موقف أمراء أوروبا من الدعوة إلى الحرب الصليبية: أي قبل أن يدعو الباب أوربان الثاني عام ١٠٩٥م للحملة التي عرفت في التاريخ باسم الحملة الصليبية الأولى. فمنذ توسع المسلمين في حوض البحر المتوسط والحروب لم تنقطع بينهم وبين المسيحين الأوروبيين. واشتهرت من بين ميادينها آسيا الصغرى منذ عام ۱۰۷۱م وشبه جزيرة اليريا منذ عام ۱۰۸٥م وجنوب إيطاليا منذ عام ١٠٦٠ م ثم صقلية ثم شمال أفريقيا ، على أنه بحلول القرن الحادي عشر واتجاه الغرب الأوروبي نحو إرسال حملات كبرى لاسترداد بيت المقدس من المسلمين، ووعد ميخائيل بأن يرد الجميل للبابوية بالعمل على إزالة الخلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية. وأرسل إلى ملوك أوروبا وأمرائها يوضح لهم سوء موقف المسيحيين في الشرق، وعندما واجه الإمبراطور الكسيوس الأول كومنين مشكلة الأتراك السلاجقة وجد أنه لا قبل له بهم، وهنا يبدو أن فكرة إرسال حملة صليبية إلى الشرق بالصورة التي تم عليها الأمر فعلاً، هذه الفكرة لم تكن من ابتكار الإمبراطور الكسيوس كومنين، بنفس الجهد والعزيمة التي يجرى بها طردهم من إسبانيا، فتح البابا أوربان الثاني باب المفاوضات مع الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين لتسوية المشاكل المعلقة بين الطرفين كما رفع قرار الحرمان الذي كان موقعاً على ذلك الإمبراطور، الأمر الذي أدى إلى نوع من التقارب بين الكنيستين الشرقية والغربية. كانت الخطط التي وضعها البابا أوربان الثاني لتوجيه الحملة الصليبية لم تكتمل بعد، فكل الذين احتشدوا بالمجمع كانوا من الفقراء والعامة. يحرصون على أن يتخذوا الصليب. وأول من علم بالحملة وأول من وعد بالاشتراك في الحرب الصليبية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي أعلن فيها ذلك الأمير الحرب على المسلمين، إذ سبق له أن شارك في حربهم في إسبانيا، وكان الأمير ريموند أول من نصح البابا أوربان إلى ضرورة الاعتماد على مساندة قوة بحرية، برسالتين إلى جمهورية جنوا، ووافقت الجمهورية على تقديم اثنتي عشرة سفينة كبيرة، وبذلك حققت جنوا لنفسها سبقاً كبيراً مكنها من اكتساب حقوق في بلاد الشام. واشترك في الحرب الصليبية عدد غير قليل من كبار النبلاء كيما يعطوها مساندة عسكرية قوية. وأبن خالته روبرت دوق نرمنديا، وصهره ستيفن كونت بلوا. كما أنضم إلى الحملة رجال، اشتدت صلتهم بالإمبراطور الألماني هنري الرابع ومن أشهر هؤلاء الرجال جودفري Godfrey دوق اللورين الأدنى وحاكم مدينة بوايون Bouillon الذي اتخذ الصليب، وفي تلك الأثناء وصلت أنباء الحملة إلى جنوب إيطاليا فاستقبلها النورمان في حماس شديد على أن الأمراء النورمان ترددوا أول الأمر، غير أن بوهيموند Bohemond أمير ترنتو Taranto ابن روبرت جسكارد قد ورث عن أبيه كل شجاعته وبراعته، فاتخذ الصليب مع عدد كبير من أفراد أسرته وأصدقائه وكان من بينهم ابن أخيه تنكرد الهوتفيلي Tancred of Hauteville الذي كان بهي الطلعة شجاعاً لا يهاب الموت، يعجب به الناس كافة ويرنه المثل الأعلى للفارس المسيحي، وترتب على اشتراكهم في الحرب الصليبية، أن انضم إلى الحركة الصليبية عدد