علم الاجتماع بوصفه ثقافة شعبية: ويتمثل أحد أهم هذه الأسباب في ظهور علم الاجتماع بين الأربعينيات والستينيات من هذا القرن بوصفه جزءاً من الثقافة الشعبية، فقد تقدم علم الاجتماع حينئذ في العمر من الناحية المؤسسية، حيث يوجد الآن من الناحية الواقعية مئات الآلاف من طلاب الجامعة الأمريكيين الذين يدرسون مقررات في علم الاجتماع؛ إضافة إلى كتابة آلاف الكتب في علم الاجتماع. وفي نفس الوقت فقد أدى ظهور الصناعة الحديثة للكتب ذات الغلاف العادي Paperback إلى توفر هذه المؤلفات كنوع من الأدب الجماهيري، وفى نفس الوقت فقد ساعد اليسر الاقتصادي المتزايد للطبقة المتوسطة على شراء الطلاب لهذه الكتب، حتى ولو كانت غير مطلوبة بوصفها كتبا دراسية. ولقد كان لهذا التوفر الجماهيري لعلم الاجتماع " والعلوم الاجتماعية الأخرى" بوصفه عنصراً من عناصر الثقافة اليومية أثار متضاربة على الاتجاهات التي طورها بعض الشباب نحو القضايا الاجتماعية فمن ناحية أدى خلط المكتبات للعلم الاجتماعي مع أشكال التعبير الأخرى للأدب الشعبي إلى التأكيد من ناحية على العلم الاجتماعي - من خلال تداعي المعاني بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الأشمل التي يرفضها الراديكاليون في النظرية الاجتماعية، لأنهم نظروا إليها بوصفها جزءاً من الثقافة العامة. ومع ذلك فإن ألفة بعضهم الواضحة بالعلوم الاجتماعية دفعهم من ناحية أخرى ومع إلى الموافقة عليها بصورة غير نقدية. إضافة إلى أن كتب علم الاجتماع ذات الطبعات العادية، بدأت بالنسبة لبعض الشباب تحل محل التراث المبكر للنقد والاحتجاج الراديكالي. واستنادًا إلى تشخيص العلوم الاجتماعية بوصفها جزءاً من الثقافة اليومية، فإن قراءة الكتب المتعلقة بالتعصب والفقر، أو الخاصة بحقائق الحياة في أمريكا بدأت تبدو في الغالب واضحة تماماً بالنسبة لهم. وفى هذا الإطار بدت الجهود المتعلقة بمناقشة القضايا النظرية إرباكا لا ضرورة له، ونظراً لكونهم قد نظروا إلى هذه البحوث بوصفها مضادة لأطرهم القيمية، فإننا نجدهم قد لجأوا في الغالب إلى التغيير الأخلاقي بدلاً من الفعالية العقلية. إذ اعتقد البعض أن التنظير يعد أحد أشكال الهروب إن لم يكن نوعاً من الجين الأخلاقي. ذلك يعني أن إهمال الراديكاليين تطوير نظرية تتعلق بالوعي الذاتي كان خطيرًا وصعبا. إلى لا أدرية ولا عقلانية ساكني المدن الصغيرة الذين يتمسكون بالمثل الأخلاقية للطبقة المتوسطة. فإنهم يجب أن يتوقعوا تحقيق ذلك ضد مقاومة البعض وبمساعدة البعض الآخر. وبالمثل هؤلاء الذين يرغبون في التحالف معهم توجههم نظريات محددة. ذلك يعني أنه بدون نظرية تتعلق بالوعي الذاتي فإن الراديكاليين سوف يكونون عاجزين عن فهم، وفى الحقيقة لا يؤدى الراديكاليون الذين يعتقدون أن في قدرتهم فصل مهمة تطوير النظرية عن مهمة تغيير المجتمع، غير أنها على هذا النحو غير قابلة للاختبار، فهم إذا لم يتعلموا استخدام نظريتهم بوعي ذاتي، فإنهم سوف يستخدمون بواسطة هذه النظرية. ولأنهم عاجزون عن فهم نظرياتهم، وذلك لأن المجتمع القديم لن يظل متماسكا بواسطة القوة والعنف، بل يحافظ المجتمع القديم على بقائه من خلال النظريات والأيديولوجيات. بدون أن تبدأ هنا والآن في تأسيس ثقافة كلية مضادة، تحتوي على نظريات اجتماعية جديدة ومن المستحيل أن نحقق ذلك بدون نقد النظريات الاجتماعية المسيطرة اليوم. وقد عبر دانيل بند Danial Cohn-endit وهو أحد القادة النشطين لتمرد لطلاب الفرنسيين الذي تفجر في جامعة نانتير Nanterre في ربيع ١٩٦٨م عن حيرة بعض قطاعات اليسار الجديد بشأن النظرية والإحساس المؤقت بعدم أهميتها، فالمنظرون يثيرون الضحك " ومع ذلك فقد لاحظ دانيل بندت في نفس الوقت وجود فجوة بين النظرية والممارسة . وذلك من خلال الدور الذي لعبته "مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي وهي المدرسة التي ضمت جيرجون وتيودو أدورنو Theodor Adorno ومان هورکهایمر Max Harkheimer - التي يقال إنها كانت هامة كأي واقعة فريدة من حيث دورها في عملية إعادة الإحياء السياسي للرابطة الطلابية الألمانية الاشتراكية في الفترة ١٩٦١ - ١٩٦٥ . بالإضافة إلى ذلك فقد تحققت استجابة عالمية من قبل الراديكاليين الجدد لأفكار هريرت ماركيوز Herbort Marcuse وهو عضو آخر بالمدرسة، حيث سلمت الانتقادات السوفيتية الحديثة لنظريته بتهكم بأهمية أفكاره في الممارسة. وبسبب ضيق الوقت أو بسبب افتقار الدافع لإعادة صياغة النظريات القديمة أو تطوير نظريات جديدة، فقد أشبعت حاجة الراديكاليين إلى النظرية في بعض الأحيان بواسطة استيعابهم السريع للماركسية المبتذلة، الأمر الذي لا يقدم لهم أية مساعدة حقيقية. حد ما يستخدمها المرء. وبخاصة الاتجاه الوظيفي لتالكوت بارسونز Talcott Parsons ، حتى ولو كان ذلك من قبيل التحايل وحده. وحيث أصبح من الصعب عليها أن تستوعب الإسهامات القديمة لكل من جورج لوكاش George Lukas وأنطونيو جرامشى Antonio Gramsei ، ناهيك عن إسهامات الباحثين المعاصرين الأذكياء من الألمان والإيطاليين والفرنسيين. وبسبب ذلك كان الماركسيون الأمريكيون هم الأقل أصالة وإبداعا في عالم الماركسية. غير أنهم عملياً لم يعمقوها. فإذا لم يرغب المرء في الاعتقاد بأن العلوم الاجتماعية الأكاديمية لم تسهم بشيء ذي قيمة في فهم المجتمع الحديث خلال الثلاثين عاماً السابقة،