العرب والحركة الصهيونية إذ كانت وسائل التنظيم تفتقرها من قبل، وقد سبقت هذه المحاولات بعض الوعود بذلت لهم، نفر من الساسة والكتاب في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا، إلى أن حدثت الاضطهادات الدينية في روسيا القيصرية، حتى صدور وعد بلفور المشتوم في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، ثم نعرض لموقف العرب من تطور القضية الفلسطينية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى المواجهة العسكرية عام ١٩٤٨م. عرفت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الصهيونية تحت مادة zionism‏ بأنها حركة يهودية تهدف إلى حل المشكلة اليهودية، وإحياء الثقافة اليهودية، بأنها حركة استهدفت هدفين : الأول، أما الثاني، تختلف عن كل الحركات الإحيائية وحركات التحرر القومى في نقطة جوهرية، وهي كفيلة بأن تخرجها عن مجال الحركات الإحيائية، وتضعها في صف الحركات الاستعمارية. فالصهيونية حركة سياسية عنصرية استعمارية، قام بها متطرفوا اليهود في القرن التاسع عشر، بزعم أن الشعب اليهودى يؤلف عرقاً نقياً، وقد عارض هؤلاء المتطرفون اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، كحل لما أسمته بالمشكلة اليهودية، مسترشدة في ذلك بتراث الماضي القديم، بعيداً عن الأرض التي ترعم الصهيونية أنها وطنها القومى، واسترجاع عصر ذهبي، وإحياء حالة سابقة من الطهر والنقاء والسمو الاجتماعي، وهو ما لا تتوافر عند الصهيونية. ومن ثم فقد كان أحد أهداف الصهيونية لسد هذه الثغرة نقل كل اليهود من مختلف الدول والمجتمعات التي يعيشون فيها بالفعل، كأقلية دينية أو عرقية لتوطينهم في ارض صهيون، ولقد كان هناك أسباب أخرى هامة ساعدت على قيام الصهيونية، داخل بلدان أوروبا، واتخذ شكل الظاهرة العامة التي تعرف باسم "اللاسامية" أو معاداة السامية، واتخذوا من ذلك وسيلة لابتزاز الضمائر والعواطف لتحقيق مكاسب ومنافع لهم. وحقيقة الأمر أن اليهود الذين نزحوا إلى أوروبا قد تعرضوا للاضطهاد منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، بسبب رفض الجماعات المتدينة الإندماج في المجتمع الروماني. وبعد انتشار المسيحية في أوروبا لم يتوقف اضطهاد اليهود، فقد أكسبهم نشاطهم التجارى والمالي، وقد ظل اليهود موضع احتقار وكراهية المجتمعات الأوروبية حتى أواخر القرن الثامن عشر، نتيجة انتشار مبادئ الثورة الفرنسية الخاصة بالحرية والأخاء والمساواة بين البشر، وما ترتب على ذلك من تأكيد حقوق الإنسان. وقد هيأ هذا المناخ الفكري الذي ساد أوروبا فرصة لتحرير اليهود وإنطلاقهم من حياة العزلة والإنطواء إلى التحرر والإندماج مع المجتمعات التي كانوا يعيشون بينها، ومن ثم فقد أصبح لهم وضع هام فى الحياة الاقتصادية والأنشطة المالية. فإن حالها كان يختلف تماماً، وكان اغتيال قيصر روسيا اسكندر الثاني فی ۱۳ مارس ۱۸۸۱، والذي حملت السلطات الروسية اليهود مسئوليته، فلم تمض بضعة أسابيع على اغتيال القيصر، على حد قول المؤرخ سيسيل روث (). وانتشرت حركة اضطهاد لليهود من روسيا إلى بولندا ورومانيا، ولمواجهة هذه المشكلة، رأى بعض المفكرين اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بينها، فعلى سبيل المثال، وأن يأخذ بعاداته وثقافته، وبذلك يرد عن نفسه الاضطهاد. وموسى هم ١-١٨٧٥)، وليوبنسكر ‏(۱۸۹۱-۱۸۲۱) Pinsker‏ فقد رأى كالبشر في كتابه البحث عن صهيون Seeking Zion أن حل المشكلة اليهودية يكون عن طريق استيطان اليهود لفلسطين بمساعدة دولية، لأن معاداة السامية - على حد قوله - لا يمكن أن يزول طالما أن اليهود لا يملكون وطناً قومياً خاصا بهم، أما موسى هس، فقد دعا فى كتابا روما وأورشليم Rom and Jarusalem‏ إلى ما أسماه بالقومية اليهودية، ورأى أن إندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية لا يشكل حلاً عملياً للمشكلة اليهودية، مرتبط تلقائياً بالتضامن مع أمته كلها. وذهب ليوبنسكر في كتابه بعنوان التحرير الذاتي Auto Emancipation‏ الذي صدر عام ۱۸۸۲ ، إلى ضرورة اعتماد اليهود على أنفسهم للخلاص من ظروف حياتهم المهينة، وأضاف بأن المشكلة اليهودية العالمية يجب أن تجد حلاً قومياً. على أية حال، فليس ثمة شك في أن مؤسسى ما يسمى بالصهيونية السياسية ابتداء من موسى هس Hess مروراً بهرتزل، كانوا يعتقدون أنه لا يمكن لليهود تحقيق إمكاناتهم وقدراتهم، كشعب وليس فقط كأفراد إلا في وطن قومي خاص بهم، وأنه إذا كان يتعين على اليهود أن يعيشوا كامة، بعد كل هذا التشتت والتفرق وحياة "الجيتو"، فإن هويتهم القومية لن تتبلور إلا ضمن إطار جغرافي محدد وواضح المعالم، لن يتم إلى في المكان الذي بدأت فيه أصولهم العرقية والثقافية أي أرض إسرائيل. ومن هنا كان رفض اليهود الاقتراحات التي قدمت لهم بإقامة وطن قومي لهم في مناطق أخرى من العالم غير فلسطين، فالدين اليهودى - من وجهة نظرهم - لن يكون له معنى على الإطلاق بالنسبة لمؤسسي الصهيونية، أن قيام إسرائيل في فلسطين، كان يؤكد الظاهرة الإستعمارية التي عاشتها أوروبا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد لاحظ جمال حمدان في كتابه استراتيجية الاستعمار، ألا وهي، أن الاستعمار، وقد أدركت الصهيونية مدى أهمية هذا الحل الاستعماري، في أواخر القرن التاسع عشر - كما أشرنا من قبل - في أوروبا، بفضل الجهود التي بذلها مؤسسها وعقلها المفكر، وانتقل مع أسرته إلى فيينا، وهناك تخرج من كلية الحقوق، وبدأ حياته العملية بممارسة الكتابة الأدبية، وفى عام ۱۸۹٦ ، نشر كتابه المشهور دولة اليهود"، الذي يعد إنجيل الصهيونية وكتابها المقدس، كما يعد هرتزل نفسه أبو الصهيونية والمسئول الأول عن تحويل نشاطات اليهود إلى حركة منظمة تعرف ب الصهيونية السياسية. ومن الملاحظ أن هرتزل لم يحدد فلسطين بالذات لإنشاء "دولة اليهود" على أرضها، بل اكتفى بتحديد هدفه، وأراد أولاً أن يجد "الأرض" في أي مكان، ثم تقام بعد ذلك دولة اليهود، عقب انتهاء المفاوضات الدبلوماسية وسائر الخطوات التمهيدية، بل رأى من الضرورى أن تنتقل المسألة من مرحلة الدعوة والتخطيط إلى مرحلة عملية تبدأ باجتماع المؤمنين بالحركة الصهيونية في مؤتمر يتدارسون فيه قيام دولة اليهود، حضره ۱۹۷ مندوباً من يهود أوروبا وشمال أفريقيا، وفيه تم تحديد هدف الصهيونية بأنه تأسيس وطن للشعب اليهودي في فلسطين يؤمنه القانون العام. ولتحقيق هذا الهدف، ومن هنا بدأ في إنشاء بعض المستعمرات الزراعية في فلسطين والتي كان يمولها البارون أدمــون دي روتشيلد، مع تبرعات أخرى من أثرياء اليهود، ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من التخطيط المنظم، بدعم وتأييد من شخصيات وجمعيات خيرية يهودية. وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (۱۸۷۶-۱۹۰۹)، حاولت الصهيونية العالمية بالطرق الدبلوماسية الحصول على موافقته بالتنازل عن فلسطين لليهود، أو مساومة السلطان العثماني بهدف الحصول على قرارات ذات صبغة قانونية يسمح من خلالها بالاستيطان اليهودى الجماعي في فلسطين، مقابل تسديد الديون المتراكمة على الدولة العثمانية، وإخراجها من أزمتها المالية التي كانت تمر بها آنذاك، إلا أن السلطان عبد الحميد اثاني رفض ذلك العرض رفضاً مطلقاً، كما أصدرت الدولة العثمانية عدة مراسيم تحظر بشدة شراء الأراضي الفلسطينية في مدينة القدس. فاتجه هرتزل إلى ألمانيا التي كانت أقرب حلفاء العثمانيين في أوروبا لدفعها للضغط على