كبير من الجنود النورمان، وأنضم الآلاف من المتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة المقدسة، ومنهم المغامرون التواقون إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بلاد الشرق، ومنهم الأبناء الصغار للنبلاء الذين يرجون أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البلاد، والمعاملات الوحشية التي يلقونها على أيدي المسلمين، وقد بلغ من أمر هذا الخليط أن النساء والأطفال أصروا في كثير من الحالات على الانضمام إلى صفوف المحاربين ليقوم النساء بخدمة أزواجهن، وكان على رأس هؤلاء الدعاة راهب يدعى بطرس الناسك Peter the Hermit وهو رجل طاعناً في السن حاول أن يقوم بالحج إلى بيت المقدس ولكنه تعرض في الطريق للأذى من قبل الأتراك السلاجقة فأرغموه على العودة دون أن يؤدي الحج، جعلت منه شخصية ذات تأثير خطير على جماهير العامة والدهماء في غرب أوروبا، وخرج من هذه الأقاليم بعدد ضخم من الأتباع - حوالي خمسة عشر ألفاً – لم يكن من بينهم إلا ثمانية من الفرسان، وحشد بطرس الناسك من مريديه من أنفذهم إلى المناطق التي لم يكن بوسعه أن يزورها ومن أبرزهم ولتر المفلس Walter the Prnniless الذي قاد أتباعه إلى بلاد المجر، كان ولتر المفلس يعبر بلاد المجر دون ان يعترضه حادث من الأحداث ، ثم اتجه إلى أراضي الدولة البيزنطية وفي الطريق نست تلك الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين. ومع ذلك فقد رحب الحكام البيزنطيون في البلقان بتلك الجموع الصليبية رغم مظهرها الرث الذي يدل على سوء تنظيمها وجهل أفرادها بأبسط مبادئ القتال. وهكذا شق الصليبيون طريقهم إلى فيليبوبوليس وأدرنة حتى بلغوا القسطنطينية في العشرين من يوليو عام ١٠٩٦م، وهناك سمح لهم الامبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين بالانتظار خارج أسوار العاصمة القسطنطينية حتى وصول بطرس الناسك. أما بطرس الناسك فقد غادر مدينة كلونيا في ابريل عام ١٠٩٦م على رأس حشوده من الرجال والنساء التي بلغت حوالي عشرين ألف، أن أعدوا أنفسهم للحاق به فيما بعد، خوفاً من أعمال السلب والنهب والقتل التي ارتكبتها تلك الحشود في طريقها إلى الأراضي البيزنطية، وإن كان اتباع بطرس الناسك قد استمروا في طريقهم إلى البسفور ينهبون ويسلبون كل ما وصل إلي أيديهم، حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى أسوار القسطنطينية في الثلاثون من يوليو عام ۱۰۹٦م حيث وجدوا والتر المفلس وجموعه في انتظارهم. إلا أن الإمبراطور البيزنطي قدم للراهب بطرس الناسك ولأتباعه النصح، ولكن جموع العامة لم يستطيعوا ضبط أنفسهم والكف عن النهب والسلب، فاستمروا يعتدون على المزارع والقرى والكنائس القريبة، فدفعه الخوف على عاصمته إلى الإسراع بنقل الصليبين إلى الشاطئ الآسيوي للبسفور وبدأت هذه العملية فعلاً في الخامس من أغسطس عام ١٠٩٦م. بعد أن نهبها السلاجقة منذ خمسة عشر عاماً . وبعد ذلك أغار الصليبيون على الأراضي الزراعية، فقاموا بالإغارة عليها، وفي منتصف سبتمبر بلغوا أبواب مدينة نيقية، عاصمة السلطان السلجوقي قلج أرسلان بن سليمان، سرية من جيش السلاجقة