المبادئ والبيئة الصالحة :تحتاج القيم الكبرى إلى بيئة صالحة لتنغرس في الأرض قوية ثابتة، ولعل ذلك من حكمة الله تعالى في اختيار جزيرة العرب لتكون الحاضنة والصفحة البيضاء التي ترتسم عليها قيمه ابتداء غير ملتبسة بمواريث وإذا بحثنا عن أقرب شبيه لذلك في التاريخ فلعله في القارة الأميركية البكر، حيث وجدت أفكار التنوير السياسي الأوربيةالتي صاغها جون لوك وجان جاك روسو وغيرهما - أرضا صالحة للتجسد العملي،عن المواريث الدينية والسياسية التي كانت تزدحم بها القارة الأوربية العجوز.هيجل ذلك فكتب أن أميركا هي بلاد" الأحلام لكل أولئك الذين ملوا وضجروا من مخزن "" وروى هيجل عن نابليون أنه كان يقول: "أوربا31 إذ لاحظليست جديدة، بل لها جذور ضاربة في تاريخ أثينا وروما، ولها قاعدة فكرية وأخلاقية فيأعمال الفلاسفة الفرنسيين السابقين على عصر الثورة الفرنسية. إنما الجديد هو السياق الملائم الذي سمح لها بالنمو والتفتق ، فـ هذه المبادئ التي لم تكن حديثة، لم يظهر تأثيرها قبل الثورة ""والثقافية،الضمائر.العرب قبيل الإسلام مجتمعا طليقا،سياسية أو قانونية، وكانت قبائل العرب أو لم يُصبهم في الجاهلية سباء. وقد وصف المؤرخون والأدباء العرب عدداً منهذه القبائل والأحلاف القبلية بهذا الوصف. فابن حبيب يقول : "فأما مُضَر فكانوا لقاحا""كانت سلطتها عرفية طوعية.الإسلام أول ما ظهر. فأهل مكة - التي سيولد فيها الإسلام - كانوا أشدَّ أهل الحجاز أصالةفي البعد عن قهر الدولة وسلطانها، والبيت الحرام الذي سيصبح قبلة المسلمين هو قلب هذهالحرية المتوارثة بين العرب جيلا بعد جيل. وهذا أمر أدركه الجاحظ فجعل صفة "العتيق"التي يوصف بها البيت الحرام مشتقة من مصدر "العِتْق" أي الحرية، ولا تدين للملوك، ولذلك سُمِّي [ البيت الحرام] البيت العتيق لأنه لم يزل حراً لم يملكه أحد. " وليس من ريب أن الإسلام أفاد كثيرا من هذه الخصائصالاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، فلم يكن شعب مؤهل لتلقي "لكن ذلك السياق العربي كان منفلتا من أي ضابط سياسي،التعاقدية التي سنتها النصوص الإسلامية، وبذر بذرتها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤهثراء النص الإسلامي في القيم السياسية، فإن السياق وتحولها إلىمؤسسات راسخة وإجراءات ثابتة تضبط حركة الحياة. هما: الفراغ السياسيالعربية آنذاك. وقد أثمر كلا الأمرين ثمرتين متناقضتين: فالفراغ السياسي العربي أفادقبل،الإسلام، فهدم النموذج السياسي الذي أسسه قبل أن يصلب ويشتد عوده.أما السياق الإمبراطوري المحيط بالجزيرة العربية فقد أفاد المسلمين الأوائل من العرب فاختصر وما كانت تقاليد العرب السياسية الضحلة لكن هذا السياق الإمبراطوريتأثيرا سيئا من حيث مزاحمته منظومة القيم السياسية الإسلامية بمنظومة قيم سياسية