السلطان العثماني. وبعد حركة الانقلاب التي قامت بها تركيا الفتاة عام ۱۹۰۹، وكانوا معارضين بشدة، وبصفة خاصة المناقشات التي جرت بين الحكومة العثمانية وقادة الحركة الصهيونية فيما بين عامی ۱۹۱۲، ۱۹۱۳، بهدف السماح لهم بشراء أراضي الحكومة العثمانية في وادى بيسان على طول نهر الأردن. ويصور الاجتماع الذي عقد بين العرب الفلسطينيين وهؤلاء الصهاينة في ربيع عام ۱۹۱٤ ، مدى المصاعب التي واجهت هذا الاجتماع. فقد أراد العرب منهم تزويدهم بوثيقة تقرر أشكال طموحهم السياسي بدقة واستعدادهم لفتح مدارس للعرب، وباندلاع الحرب العالمية الأولى (أغسطس (۱۹۱٤)، انتقل مركز ثقل الحركة الصهيونية من أوروبا الغربية بوجه عام إلى بريطانيا بوجه خاص، حيث كان يعيش هناك الدكتور حاييم وايزمان Chaim Weizmann، وهو من أصل روسي وكان يعمل أستاذاً للكيمياء بجامعة مانشستر، وهما أرثر جيمس بلفور Balfour النائب في مجلس العموم عن مدينة مانشستر ووزير الخارجية البريطانية فيما بعد في وزارة لويد جورج، وقد تكللت مساعى وايزمان لدى الحكومة البريطانية بالنجاح بعد إعلان ذلك التصريح المشئوم، وكان ذلك في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، وقد تضمن هذا التصريح تعهدين، وستبذل أقصى مساعيها لتسهيل هذا الهدف. أما القسم الثاني من الإعلان فقد تضمن تعهد الفلسطينيين جاء فيه أنه من المفهوم تماماً عدم عمل أي شئ يكون من شأنه الإضرار بالحقوق الدينية والمدنية للطوائف الموجودة في فلسطين من غير اليهود". كان اليهود يمثلون نحو %7% من عدد السكان في فلسطين وكان العرب يمثلون نحو 93% ، فقد أعطى "الوعد الحركة الصهونية كيانها الشرعي الذي بحثت عنه طويلاً، منح بريطانيا القدرة على تنفيذ ذلك الوعد وقدم الحماية الضرورية للصهاينة لتحقيق أهدافهم. وحقيقة الأمر أن الحكومة البريطانية قد صدقت على وعود ثلاثة متناقضة ومتباينة من أجل مستقبل فلسطين، مع اقتراح من الحكومتين الفرنسية والروسية بأن توضع فلسطين تحت الإدارة الدولية، ١٩١٦، وفي ذات الوقت جاء وعد بلفور ليشجع استعمار اليهود لفلسطين تحـــت الحماية البريطانية، مما يؤكد مدى تناقض هذه الوعود من قبل الحكومة البريطانية. فقد قيل أسباب عديدة حول الدوافع التي حدت ببريطانيا الإصدار تصريح بلفور المشتوم منها، وفي ذات الوقت استغلال النفوذ المالي والسياسي لليهود في جر الولايات المتحدة لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء، قبل أن الحكومة البريطانية أصدرت التصريح مكافأة للدكتور حاييم وايزمان على استنباطه مادة "الأسيتون Acetone في أدق مراحل الحرب، وهي مادة سريعة الاشتعال وتدخل في صناعة الذخائر والمتفجرات، والخلاصة أن تصريح بلفور كان وليد ظروف الحرب، بعد أن سقطت غزة المدخل الجنوبي لفلسطين في ۷ نوفمبر ۱۹۱۷، وتبعا لذلك، فقد تأسست إدارة عسكرية في فلسطين، باعتبارها جزءاً من بلاد العدو، عندما أعطى مؤتمر سان ريمو المنعقد في إيطاليا في أبريل ۱۹۲۰ لبريطانيا حق الانتداب على فلسطين، فطت في أول يوليو من نفس العام حكومة مدنية محل الإدارة العسكرية وعينت بريطانيا هربرت صمويل Herbert Samuel ، ذو الميول ١٩١٤ إلى ٢٨% عام ١٩٣٦، ٣٢ عام ١٩٤٧، وعلى حساب شعب فلسطين. اتخذت عصبة الأمم بجنيف قراراً بوضع فلسطين تحت انتداب بريطانيا، مع استصدار صك الانتداب" في ذات التاريخ. وبهذا أدمج صك الانتداب في صلبه تعهد بريطانيا بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وفقاً لتصريح بلفور السابق الإشارة إليه. وفضلاً عن ذلك، فقد جاء في صك الانتداب أيضاً ما يشير إلى الخطوات المؤدية لتحقيقه، والحال هكذا، والحال هكذا، أن يعتبر حاييم وايزمان استصدار صك الانتداب بمثابة نهاية