---الفصل الأول: البداية والتكفّلفِي إِحْدَى الْقُرَى الصَّغِيرَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، كَانَ سَعِيدٌ يَعِيشُ حَيَاةً مُتَوَاضِعَةً مَعَ وَالِدَتِهِ الْعَجُوزِ، كَانَ سَعِيدٌ رَجُلاً فِي مُنْتَصَفِ الثَّلَاثِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ، وَأَحْيَاناً أُخْرَى يُسَاعِدُ الْتُّجَّارَ فِي نَقْلِ الْبِضَائِعِ. لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُ سَهْلَةً، يَمْلَؤُهَا الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللّهُ لَهُ.فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ سَعِيدٌ عَائِداً مِنْ عَمَلِهِ الْمُتْعِبِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَمَحَ طِفْلاً صَغِيرًا جَالِساً عِنْدَ أَطْرَافِ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَرْيَةِ. كَانَ الطِّفْلُ لَا يَتَجَاوَزُ عُمْرُهُ الْعَامَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَوَجْهٍ شَاحِبٍ يُوْحِي بِالْجُوعِ وَالْخَوْفِ. تَوَقَّفَ سَعِيدٌ مُذْهُولاً أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ، وَاقْتَرَبَ بِبُطْءٍ وَهُوَ يَسْأَلُ الطِّفْلَ:ـ "يَا صَغِيرِي.لَكِنَّ الطِّفْلَ لَمْ يُجِبْ، وَاكْتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ بِعُيُونٍ وَاسِعَةٍ وَكَأَنَّهُ يَرْجُو الْحِمَايَةَ. وَالْقَرْيَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَيُّ خَبَرٍ عَنْ فُقْدَانِ طِفْلٍ. شَعَرَ سَعِيدٌ أَنَّ قَلْبَهُ يَنْقَبِضُ وَهُوَ يُمَدُّ يَدَهُ لِلْطِّفْلِ وَيَقُولُ: تَعَالَ مَعِي، سَأَجِدُ لَكَ مَكَاناً آمِناً.أَخَذَهُ سَعِيدٌ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ، اسْتَقْبَلَتْهُ وَالِدَتُهُ بِدَهْشَةٍ وَهِيَ تَرَى الطِّفْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ.ـ "يَا بُنَيَّ، إِن لَمْ نَجِدْ أَهْلَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي الشَّارِعِ هَكَذَا.مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَغَيَّرَتْ حَيَاةُ سَعِيدٍ وَوَالِدَتِهِ. فَقَدْ أَصْبَحَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ يَضْجُّ بِضَحِكَاتِ الطِّفْلِ، لَمْ يَعْرِفُوا مِنْ أَيْنَ جَاءَ وَلَا كَيْفَ اِنْتَهَى بِهِ الْمَطَافُ وَحِيداً فِي الطَّرِيقِ،مَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَبَدَأَ حَسَنٌ يَكْبُرُ فِي أَحْضَانِ جَدَّةٍ حَنُونٍ وَأَبٍ بِالتَّكفُّلِ. كَانَتِ الْأُمُّ الْعَجُوزُ تَقُومُ بِدَوْرِ الْأُمِّ الْحَقِيقِيَّةِ: تُحَضِّرُ لَهُ الطَّعَامَ، وَتُغَنِّي لَهُ قَبْلَ النَّوْمِ، وَتَضُمُّهُ حِينَ يَبْكِي. فَقَدْ أَخَذَ عَلَى عَاتِقِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي وَالْمُعَلِّمَ، فَيُلَاعِبُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ ضَحْكَةً بَرِيئَةً تَخْتَرِقُ السُّكُونَ.كَانَتْ بَدَايَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا سَعِيدٌ، لَكِنَّهُ شَعَرَ مَعَهَا أَنَّ حَيَاتَهُ امْتَلَأَتْ بِمَعْنًى لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ. وَمَعَ مَرُورِ الْوَقْتِ، فَقَدْ أَصْبَحَ ابْناً لِسَعِيدٍ بِنَظَرِ الْجَمِيعِ،الفصل الثاني: الحياة المشتركة وَمَعَ كُلِّ يَوْمٍ كَانَ يَزْدَادُ تَعَلُّقُ سَعِيدٍ وَوَالِدَتِهِ بِهِ. وَضَحِكَاتُهُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأَجْوَاءَ، وَحَتَّى بُكاؤُهُ حِينَ يَغْضَبُ أَوْ يَطْلُبُ شَيْئاً،اعْتَادَتِ الْأُمُّ الْعَجُوزُ أَنْ تُوقِظَهُ كُلَّ صَبَاحٍ بِحَنَانٍ: الشَّمْسُ أَشْرَقَتْ، وَالْفُطُورُ جَاهِزٌ. وَيَرْكُضُ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ حَيْثُ الْخُبْزُ السَّاخِنُ وَالْحَلِيبُ الطَّازِجُ. كَانَ سَعِيدٌ يَجْلِسُ بِجَانِبِهِ، يُرَاقِبُ ابْتِسَامَتَهُ وَيَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الصَّغِيرَ هُوَ تَعْوِيضٌ مِنَ اللّهِ عَنْ سَنَوَاتِ الْوِحْدَةِ وَالْحَرْمَانِ. كَانَ سَعِيدٌ أَحْيَاناً يَأْخُذُ حَسَنَ مَعَهُ. ثُمَّ يَرْكُضُ بَيْنَ الزَّرْعِ الصَّغِيرِ، يَلْمَسُ السَّنَابِلَ بِيَدَيْهِ وَكَأَنَّهُ يَكْتَشِفُ الْعَالَمَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى. فَيَقُولُ لَهُ:ـ "سَتَكْبُرُ يَوْماً وَتُصْبِحُ رَجُلاً قَوِيّاً، رُبَّمَا أَفْضَلَ مِنِّي يَا حَسَنُ. فَقَدِ اعْتَادَتِ الْجَدَّةُ أَنْ تُحْكِيَ لَهُ الْقِصَصَ الْقَدِيمَةَ. يَجْلِسُ حَسَنٌ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا مُسْتَمْتِعاً، بَيْنَمَا يَجْلِسُ سَعِيدٌ بِقُرْبِهِمَا، يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَشْعُرُ بِدَفءِ الْعَائِلَةِ الَّذِي افْتَقَدَهُ مُنْذُ زَمَنٍ.مَعَ مَرُورِ السَّنَوَاتِ، يُمْسِكُ يَدَهُ بِحَنَانٍ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَعُودُ فِيهَا الطِّفْلُ وَمَعَهُ دَفْتَرٌ مُلْئٌ بِالْكِتَابَةِ الْمُتَعَثِّرَةِ أَوْ رَسْمَةٌ بَسِيطَةٌ، كَانَ سَعِيدٌ يَشْعُرُ بِالْفَخْرِ وَكَأَنَّهُ أَنْجَزَ شَيْئاً عَظِيماً فِي حَيَاتِهِ.هَكَذَا تَدَاخَلَتْ حَيَاتُهُمْ الْيَوْمِيَّةُ: حَسَنٌ يَتَعَلَّمُ وَيَنْمُو، الْجَدَّةُ تَمْنَحُهُ الْحَنَانَ وَالرِّعَايَةَ، وَمَعَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تَكُنْ خَالِيَةً مِنَ الصُّعُوبَاتِ، إِلَّا أَنَّ وُجُودَ حَسَنٍ بَيْنَهُمْ جَعَلَ كُلَّ مُعَانَاةٍ تَهُونُ.إليك النص مُشكّل بالكامل دون أي حذف أو تغيير في الحروف:---الفصل الثالث: العلامات الغامضةمَعَ بُلُوغِ حَسَنٍ سِنَّ الْعَاشِرَةِ، بَدَأَتْ تَظْهَرُ تَفَاصِيلُ صَغِيرَةٌ جَعَلَتْ سَعِيداً يَتَوَقَّفُ لِلتَّأَمُّلِ أَحْيَاناً. كَانَ الصَّغِيرُ يَمْتَلِكُ مَلَامِحَ مَأْلُوفَةً بِشَكْلٍ غَرِيبٍ: ابْتِسَامَةٌ تُذَكِّرُهُ بِشَخْصٍ رَآهُ فِي الْمِرْآةِ يَوْماً، حَرَكَةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ قَرِيبَةٌ مِنْ حَرَكَاتِهِ الْخَاصَّةِ. لَاحَظَتْ إِحْدَى الْجَارَاتِ أَنَّ مَلَامِحَهُ تُشْبِهُ مَلَامِحَ سَعِيدٍ فِي شَبَابِهِ، فَقَالَتْ مَازِحَةً:ـ "كَأَنَّهُ ابْنُكَ فِعْلاً يَا سَعِيدُ، سُبْحَانَ اللّهِ كَيْفَ يُشْبِهُكَ!" لَكِنَّهُ فِي دَاخِلِهِ شَعَرَ بِوَخْزَةٍ غَامِضَةٍ. كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّشَابُهُ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ؟ فَقَدْ كَانَ حَسَنٌ يُحِبُّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي كَانَ سَعِيدٌ يُعْشِقُهَا فِي صِغَرِهِ، وَيُشَارِكُ وَالِدَهُ الْمُكفَّلَ نَفْسَ الْعَادَاتِ الصَّغِيرَةِ: طَرِيقَةُ الْجُلُوسِ، ابْتِسَامَةٌ خَجُولَةٌ عِنْدَ الثَّنَاءِ،فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كَانَ سَعِيدٌ يَجْلِسُ وَحْدَهُ يَتَأَمَّلُ وَجْهَ حَسَنَ النَّائِمِ، شَعَرَ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مُصَادَفَاتٍ. فَقَدْ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكْشِفَ لَهُ الْقَدَرُ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدّاً لِمُوَاجَهَتِهِ.��إليك النص مُشكّل بالكامل دون أي حذف أو تغيير في الحروف:---الفصل الرابع: لَحَظَاتُ الشَّكِّبَدَأَتْ مَشَاعِرُ سَعِيدٍ تَتَعَقَّدُ شَيْئاً فَشَيْئاً. لَمْ يَعُدْ قَادِراً عَلَى تَجَاهُلِ التَّشَابُهِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَسَنٍ. صَارَ يَسْهَرُ لَيْلَاً وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ أَحْدَاثَ الْمَاضِي، يَتَذَكَّرُ عَلَاقَةً قَدِيمَةً خَاضَهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، فَتَاةً أَحَبَّهَا بِشِدَّةٍ ثُمَّ افْتَرَقَا فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ.هَلْ يُعَقَلُ أَنْ يَكُونَ حَسَنٌ ابْنَهُ حَقّاً؟ كَانَ هَذَا السُّؤَالُ يُطَارِدُهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. يَضْحَكُ وَيَلْعَبُ مَعَ حَسَنٍ كَأَبٍ مُكفَّلٍ،زَادَ خَوْفُهُ حِينَ بَدَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ يُكَرِّرُونَ الْمِزَاحَ نَفْسَهُ: كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صَلْبِكَ.كَانَ يَضْحَكُ مُتَظَاهِراً بِعَدَمِ الْاِكْتِرَاثِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَخْفِقُ بِشِدَّةٍ كُلَّ مَرَّةٍ يَسْمَعُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ. لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الْاِعْتِرَافِ حَتَّى لِوَالِدَتِهِ، الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ يَتَقَلَّبُ فِي فِرَاشِهِ لَيْلَاً دُونَ نَوْمٍ.--- بَلْ أَصْبَحَ صَبِيّاً ذَا شَخْصِيَّةٍ آخِذَةٍ فِي التَّشَكُّلِ، يُكَوِّنُ صَدَاقَاتٍ، وَيَخُوضُ تَجارِبَ تُعَلِّمُهُ مَعْنَى الْحَيَاةِ شَيْئاً فَشَيْئاً. كَانَ حَسَنٌ مَحْبُوباً بَيْنَ زُمَلائِهِ. كَانَ مَرِحاً، يَمْتَلِكُ قَلْباً صَافِياً يَجْعَلُ الْآخَرِينَ يَنْجَذِبُونَ إِلَيْهِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْأَكْثَرَ تَفَوُّقاً فِي الدِّرَاسَةِ، فَقَدْ كَانَ يُوَاجِهُ صُعُوبَةً فِي الْحِسَابِ وَالرِّيَاضِيَاتِ، فَيَجْلِسُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يُحَاوِلُ حَلَّ مَسْأَلَةٍ بَسِيطَةٍ، بَيْنَمَا زُمَلاؤُهُ يُنْهُونَهَا فِي دَقَائِقَ.