لقتالهم، غير أنها أرتدت على أعقابها بعد قتال عنيف، وبعد ذلك استولى الصليبين على قلعة اكسيريجوردن ولما علم السلطان السلجوقي بذلك أرسل أحد كبار القادة العسكريين على رأس جيش كثيف لاسترداد القلعة. وفي هذه المرحلة فقد بطرس الناسك سلطانه على الصليبيين، فذهب إلى القسطنطينية، للحصول على معونة مادية من قبل الإمبراطور ليسترد هذه السلطة. سار الصليبيون دون أن يلتزموا النظام، ولما سادت بينهم الفوضى والاضطراب، فأعمل فيهم الأتراك السلاجقة ذبحاً وتقتيلاً وكان ولتر المفلس من بين القتلى. أن يعثر على قارب فأقلع به إلى القسطنطينية، ليروي خبر المعركة إلى كل من بطرس الناسك والإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين. وقد بادر الإمبراطور الكسيوس كومنين بإصدار الأمر بأن يقلع عدد من السفن الحربية تقل قوات ضخمة لنجدة من تبقى حياً من الصليبيين، فحملتهم السفن وعادت بهم إلى القسطنطينية، كان الزعماء والسادة الإقطاعيون الذين حملوا الصليب قد جمع كل منهم رجاله في إقليمه. ولم يكن من بين هؤلاء الزعماء ملوك، فقد كان فيليب الأول ملك فرنسا، وهنري الرابع ملك ألمانيا مطرودين من رحمة الكنيسة، في حين كان أوربان الثاني يدعو إلى الحرب الصليبية، ولكن كثيرين من النبلاء انضموا إلى صفوف المقاتلين، وبهذا كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم مغامرة فرنسية، يعتدون على الشعوب الأوربية المسيحية التي سلكوا أراضيها، وهو الشطر المعروف بحملة الأمراء والواقع أن الشطر الخاص بالأمراء في الحملة الصليبية الأولى تألف من عدة حملات أو جيوش، لكل منها طابعها المميز الذي لازمها منذ أول الأمر، إذ تولى زعامتها عدة أمراء لكل منهم اتجاهاته وجنده وسياسته الخاصة، إذ أبدوا استعدادهم لأن يلتزموا بالموعد الذي حدده البابا. ويتحتم عليهم أن يرتبوا أمر الحكومة التي تتولى شئون بلادهم، ولم يكن أحد منهم مستعداً للرحيل قبل نهاية أغسطس. كان الجيش الصليبي الأول من حملة الأمراء بقيادة جود فري اف بوايون الذي استجاب للحرب الصليبية نظراً لأنه لم يكن كبير الأمل في مستقبل له باللورين، أتم جوفري تجهيزاته على أحسن وجه، عزم جودفري على ألا يسلك الطريق الذي اتفق الأمراء الصليبيون على أن يتخذوه وهو الذي يجتاز إيطاليا، ولعل ذلك راجع إلى ما أحس به من الحرج في علاقته مع البابوية، ولذا عزم على أن يتخذ الطريق الذي يخترق بلاد المجر. وعندما وصل جودفري إلى حدود الدولة البيزنطية في أواخر نوفمبر عام ١٠٩٦م، حدث اتفاق بينه وبين الإمبراطور البيزنطي تعهد فيه الأول بعدم قيام رجاله بأي عمليات للسلب في مقابل ذلك تعهدت الإمبراطورية بإمداد الصليبيين بكل ما يلزمهم من تموين، وعلى أساس الاتفاقية السابقة استأنف الصليبيون طريقهم حتى وصلوا إلى شاطئ بحر مرمرة في منتصف ديسمبر عام ١٠٩٦م. وبعد ذلك وصل جودفري على رأس قواته إلى القسطنطينية في الثالث والعشرون من ديسمبر، وبعد حدوث عدة مناوشات بين الصليبين والبيزنطيين، وأخيراً اضطر جودفري إلى قبول شروط الكسيوس كومنين في إبريل عام ۱۰۹۷م، أما الجيش الصليبي الثاني من حملة الأمراء كان بقيادة بوهيموند النورماني