علي لابوانت. عمار لشموت كاتب من الجزائر ما تزال صورة علي عمار الملقب بـ “علي لابوانت" عالقة في ذاكرة الأجيال، وعلى طول بعض أحياء وأزقة شوارع القصبة بالعاصمة يبدع رسامو الشوارع في رسم تصاميم فنية تعيد علي لابوانت إلى حاضنته الثورية، وتُدَوَن على الجدران شعارات تحكي عن بطولاته، حيث يُعد واحدًا من أبطال معركة الجزائر وفدائيي العاصمة. كان علي عمار فتى في الثالثة عشر من العمر، وعبر أحد ممرات جبل زكار بمليانة، أنها تَعكس لوحدها مسار التحولات التي طَبعت الثورة المسلحة التي انطلقت في الفاتح تشرين الثاني/نوفمبر عام 1954، ولم يعرف النضال السياسي وأبجديات الحركة الاستقلالية وتطوراتها، بل بالعكس كان شابًا ينشط ضمن عصابات الأحياء القصبة، طفولة علي عمار كان ينحدر من عائلة فقيرة جدًا، توفي والده وهو لا يزال طفلًا، لم يعرف علي عمار طريق المدرسة، وكان الشارع ملجأه الوحيد لسد رمق جوعه، لهذا السبب كان الكثير التشاجر والعراك بالشوارع. كان لوجود الاستعمار الفرنسي بالجزائر، سببًا مباشرًا في انتشار مظاهر الحرمان والبؤس والفقر وسط الأهالي، ما دفع علي عمار إلى القيام بأعمال النشل والسطو على مزارع المستوطنين، خلال الحرب العالمية الثانية في سنة 1943، كان علي عمار فتى في الثالثة عشر من العمر، تمكّن من السطو على شاحنة عسكرية فرنسية كانت محملة بألبسة و معدات، غير أن الحراس والجنود تمكنوا من إلقاء القبض عليه، وسُجن على إثر ذلك لأول مرة، وتعرض للضرب المبرح على يد أعوان السجن، دفع ضيق العيش والتهميش التي تَعرضت إليه عائلة علي عمار في ولاية مليانة، إلى تَنَقُل الأسرة إلى العاصمة سنة 1945، وانضم إلى نادي الملاكمة بباب الواد، تلقى يومًا صفعة على يد الشرطي الملقب بـ "حميد"، لم يتقبل تلك الحادثة وكان يروي بحرقة تفاصيلها لرفقاء الكفاح. وفي العشرينات من عمره بدأ علي عمار يتردد على حي القصبة، وتمكن من أن يفرض وجوده وسط العصابات المنظمة بالعاصمة، والتي كان يقودها المدعو طاهر الشريف رفقة مصطفى حميش، أثبت علي عمار حضوره بفضل ذكائه وسرعة تحركاته ونشاطه وشجاعته، ليكتب اسمه من ذهب في تاريخ الثورة التحريرية. قصة حب تجمع علي وزبيدة جُبلَ علي عمار على الخشونة والحدة في التعامل والطباع ، غير أن الحب تمكن من التسلل إلى فؤاده، تُبرز الجانب الرجولي والرومنسي عند علي عمار، الذين كانوا يستغلون الفتيات ويرغموهن على أداء كل النشاطات غير القانونية، وأصر على انسحابها من عصابة الإخوة حميش، رفضت الهروب رفقته، لكن وأمام إلحاح وإصرار علي عمار، وتحديه لـ مصطفى حميش، جعل العصابة تَتقبل مغادرة زبيدة ورحيلها، ليتمكن علي من إخراجها من براثن الفساد والانحراف. في العشرينات من العمر تتحول حياة علي إلى مسار آخر في مواجهة العصابات، ففي 1950 تُلقي عليه الشرطة الفرنسية القبض، ويسجن لمدة عامين في سجن سركاجي بالعاصمة، الأمر الذي انعكس على طباعه وسلوكه. وتشكيل جماعة من أبناء القصبة، محاولًا فرض سطوته، تمكن علي من الاستحواذ على حدود نشاط قرب القصبة، بعد الانقضاض على عصابة "مُحا الصغير"، في معركة عرفت اشتباكات بالأسلحة النارية، وحكم عليه بجناية محاولة القتل العمدي، في سجن سركاجي تمكن علي عمار من فرض سطوته وسلطانه، وهو الأمر الذي أزعج الشرطة وإدارة السجن، بسبب أن علي عمار لم يكن مخبرًا أو متعاونًا مع الإدارة والأجهزة الأمنية، صحوة الضمير الوطني انتبه علي عمار إلى انضباط وانتظام وصبر هؤلاء السجناء الجدد، وتسائل عن غايتهم وسبب تعرضهم إلى الحبس والسجن، فأوضح له رفقائه أنهم جماعة من الناس يريدون الاستقلال. حاول علي لابوانب الاقتراب من بعض السجناء السياسيين ممن تعرف عليهم سابقًا بالقصبة، وبات يبحث عن سبب اعتزازهم وسعادتهم وهم في السجن، التي لم يكن يفقه فيها أشياء كثيرة. والاستماع إلى دروس عن الوطنية، وعن أسباب سلب الكرامة واللاعدالة والبأس والحرمان، وأمام تسارع الأحداث بالخارج، وتم الهروب في يوم الـ 22 من شهر نسيان/ أبريل عام 1955 عبر حقول ومزارع الكروم اللذان كانا يشتغلان فيها. تمكن علي لابوانت من البقاء بعيدًا ومختفيًا، إلى غاية 15 من أيلول/ سبتمبر 1955، حيث جرت عملية استهداف أحد أعوان شرطة الاستعلامات المدعو "لعزيب الحاج السعيد"، وشكلت هذه الحادثة أول عملية فدائية في أسفل القصبة واستشهاد عزوز قدور بعد المطاردة، لكن عامل الثقة وكيفية الانضمام كانت تطرح الكثير من الأسئلة. كان "الغراب" في اتصال مباشر مع ياسف سعدي المدعو "السي جعفر" والذي كلفه بالإشراف على تنظيم سرايا الفدائيين وتطهير أحياء القصبة من المخبرين والجواسيس وسط العصابات المعروف عنها التعامل مع الشرطة. خاصّة أنه كان محل بحث ومراقبة من طرف الشرطة، تم تحضير أول لقاء بين ياسف وعلي في شارع حداد عبد الرزاق (مستشفى آيت أيدير حاليًا)، ومشددًا على الانضباط. في 40 شارع علي عمار حاليًا، متمنيًا له التوفيق. فجأة وقفت امرأة بجانبه وأشارت إلى الشرطي المعني بالاغتيال، انتظر علي خروج الشرطي من المقهى، وجد علي لابوانب منتصبًا وجهًا لوجه أمام الشرطي مصوبًا السلاح على رأسه قائلًا "خذ يا خبيث"، أعاد علي الكرة لمرة الثانية والثالثة لكن يبدو أن الرصاصة لم تخرج، وأمام الموقف المفاجئ وغير المتوقع وبالقبضة المسدس ينهال عليه ضربًا ويسقطه أرضًا ويهرب بسرعة من المكان متسللًا وسط المارة. اشتد غضب علي عمار من ياسف سعدي، متوهمًا أن العملية المقصود منها التخلص منه، وقبل أن ينطق علي بكلمة، عاتبه السي جعفر بشدة وقوة على عدم احترامه لقواعد العملية والتعليمات الصادرة عن الاستهداف من الخلف وليس الاستهداف المباشر،