ـ "لَا تَقْلَقْ يَا أَبِي،ضَحِكَ سَعِيدٌ،ـ "الْمُهِمُّ يَا حَسَنُ أَلَّا تَفْقِدَ عَزِيمَتَكَ. بَلْ بِالصَّبْرِ وَالإِصْرَارِ.تَأَثَّرَ حَسَنٌ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَكَانَ حَسَنٌ قَائِدَ الْمَجْمُوعَةِ. سَوَاءً فِي كُرَةِ الْقَدَمِ الَّتِي كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِأَقْدَامٍ حَافِيَةٍ فِي السَّاحَةِ التُّرَابِيَّةِ، كَانَ يَمْتَلِكُ قُدْرَةً عَلَى بَثِّ الْحَمَاسِ فِي الْآخَرِينَ، لَا نَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ،اِرْتَبَكَ حَسَنٌ، شَعَرَ بِجُرْحٍ فِي قَلْبِهِ لَمْ يَخْتَبِرْهُ مِنْ قَبْلُ. وَجَلَسَ صَامِتاً عَلَى الْعَتَبَةِ. رَأَتِ الْجَدَّةُ مَلَامِحَهُ الْحَزِينَةَ فَسَأَلَتْهُ، جَلَسَ بِجَانِبِهِ بِرِفْقٍ وَقَالَ:ـ "اِحْكِ لِي يَا بُنَيَّ، مَاذَا حَدَثَ؟"اِنْفَجَرَ حَسَنٌ بِالْبُكَاءِ، وَحَكَى مَا قِيلَ لَهُ. أَصْغَى سَعِيدٌ إِلَى كُلِّ كَلِمَةٍ، ثُمَّ اِحْتَضَنَهُ بِقُوَّةٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ حَازِمٍ:ـ "يَا بُنَيَّ، الْعَائِلَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ مَنْ يَنْجُبُكَ، أَنْتَ ابْنِي أَمَامَ اللَّهِ وَأَمَامَ النَّاسِ. شَعَرَ أَنَّ سَعِيدَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُكفَّلٍ أَوْ رَاعٍ لَهُ، بَلْ أَباً حَقِيقِيّاً بِكُلِّ مَا لِلْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى.بِمُرُورِ الْوَقْتِ، أَصْبَحَ حَسَنٌ أَكْثَرَ قُوَّةً. مَهْمَا كَانَ بَسِيطاً، يُجْلِبُ الْفَخْرَ إِلَى قَلْبِ سَعِيدٍ وَالْجَدَّةِ. وَعِنْدَمَا نَجَحَ لِلْأُولَى فَرَةٍ فِي حَلِّ مَسْأَلَةٍ صَعْبَةٍ بِمُفْرَدِهِ،ـ "اُنْظُرْ! فَعَلْتُهَا بِنَفْسِي.ضَحِكَ سَعِيدٌ بِدُمُوعٍ فِي عَيْنَيْهِ وَقَالَ:كَانَتْ تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الصَّغِيرَةُ تَصْنَعُ فَارِقاً كَبِيراً فِي حَيَاةِ الْجَمِيعِ. أَمَّا الْجَدَّةُ، فَقَدْ رَأَتْ فِي حَسَنٍ اِمْتِدَاداً لِرُوحِ الْعَائِلَةِ، فَأَحَاطَتْهُ بِحَنَانِهَا الَّذِي لَا يَنْتَهِي. شَكَّلَتْ صَدَاقَاتُ حَسَنٍ وَتَجَارُبُهُ الْيَوْمِيَّةُ أَسَاساً لِشَخْصِيَّتِهِ النَّاشِئَةِ، بَيْنَمَا ظَلَّ سَعِيدٌ وَوَالِدَتُهُ يُتَابِعَانِ نُمُوَّهُ بِشَغَفٍ وَفَخْرٍ، كَأَنَّهُمَا يَرَيَانِ زَهْرَةً صَغِيرَةً تَتَفَتَّحُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمَا يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ.الفَصْلُ السَّادِسُ: مُوَاجَهَةُ الْمَاضِيكَبُرَ حَسَنٌ أَكْثَرَ، فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ الْحَسَّاسَةِ،فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، وَبَيْنَمَا كَانَ سَعِيدٌ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي سَاحَةِ الْبَيْتِ يَتَأَمَّلُ النُّجُومَ، جَاءَهُ أَحَدُ رِجَالِ الْقَرْيَةِ الْقُدَمَاءِ، شَيْخٌ تَجَاوَزَ السَّبْعِينَ. جَلَسَ بِجَانِبِهِ وَقَالَ لَهُ بِهُدُوءٍ: مُنْذُ سَنَوَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ حَسَنٌ فَجْأَةً فِي حَيَاتِكَ،تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ سَعِيدٍ، وَتَذَكَّرَ فَوْراً تِلْكَ الْفَتَاةَ الَّتِي أَحَبَّهَا فِي شَبَابِهِ. تَذَكَّرَ عَيْنَيْهَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا تَشْبَهَانِ عَيْنَي حَسَنٍ، وَتَذَكَّرَ رَحِيلَهَا الْمُفَاجِئَ دُونَ أَنْ تُوَدِّعَهُ أَوْ تَشْرَحَ لَهُ شَيْئاً. بَيْنَمَا تَابَعَ الشَّيْخُ كَلَامَهُ:ـ "لَا أَدْرِي إِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَاقَةٌ بِالْوَلَدِ الَّذِي تَكفَّلْتَهُ. لَكِنَّ الزَّمَنَ غَرِيبٌ يَا بُنَيّ، وَالْأَسْرَارُ لَا تَبْقَى مَدْفُونَةً لِلأَبَدِ.اِرْتَجَفَ قَلْبُ سَعِيدٍ، تَسَاءَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ:ـ "هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَسَنٌ ثَمَرَةَ ذَلِكَ الْحُبِّ الْقَدِيمِ؟ هَلْ تَرَكْتَنِي وَرَحَلَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ طِفْلاً مِنِّي؟" كَانَ قَلْبُهُ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الْفَرَحِ وَالذَّعْرِ: فَرَحٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمْلِكُ ابْناً حَقِيقِيّاً لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئاً، وَذَعْرٌ لِأَنَّهُ إِنْ كَشَفَ الْأَمْرَ، قَدْ تَتَغَيَّرُ حَيَاتُهُ كُلُّهَا. بَلْ بَدَأَتِ الشَّائِعَاتُ تَنْتَشِرُ بَيْنَ بَعْضِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ. صَارَ الْبَعْضُ يَهْمِسُ: لَعَلَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ.أَدْرَكَ سَعِيدٌ أَنَّ الْمَاضِي يَقْتَرِبُ مِنَ الْحَاضِرِ بِقُوَّةٍ،الفَصْلُ السَّابِعُ: اكْتِشَافُ الْحَقِيقَةِ جُزْئِيًّامَعَ تَقَدُّمِ حَسَنٍ فِي الْعُمْرِ وَوُصُولِهِ إِلَى الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ، صَارَتْ مَلَامِحُهُ أَكْثَرَ وَضُوحًا، وَصَارَ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ يُعَلِّقُ عَلَى الشَّبَهِ الْكَبِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعِيد. لَكِنَّهُ فِي دَاخِلِهِ كَانَ يَعِيشُ حَرْبًا لَا تَهْدَأُ. لَمْ يَعُدْ يُسْتَطَاعُهُ إِنْكَارُ مَا يَرَاهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ: شَكْلُ الْوَجْهِ، ابْتِسَامَةُ الشَّفَاهِ، حَمَلَهَا بِبَرَاءَةٍ وَذَهَبَ إِلَى سَعِيد قَائِلًا: مَا هَذِهِ الْأَوْرَاقُ؟ هَلْ هِيَ لَكَ؟" وَشَعَرَ كَأَنَّ الأَرْضَ سُحِبَتْ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. كَانَتْ تِلْكَ رَسَائِلَ مِنْ حُبِّهِ الْقَدِيمِ، مِنْ تِلْكَ الْفَتَاةِ الَّتِي رَحَلَتْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ:لَكِنَّ الْفُضُولَ كَانَ قَدْ غَرَسَ بُذُورَهُ فِي قَلْبِ حَسَن.فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَ حَسَنُ مَعَ جَدَّتِهِ، وَسَأَلَهَا: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ شَيْئًا. لِمَاذَا يُشَبِّهُنِي الْجَمِيعُ بِأَبِي سَعِيد؟ هَلْ بَيْنَنَا شَيْءٌ لَا أَعْرِفُهُ؟"تَرَدَّدَتِ الْجَدَّةُ طَوِيلًا، وَضَرَبَ قَلْبُهَا بِخَوْفٍ مِنْ انْكِشَافِ السِّرِّ. لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُفْصِحَ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهَا قَالَتْ:ـ "يَا بُنَيّ، وَقَدْ يُخْطِئُونَ. لَكِنَّ الْمُهِمَّ أَنَّكَ وُجِدْتَ فِي حَيَاتِنَا، وَأَنَّنَا نُحِبُّكَ كَأَنَّكَ مِنْ دَمِنَا وَلَحْمِنَا. وَيُعِيدُ فِي ذِهْنِهِ تَفَاصِيلَ مَوَاقِفَ عَدِيدَةٍ: لِمَاذَا كَانَ سَعِيدٌ يُدَافِعُ عَنْهُ بِشِدَّةٍ كُلَّمَا انْتَقَدَهُ أَحَدٌ؟ لِمَاذَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا بِنَظْرَةٍ غَامِضَةٍ مَزِيجٍ مِنَ الْحُبِّ وَالذَّنْبِ؟وَذَاتَ مَسَاءٍ،تَوَقَّفَتْ أَنْفَاسُ سَعِيد، تِلْكَ اللَّحْظَةُ لَمْ تَكْشِفِ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً،وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا. صَارَ حَسَنُ أَكْثَرَ صَمْتًا وَتَأَمُّلًا، وَصَارَ سَعِيدٌ أَكْثَرَ قَلَقًا وَشَرُودًا، كَأَنَّ السِّرَّ بَدَأَ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ التُّرَابِ لِيُضِيءَ مَا حَاوَلَ إِخْفَاءَهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَة.الفَصْلُ الثَّامِنُ: الْاعْتِرَافُ وَالصِّرَاع كَانَ حَسَنُ يَزْدَادُ نُضْجًا وَفُضُولًا، وَسَعِيدٌ يَزْدَادُ ضَعْفًا أَمَامَ أَسْئِلَةِ الْوَاقِع. حِينَ عَادَ حَسَنٌ مِنَ الْمَدْرَسَةِ مُرْهَقًا، وَجَدَ سَعِيدًا جَالِسًا وَحْدَهُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ فِي الْحَدِيقَةِ، أَرْجوكَ لَا تُخْفِ عَنِّي شَيْئًا بَعْدَ الآن. أَنَا قَوِيٌّ بِمَا يَكْفِي لِأَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ. وَبِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ قَالَ:ـ "يَا بُنَيّ. لَمْ أَكْذِبْ عَلَيْكَ يَوْمًا، لَكِنِّي خَبَّأْتُ عَنْكَ شَيْئًا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ يُدَمِّرَكَ. الْحَقِيقَةُ أَنَّكَ. لَسْتَ مُجَرَّدَ وَلَدٍ تَكفَّلْتُهُ. أَنْتَ ابْنِي الْحَقِيقِيّ. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ بِدَهْشَةٍ عَارِمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ مَبْحُوح:ـ "ابْنُك؟ مَاذَا تَقُول؟" وَأَخَذَ يُرَوِي لَهُ الْقِصَّةَ الْكَامِلَةَ: كَيْفَ أَحَبَّ تِلْكَ الْفَتَاةَ فِي شَبَابِهِ، وَكَيْفَ رَحَلَتْ فَجْأَةً دُونَ أَنْ تُبْحِ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ طِفْلًا مِنْهُ،ـ "لِمَاذَا أَخْفَيْتَ عَنِّي هَذَا كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي أَعِيشُ حَائِرًا بَيْنَ كَلَامِ النَّاسِ وَصَمْتِكَ؟"