لَمّا كانَ سَيْرُ الْحَياةِ يُوَفِّرُ ساعاتٍ مِنْ الرّاحَةِ الْيَوْمِيَّةِ ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانُوا يَسْتَغِلُونَ هَذِهِ الْأَوْقَات الْحُرَّةَ لِلتَّرْويحٍ عَنْ غَيْرِهِمْ، جَاعِلِينَ مِنَ السَاحاتِ الْعامَّةِ وَباحاتِ الْأَسْواقِ فَضاءَ لِلْفُرْجَةِ. فَكَانَ النَّاسُ يُقْلُونَ عَلى خَلْقاتِها أَلَّتي كانَ يُنَشِّطُها : مَداحونَ وَقَصَاصُونَ وَمُرَقْصو قُرودٍ وَحَيَاتٍ ، وَمُمَثْلُونَ بِالإيماءِ ، وَرُواةُ مَحْكِيَاتٍ مِنْ نَسْجِ الْخَيالِ وَقَدْ كانَتْ ساحاتُ أَبي الْجُنودِ وَبابِ الفتوح بفاسَ ، تَماماً كَساحَةِ جامِع الْفَنا بِمُرَاكُشَ وَساحَةِ الهديم بِمَكْناسَ ، أَشْهَرَها عَلى الإطلاقِ ، تَزْخَرُ بِمُنَشِّطي تِلْكَ الْحَلْقاتِ وَهُمْ أَصْنافٌ ، مِنْهُمْ مُرَدّدو قَصَائِدَ وَأُغْنِياتٍ بِاسْتِعْمالِ الدُّفْ أَوِ الرَّبابِ أَوْ غَيْرِها مِنَ الْآلاتِ الْوَتَرِيَّةِ، يُلاعِبونَ أَفَاعِي فِي أَيْدِيهِمْ وَحَوْلَ أَعْناقِهِمْ ، عَلى إيقاعِ مِزْمارٍ أَوْ طَبْلٍ . كَما كانَتْ مَجْمُوعاتٌ أُخْرى تَعْرِضُ مُنْتَجاتِها ، وتُقَدِّمُ أَكْثَرَ مِنْ خِدْمَةٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، فَهُناكَ الترْجَةُ والتَّسْلِيَةُ وَبَيْعُ الأَعشاب وأدواتِ الزِّينَةِ . وَلَقَدْ كانَ لِكُلِّ هاته الألوان جُمْهورُها الخاص ، لَكِنَّ الْمَدَاحِينَ الَّذينَ يَرْوونَ غَزَواتِ الرَّسول صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسِيَرِ الْأَبْطالِ عَبْرَ الزّمان ، هُمُ الَّذِينَ كانوا يَسْتَأْثرونَ أَكْثَرَ باهتمام الجمهور عِلْماً أَنَّ مُعْظَمَ الْمُسْتَمِعِينَ مُطَّلِعْ عَلى تِلْكَ الْحِكاياتِ، وَقَدْ يُصَدِّحُ الْواحِدُ مِنْهُمْ هَفَواتِ الْحَكَواتِي وَيُلَقْنُهُ مُتَأثراً بِالْعِباراتِ الْمُتَكَرِّرَةِ ذاتِها كَمَا كانَ الْحَكَواتِيّونَ يَفْصِلُونَ عادَةً ، يُقَدِّمونَ خِلالَها نُكَتاً وَمُسْتَمْلَحاتٍ لِلتَّرْويح عَنِ الْمُتَحَلِّقِينَ وَشَدَّ انْتِباهِهِمْ أَكْثَرَ حَتَّى لا يَنْصَرِفُوا إِلَى غَيْرِهِمْ . لَقَدْ كانَتْ تِلْكَ أَلسَاحَاتُ ،