للفصل الأول من نضال الصهيونية الطويل. ۱۹۳۱ ، وكذلك حركة الشيخ عز الدين القسام في نوفمبر ۱۹۳۵ ، ثم ثورة ۱۹۳٦ بقيادة اللجنة العربية العليا التي تألفت في ٢٥ أبريل من نفس العام برئاسة مفتى فلسطين الحاج أمين الحسيني. و كرد فعل للثورة الفلسطينية في عام ۱۹۳٦، أرسلت الحكومة البريطانية وبعد أن استمعت اللجنة الملكية لوجهة النظر العربية، نشرت الحكومة البريطانية في ٧ يوليه من العام التالي تقرير اللجنة، مع وجود منطقة ثالثة محايدة تشمل القدس وبيت لحم والناصرة، تبقى تحت الانتداب البريطاني. ثم تطورت الأحداث سريعاً، حتى نوفمبر ١٩٤٧، عندما وضعت الأمم المتحدة خطتها في التقسيم وبموجبها منح اليهود ٥٠% من مساحة فلسطين وهي منطقة تضم عدداً كبيراً من العرب مساوياً لعدد اليهود هناك. وبالرغم من تنديد الحكام العرب بقرار التقسيم الذي أعلنته الأمم المتحدة دون سلطة قانونية مخولة بها، لكي تأخذ نصف إقليم فلسطين من سكانه الأصليين وتقوم بمنحه السلالة أجنبية من المهاجرين، إلا أن ذلك لم يحل دون استمرار اليهود في الاستيلاء على المزيد من الأراضي، مما ترتب عليه اندلاع المواجهة العسكرية بين العرب وإسرائيل في عام ١٩٤٨ ، وما أسفرت عنها من توقيع اتفاقيات الهدنة في العام التالي، بعد أن تقلصت مساحة المناطق العربية إلى ٢٣% فقط من المساحة الكلية لفلسطين. الولايات المتحدة وفلسطين لهذا ناشدوا الدول العربية الأخرى المساعدة ومساندة القضية بكل صراحة. وخلال الجلسة الحماسية التي قبل فيها بتقسيم فلسطين، قررت الدول العربية مقاطعة المفاوضات، الأمر الذى أدى إلى عدم طرح قضية عرب فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة. بعد ما بدأت سلطة النفوذ الصهيوني تأخذ مكانها في الولايات المتحدة ذاتها، الأمر الذى أدى إلى قيام إدارة البيت الأبيض بتوجيه النصائح للرئيس ترومان من أجل مساندة اليهود حتى يساعدوه في كسب تأييد الرأى العام الأمريكي، مما دفع ترومان إلى إرسال برقيات إلى الحكومة البريطانية عام ١٩٤٥ يطالبهم فيها بمنح التسهيلات اللازمة لهجرة اليهود الأوروبيون إلى فلسطين وفقاً لوعد بلفور. وفى نفس العام عقدت اللجنة الأنجلو أمريكية اجتماعاً بخصوص الاتفاق على سياسة موحدة للدولتين تجاه فلسطين لا تتعارض مع مصالحهم في الشرق الأوسط أو تؤثر على علاقتهم الثنائية. وتأسيساً على ذلك ، فقد أصبحت جماعات الضغط الصهيونية الأمريكية عقب ضرورة بذل جهود فعالة لفتح فلسطين أمام أفواج من الهجرة الصهيونية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا هذا والدعم الأمريكي لإسرائيل يزداد يوما بعد يوم، وقد أكد ذلك جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أزينهاور عندما صرح في عام ١٩٥٣ بعد زيارته للمنطقة قائلاً : لقد اتضح لي بعد جولة سريعة قمت بها في منطقة الشرق الأوسط أن العرب يخشون الصهيونية أكثر من الشيوعية وذلك من واقع إدراكهم العميق للتأييد الأمريكي التام لإسرائيل في كل ما تقوم به من أعمال وما تقدم عليه من تصرفات. وهكذا بدأ رصيد إسرائيل الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة الأمريكية يتصاعد بداية من موقعها الجيو - استراتيجي المتميز في هذه البقعة المهمة من العالم، كما أن إمكانات البحث والتطوير التي تمتلكها إسرائيل، كان راجع إلى رغبتها في أن يوفر قيام إسرائيل جسر من الصداقة بين الشرق والغرب، ورد اعتبار ذا قيمة تاريخية، وغير ذلك من العبارات المتشحة بمسحة إنسانية زائفة، يرددها، وبالرغم من عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بصفة رسمية في شئون الشرق الأوسط فيما بين الحربين العالميتين تنفيذاً لسياسة العزلة، إلا أنها لم تكن بعيدة عن تطور