ارْتَبَكَ سَعِيد، وَقَالَ:ـ "كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكْرَهَنِي. دَخَلَتِ الْجَدَّةُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ صَوْتَهُمَا الْمُرْتَفِع. جَلَسَتْ بِجَانِبِهِمَا وَقَالَتْ بِهُدُوءٍ عَمِيقٍ:ـ "كَفَى يَا وَلَدِي. لَمْ نُرِدْ أَنْ تَحْمِلَ أَثْقَالَ أَسْرَارٍ أَكْبَرَ مِنْ عُمُرِكَ. بَيْنَ مَشَاعِرِ الْغَضَبِ وَالْحُبِّ، بَيْنَ أَلَمِ الْخَدِيعَةِ وَدَفءِ الْحَقِيقَة. لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: حَيَاتُهُ لَنْ تَظَلَّ كَمَا كَانَتْ بَعْدَ الْيَوْمِ.الفَصْلُ التَّاسِع: التَّقَبُّلُ وَالتَّكَيُّفبَعْدَ الِاعْتِرَافِ الْكَبِيرِ، سَادَ الْبَيْتَ صَمْتٌ مُخِيف. وَبِالْأَلَمِ الَّذِي يَسْكُنُ الصُّدُور. فَقَدْ تَغَيَّرَ نَظَرُهُ إِلَى الْعَالَمِ وَإِلَى سَعِيد. كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ انْكَسَرَ، وَأَنَّ الْجِدَارَ الَّذِي بُنِيَ بَيْنَهُمَا مِنَ الثِّقَةِ اهْتَزَّ بِعُنْفٍ. كَانَتِ الْجَدَّةُ تُحَاوِلُ أَنْ تُلَيِّنَ قَلْبَ الْفَتَى، وَأَحْيَانًا يَضْطَرُّ الْإِنْسَانُ أَنْ يُخْفِي بَعْضَ الْحَقَائِقِ حَتَّى لَا يَجْرَحَ مَنْ يُحِبّ.ـ "لَكِنَّهُ جَرَحَنِي حِينَ صَمَتَ. لَمْ يَكُنْ يُجَادِلُ،وَذَاتَ يَوْمٍ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ بِالْحِسْبَان. عَادَ حَسَنٌ مِنَ الْمَدْرَسَةِ مُتْعَبًا، وَقَدْ بَدَا عَلَيْهِ الضِّيق.ـ "الْيَوْمَ، قَالَ لِي أَحَدُ زُمَلَائِي: إِنَّنِي أَشْبَهُ أَبِي أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِي. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَهْرُبَ مِنَ الْحَقِيقَةِ بَعْدَ الآن.فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَ سَعِيدٌ جَالِسًا يُمْسِكُ بِصُورَةٍ قَدِيمَةٍ تَجْمَعُهُ بِحُبِّهِ الأَوَّل. اقْتَرَبَ حَسَنُ بِبُطْءٍ وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِت: مَا زِلْتُ غَاضِبًا. أَشْعُرُ أَنَّنِي أَنْتَمِي إِلَيْكَ،امْتَلَأَتْ عَيْنَا سَعِيد بِالدُّمُوع، وَأَمْسَكَ يَدَ حَسَن قَائِلًا: لَقَدْ عِشْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْكَ، فَقَدْ كَانَ حَسَنٌ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي الْعِتَابِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْغُفْرَان، بَلْ رَجُلًا ضَعِيفًا أَخْطَأَ بِدَافِعِ الْحُبِّ.اَلْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا أَخَذَتْ شَكْلًا جَدِيدًا: أَكْثَرَ صِدْقًا، وَأَكْثَرَ شَفَافِيَّةً. وَتَقُولُ لِنَفْسِهَا:ـ "الْحَمْدُ لِلَّه. لَمْ يَذْهَبْ صَبْرُ السِّنِينَ هَبَاءً. لَقَدْ عَادَ الْابْنُ إِلَى أَبِيهِ، وَعَادَتِ الْقُلُوبُ لِتَلْتَقِي. هذا هو النص العاشر بعد التشكيل الكامل:الفَصْلُ العَاشِر: النِّهَايَةُ وَالعِبْرَةُ لَمْ يَكُنِ اكْتِشَافُهُ لِلْحَقِيقَةِ مُجَرَّدَ حَدَثٍ عَابِرٍ، بَلْ كَانَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِهِ. لَقَدْ عَلَّمَهُ أَنَّ الحُبَّ الحَقِيقِيَّ لا يُقَاسُ بِمَا يُقَالُ، صَارَ يَعِيشُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ ابْنِهِ كَهَدِيَّةٍ ثَمِينَةٍ لَا تُقَدَّرُ. وَصَارَ قَلْبُهُ مَفْتُوحًا أَمَامَ حَسَنٍ بِلَا خَوْفٍ وَلَا تَرَدُّدٍ. جَلَسُوا جَمِيعًا: سَعِيدٌ، وَالْجَدَّةُ.