الذي كان يحاصر مدينة أمالفي التي ثارت ضد النورمان في إيطاليا في مستهل عام ۱۰۹٦م، وفي تلك الأثناء ترامت إلى مسامع بوهيموند أن جيوشاً غفيرة خرجت من فرنسا وألمانيا في طريقها إلى بيت المقدس. ولم يكد بوهيموند يتأكد من طبيعة تلك الحركة وأهدافها حتى ترك حصار أمالفي وأسرع هو الآخر الخروج إلى الشرق على رأس حملة نورمانية كبيرة وبصحبته ابن أخيه تنكرد وخمسمائة أمير وعشرة آلاف فارس وعشرون ألف راجل. وفي نوفمبر عام ١٠٩٦م نزلت الحملة النورمانية، في أفلونا Avlona على شاطئ البانيا، لقد سببت حملة النورمان الصليبية فزعاً للبلاط البيزنطي لأن النورمان بالذات لهم سوابق خطيرة في الهجوم على أراضي الإمبراطورية البيزنطية، فضلاً عن أن هذه الحملة جاء على رأسها ابن روبرت جويسكارد الذي مازالت محاولته لغزو الدولة البيزنطية وتهديد القسطنطينية نفسها عام ۱۰۸۱م ماثلة في أذهان البيزنطيين. وأثناء سير جيش النورمان في البلقان نجح بوهيموند في كبحجماح جنوده، فمنعهم من الاعتداء على الأهالي وأموالهم، وبهذه السياسة الحكيمة نجح بوهيموند في كسب ثقة الإمبراطور الكسيوس كومنين، الذي أمر بإمداد القوات النورمانية بكل ما احتاجت إليه من ميرة طوال طريقها إلى القسطنطينية. وعندما اقترب النورمان من القسطنطينية في إبريل عام ۱۰۹۷ م طلب بوهيموند مقابلة الإمبراطور الكسيوس ليصالحه ويعبر له عن إخلاصه ونواياه الطيبة، فوافق الإمبراطور على ذلك وتمت المقابلة بينهما، وسرعان ما أقسم بوهيموند يمين الولاء للإمبراطور وأعلن تبعيته له، وهنا لبي الإمبراطور طلب بوهيموند فوعده بمنطقة واسعة حول أنطاكية طولها مسيرة خمسة عشر يوماً وعرضها مسيرة ثمانية أيام. وبذلك تكون هذه الاتفاقية قد حددت مولد إمارة أنطاكية النورمانية، وهي الإمارة التي صار لها شأن كبير فيما بعد في تاريخ الصليبيين ببلاد الشام. وبفضل سياسة بوهيموند وحسن تصرفه وبعد نظره، سارت الأمور بين السلطات البيزنطية من ناحية والنورمان من ناحية أخرى على خير ما يرام، فانتقلت حملة النورمان إلى الشاطئ الآسيوي في أواخر إبريل عام ۱۰۹۷م لتحتل مكانها إلى جانب جيش جودفري اف بوايون. والمندوب البابوي أدهيمار أف مونتيل Adhemar of Montel أسقف لوبوي Louboy وفي أكتوبر عام ۱۰۹٦م غادر الجيش غرب أوروبا واجتاز شمال إيطاليا إلى كرواتيا ومنها إلى دلماشيا ثم ألبانيا ومقدونيا ثم القسطنطينية في أواخر إبريل عام ١٠٩٧م، وعندما اقتربت قوات ريموند من القسطنطينية دعا الإمبراطور الكسيوس كومنين زعيمها ريموند تولوز لمقابلته في العاصمة، ولكنه وافق على أن يقسم على احترام حياة الإمبراطور وشرفه، وألا يقوم هو ورجاله بعمل يسيء إلى الإمبراطور، وبعد ذلك اجتاز ریموند بقواته البسفور . وصهره ستيفن كونت بلوا، وابن خالته روبرت كونت فلاندر. وبدء هذا الجيش سيره من شمال فرنسا في أكتوبر عام ١٠٩٦م، فاجتاز جبال الألب إلى إيطاليا، ثم اتجه إلى لوكا ومنها إلى روما ثم إلى أبوليا، ولم يمانع روبرت دوق نرمنديا ، وبعد ذلك عبر هؤلاء الصليبيون البسفور إلى آسيا الصغرى وأسرعوا في اللحاق ببقية الصليبيين الذين كانوا قد شرعوا فعلاً في حصار نيقية .