة. خرج سيزار من المكتبة، مستر سيلفر بصوت منخفض: "سيزار، جيد أنك خرجت. أحتاجك في أمر عاجل. التشفير الجديد لنظام المراقبة في (المبنى 24) بدأ يعطي إشارات خاطئة. وأخشى أن أحداً ما يحاول اختراق الخادم الرئيسي من الداخل. لا أثق بأحد غيرك للتحقق من سلامة البيانات قبل اجتماع الاباء طلاب غداً إنها مهم للغاية. بينما كانت عيناه ترصد الممر، مستعداً للغوص في أعماق الأنظمة الرقمية مرة أخرى فهذه كانت فرصته. يخيم الظلام على أركان الغرفة، الخريطة المفرودة تظهر مسارات البحر الفيروزي. ملامحهم جامدة. بنبرة باردة وهو يشير للشاشة: "177. هذا هو العدد. سينهار الباقون خوفاً على مصالحهم. دعوة سرية، باسمي الشخصي: آيزر فولكوف. آيزر: "سأدعوخم على مائدتي، لكنني لن أكون في استقبالهم. آيزر: "آريس. بما أن وجهي لا يعرفه أحد. سوى بعض المتطفلين. سيرينا: بحدة وهي تضيق عينيها "أنت! ماذا تقصد؟ كن واضحاً!" مكملاً: "على أي حال، آريس سيأخذ مكاني. خطة "مائدة الشمس" آيزر والهنوف: دراسة هيكل اليخت بدقة لزرع المتفجرات في اللحظات الأخيرة. (السبب: تجنب كشف المؤامرة في حال التفتيش المسبق). سيرينا: عين الفريق في غرفة التحكم. جهاز التفجير سيكون تحت يدها مباشرة. التفت آيزر نحو آريس، "مهمتك هي الأصعب في نظري . ستمنحهم وجهاً يثقون به، ستجعلهم يشعرون بالأمان تحت اسم 'فولكوف'. نريد ثقتهم. والأهم، نريد أي معلومات قد تسقط من أفواههم قبل أن يحترق اليخت بمن فيه. مضت الأيام تماماً كما سُطرت في عقل آيزر دعوات الموت وصلت إلى أصحابها تحت غطاء المسمى "مائدة الشمس" "يوم المائدة" مع حلول المساء، داخل طابق سفلي لليخت بقي ثلاث ساعات فقط على الصفر. أطلّ آيزر بهيبةٍ صامتة؛ سوادٌ يغلفه من رأسه حتى قدميه بكنزة ذات ياقة عالية وبنطال قماشي حاد الحواف. ونشر خرائط اليخت وتصميمه الداخلي "للطابق السري" الذي لا يخطر على بال بشر. وبدأ يشرح لـ الهنوف أدق التفاصيل، بينما كان آريس في الزاوية يتفحص القنابل ببرود خبير. وقفازاتها السوداء محكمة على يديها كمن يستعد لترتيب أحجار الشطرنج الأخيرة. خلف خصلات شعرها الفضية، كانت عيناها تلمعان بقسوة القرار وأناقة الحضور. لم يرفع آيزر بصره عن الخريطة: **"لا بأس. جهزي الحاسوب. ساعدي آريس ليكون نسخةً مني. حيث اصطفت البدلات السوداء والمعدات. وقفت تفكر لثوانٍ، ثم بدأت أناملها تعبث بوجه آريس. أزالت الوشم البارز فوق عينه بمساحيقها الاحترافية، كان آريس جالساً باستسلام تام مغمضاً عينيه تحت لمساتها كأن لا طاقة له في الجدال. بينما الهنوف وآيزر غارقين في تفاصيل الخريطة الملحمية. معطف أسود طويل فوق قميص مخملي بلون الدم، سيريناتحرك شعرها بفخر: "حسناً، ألسْتُ بارعة؟" والآن، لم يبقَ الكثير. نظر آيزر إلى الساعة، ثم استقام في وقفته: "آريس. استعد للصعود للطبق الرئيسي. ابقِ معي، لحظات. اكتمل نصاب الضحايا. تعكس ثراءً فاحشاً وسلطةً لا تُمس. بدأ اليخت يُبحر ببطء، وكؤوس النبيذ تلمع في الأيدي، وكأن البحر يعلن حمايته لأسرار هذه الليلة المظلمة. أطلّ آيزر. وفي لحظةٍ لم يتوقعها أحد. رفع يده وأزال القناع. ارتفعت الشهقات واختلطت بالهمسات المرتبكة؛ تنحنح ببرود، وبنبرةٍ واثقة صبّها في مسامعهم كالسّم: فاليوم. تحالفٍ لا تفتته الشكوك. أريد منكم الليلة أن تشربوا نخب القوة، وأن تستمتعوا بكل ثانية. عادت الموسيقى لتصدح في الأرجاء، وعاد الجميع لممارسة طقوسهم الزائفة، لم يعرفوا أن خلف تلك الابتسامة المتقنة التي يوزعها آيزر، كان يقبع عدادٌ تنازلي لم يتبقَّ منه الكثير. كان آريس يمسك كأسه، في أحشاء اليخت أناملها تعزف سيمفونية برمجية سريعة، خلفها. استقرت نبرة آيزر الباردة عبر اللاسلكي: "آريس. جاء الرد بتنحنحٍ واثق من آريس، فالتفت آيزر للهنوف قائلاً: "هيا. عند المصعد، لكن آيزر وضع يده على نقطة تبدو عشوائية في جدار المصعد المعدني. الطابق المحرم. الذي لا وجود له في سجلات الملاحة. نلتقي في الخلف. بينما كانا يزرعان المتفجرات في هيكل اليخت آيزر عبر سماعة:سيرينا . كل شيء بخير؟ نعم. اظن انهم يحتاجون غرفة خاصة. فجأو سيرينا المذعور السماعة: "آيزر! انتبه خلفك!" انحنى آيزر ببرق، لتخترق رصاصةٌ الهواء في المكان الذي كان فيه رأسه قبل لحظة. لكن المكان غارق في الظلام، كونا حذرين!" لم تكد تنهي جملتها حتى هجم ظلٌ من العتمة على الهنوف، أطبق قبضته على عنق المتسلل من الخلف بحركة خاطفة حتى لفظ أنفاسه. لنستعجل، بدأ العد التنازلي. بعد زرع العبوات، يساراً، انسحب آريس بهدوء الأشباح من وسط المعازيم، وتسلل حتى حافة السفينة ليقفز ويستقر معهم في القارب. آيزر بصوت مرتفع: "هيا سيرينا، 19 وفجأة! انطلقت المتفجرات في البرمجة. اخذت سيرينا وحطمت الحاسوب بقوة، لينتقل العداد الرقمي إلى ساعتها اليدوية. آيزر: "اخرجي من الفتحة السفلية واسبحي نحونا. لحظة!! أتعرفين السباحة؟" أعرف! لكني أرتعد من البحر، أنا أخاف من أعماقه!" لم تعد سيرينا تسمع؛ العداد في معصمها يزحف نحو الصفر. 10. 9. اندفعت نحو سطح الحفلة، والجميع ينظر إليها بذهول وارتباك. 5.. وصلت إلى الحافة، نظرت إلى البحر الهائج تحتها، أغمضت عينيها واستعدت للقفز، لكن يداً خشنة أمسكت بذراعها بقوة. تصارعه صراع الموت وهو متشبث بها كأنه نذير شؤم. 3.. بوم! واشتعلت الأرجاء بصراخ الضحايا وهول الحطام المتطاير وسقطت سيرينا في جوف البحر المظلم بينما النيران تأكل كل شيء خلفها. لم يُجبها أحد، كان الهول أكبر من الكلام. كانت هناك حركة تثير الأمواج. سخر آيزر ببرود : "هه، يبدو أنه حوت. ضربه آريس بخفة: "أهذا وقت مزاحك؟" آيزر بقسوة غريبة: "ماذا بك؟ دعها تموت. لو فكرتُ قليلاً لأغلقتُ عليها الطابق السفلي ولانتهينا منها. نظر آريس إليه بحدة، ما الذي حدث له؟ ولماذا هذه العدوانية المفاجئة تجاه سيرينا؟ فجأة، انشق سطح الماء عن رأس سيرينا وهي تصرخ وتزيح خصلات شعرها المبللة عن وجهها. ثلاثة ينظرون إلى وجهها الاحمر آيزر ببرود: "يبدو أنها ماتت بالفعل، تجاهله آريس، إنها ما زالت حية فجأة، انتفضت سيرينا وهي تسعل بعنف وتلفظ مياه البحر. آيزر وهو يشيح بنظره بعيداً: "تشه. لكنه انتفض فجأة وهو يتحسس جيبه بذعرٍ خاطف. وبدون أي تفسير، قفز في جوف البحر المظلم مجدداً وسط ذهول الجميع! صرخت الهنوف: "ما به؟! إنه يتصرف بغرابة مريبة!" ولا أثر له سوى تموجات الماء الباردة. وفجأة انشق سطح الماء عنه. قبض بيده على طرف القارب واستقر داخله دون أي مساعدة، ببساطةٍ تخفي خلفها إعياءً شديداً. جلس صامتاً يفحص شيئاً مبللاً في يده بتركيزٍ مقدس. كاد آريس أن يفقد أعصابه تماماً ويهجم عليه، لكن الهنوف تقدمت ببطء وسحبت ذلك الشيء من يده. "ساعة يد؟ هل لأجل هذا ألقى بنفسه في التهلكة؟" لم تكمل جملتها، وجلست هي الأخرى تراقب الأفق بهدوءٍ حزين. أبحر القارب نحو أرضٍ جافة، وخرج الأربعة منهكين كأشباحٍ تطاردها النيران. قال آريس بصوتٍ متعب: "دعونا نمضي الليلة هنا. في تمام الساعة الرابعة فجراً، جلس بجانبها، ثم تنحنح ليقطع حبال الصمت: "لماذا لا تنامين؟" أجابته بنبرةٍ شاردة: "لا يأتيني نوم. لكنه لم يكن قصرها المعتاد. زفر آريس بمرارة: "أها. الآن أصبح رميه لنفسه في الماء معقولاً. أخبريني عنكِ، أنزلت الهنوف رأسها بحزنٍ عميق، فكرت قليلاً ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة: "لقد كان لقاءً مضحكاً. لكن أتدري شيئاً يا آريس؟ لكنهم كانوا غرباء ومتسلطين للغاية. أمها كانت أغرب إنسانة رأيتها؛ وتارةً كعدوٍ لدود. أتذكر يوماً أتت فيه للمدرسة وآثار الخنق تملأ رقبتها. وكادت تنهي حياتها لولا تدخل والدها. صُدم آريس وقال: "أذكر أنني قابلت أمها ولم تكن. لحظة! أتقصدين أن (سلفاتور) خطفوها؟" ضحكت الهنوف بخفة مريرة: "لا. بل كانا والديها المتبنيين! وهنا اتضح كل شيء؛ (سلفاتور) قدموا ابنتهم لتلك العائلة مقابل رشوة وسلطة. وتخلت عن حلمها الصغير. حكت لي كل شيء عندما سكنت في قصري. اكتشفت أنها عاشت حياةً مزيفة وسط أشخاصٍ مجانين لم يستطيعوا حمايتها. أنا أكرههم حقاً. ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يسأل آريس بهدوء: "لا بأس. ماذا عنكِ أنتِ؟" لكنني اكتشفتُ متأخرة أن الأمر لم يقتصر عليه، عرفت هذا عن طريق فيكتور ولم أصدق في البداية. صمت عميق ماذا عنك؟ كيف تعرفت على فيكتور وكيف كانت حياتك؟" أخذ آريس نفساً عميقاً: "أوه. قاطعته بابتسامة: "هادئ وفيكتور؟ يبدو الأمر مضحكاً!" * "نعم، كان كذلك. لكنه تغير تماماً بعد انتقالنا لبريطانيا، أصبح شخصاً آخر. وعن عائلتي. كان والدي كثير السفر، ووالدتي هي من تعتني بي. لم أحظَ بوقت كافٍ معهما قبل أن يأخذوني (أوريون). سألت الهنوف بعينين مليئتين بالتساؤل: "هل ستبحث عن والديك إذا انتهينا من. وليس لدي أي أمل. * "هذا هو الشيء الذي يوجع. قبل سنين، رأيتهما في إحدى فروع اوريون. هل كنت سأنقذهما؟ لكن لا وقت للندم الآن. نظرت إليه الهنوف: "يبدو أمراً محزناً حقاً. تاركين آلام الماضي تتبخر مع رذاذ البحر. لم يكن المبنى الرئيسي لـ "أوريون" مجرد مقر، وصوت الأجهزة التي تعاني من "ماس كهربائي" يملأ الأرجاء كأنينٍ مكتوم. حادثة اليخت لم تحرق سفينة فحسب، بل أحرقت كبرياء المنظمة وجعلت أمنها الداخلي يبدو كخرابةٍ هجرتها الروح. كان الهواء ثقيلاً برائحة الأوزون والتوتر. "روبوتات" بشرية أُفرغت من المشاعر لتملأها الأوامر. رئيس الفرع. لم يكن غاضباً فحسب. بل كان يرتجف من وطأة الفشل. المعدنية كانت تبدو وكأنها تحاول سحق المعدن نفسه. وعيناه المحتقنتان بالدم بدت كجمرتين في ليلةٍ مظلمة. بينما كانت منظمتنا تُذبح في عرض البحر؟ أريد اسماً. وإلا سأحول جثثكم جميعاً إلى وقودٍ لهذا المبنى المتهالك!" المؤشرات تقول إنها مجرد مصادفة دموية. ربما خطأ تقني في المفاعل. وهو يضرب الطاولة بقوة جعلت شاشات العرض تهتز: "المصادفة لا تغرق نصف ممولينا في ليلة واحدة! هذا اغتيالٌ جراحي! أريد من فعلها. أريد روحه قبل رأسه!" صمتٌ يمكنك فيه سماع دقات قلوب الحاضرين، التفتت الرؤوس نحوها كآلاتٍ مصدأة، وأولهم آريس الذي شعر ببرودةٍ تسري في عموده الفقري. لم تكن سيرينا تتحدث، كانت تطلق رصاصة. سيرينا ببرودٍ آلي: "لقد تتبعتُ الثغرة الرقمية في نظام الدعوات. باستثناء شخصٍ واحد تسلل خلف الأقنعة. سيرينا بنبرة حادة كالنصل: "آيزر فولكوف. تجمد الهواء في الغرفة. الاسم الذي يمثل الكابوس الأكبر لـ "أوريون". هو الشبح الذي لا يترك أثراً، ضحكة مليئة بالغل: "يا لذكائكِ يا (999)! بالطبع. من يملك الجرأة لتقديمنا كوليمة للبحر غيره؟!" وبصوتٍ يملؤه التملق والرعب اتصل بالقيادة العليا: "سيدي. إنه فولكوف. نعم، آيزر نفسه. حان وقت تشغيل (الآلة البشرية). أريد جثته معروضة في القاعة الرئيسية بحلول الفجر. أغلق بالتازار الهاتف وأشار للجميع بالخروج: "انصرفوا. آريس، ابقَ هنا. غادر الجميع الممر المظلم، وبقي آريس صامداً كتمثالٍ من الأبنوس،