القضية الفلسطينية، نتيجة لتفوق النفوذ الصهيوني وتغلغله في دوائرها السياسية والمالية والثقافية، على أية حال، فقد أكد الرئيس الأمريكي ويلسون لوزير الخارجية البريطانية عن طريق القاضي برانديس، أكد موافقته على مثل هذه الخطوة، ثم أعلن صراحة موافقته على وعد بلفور في أغسطس ۱۹۱۷، عندما بعث برسالة تحية إلى اليهود الأمريكيين ، ومن الملاحظ أنه حتى قيام إسرائيل سنة ١٩٤٨ ، ووافقت بمقتضاء الولايات المتحدة - باعتبارها دولة غير مشتركة في عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين، وعندما تقرر الانتداب تضمنت بنوده شروط إنشاء وطن قومي لليهود وإقامة وكالة يهودية مهمتها تقديم النصح والمعونة للإدارة الفلسطينية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تتصل بإقامة الوطن القومى لليهود كما نص صك الانتداب على تسهيل هجرة اليهود وإقامتهم دون إضرار بحقوق وأوضاع العناصر الأخرى من السكان - كما أشرنا سابقاً - ولكن عرب فلسطين قاوموا المخططات البريطانية - الصهيونية منذ البداية، وظهر ذلك بوضوح في عام ۱۹٣٦ ، عندما نشبت الثورة الفلسطينية الكبرى والتي استمرت حتى إندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 وكان على بريطانيا أن تتخذ بعض الإجراءات لتهدئة العالم العربي، وخاصة بعد أن اشتدت الدعاية النازية والفاشية في التنديد بسياستها في العالم العربي، مما وضعها في موقف أكثر حرجاً أمام العالم العربي، لذا فقد أصدرت - أى بريطانيا ما سمى بالكتاب الأبيض في يناير ۱۹۳۹، اشتمل على المقترحات الجديدة التي كانت تهدف إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشر سنوات على أن تحدد علاقاتها ببريطانيا بمعاهدة تكفل لكل من الدولتين احتياجاتها التجارية والاستراتيجية في المستقبل. وفيما يتعلق بالهجرة، فقد أشار الكتاب إلى ضرورة تحديدها بإضافة ٧٠ ألف يهودي خلال السنوات الأربع التالية، بالمعارضة من جانب كل من العرب واليهود، بالرغم من تحيزه الواضح لليهود. وبدأت تعد عدتها للضغط على البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس الأمريكي لمساندة أهدافها، والوقوف بجانبها، عندئذ سعى اليهود لكسب مساندة وتأييد الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ذلك المؤتمر الذي عقد فيما بين ۹، كما اشترك فيه أيضاً كثير من زعماء الصهاينة الأوروبيين، إضافة إلى ثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، منهم حاييم و ايزمان وديفيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الوكالة. وقد ناقش المؤتمر شكاوى اليهود من الإدارة البريطانية، وتقرر الإصرار على أن يقوم في فلسطين كومنولث يهودى أصبح جزءاً – على حد زعمهم - من كيان العالم الديمقراطي الجديد. كما طالب المؤتمر بإقامة دولة يهودية يميل إلى العطف على الحركة الصهيونية، نتيجة وقوعه تحت تأثير الدعاية اليهودية، وقد حظى هذا القرار بتأييد كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، فكان ذلك يمثل منعطفاً جديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بوجه عام وعلى إسرائيل بوجه خاص. أصبح لمن إسرائيل يمثل مصلحة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وأن أي هجوم عليها يعتبر تهديداً للوضع الاستراتيجيي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، واثر قيام دولة اسرائيل على انقاض الشعب الفلسطيني واعتراف الولايات المتحدة بها بشكل سريع ومفاجئ، اتسمت السياسة الأمريكية في المنطقة بصفة العدوانية والمؤيدة لاسرائيل، كانت ثورة الثالث والعشرين من تموز / يوليو ١٩٥٢، الذي دعمها وساعد على انشائها واصر على مدها بكل اشكال العون المادي والمعنوي.